رفع أسعار المحروقات في مصر يعمّق المخاوف من الغلاء

الزيادة الجديدة أربكت الأسر وفجّرت اهتماماً وجدلاً «سوشيالياً»

مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
TT

رفع أسعار المحروقات في مصر يعمّق المخاوف من الغلاء

مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)
مصريون يتخوفون من الغلاء بعد ارتفاع أسعار المحروقات (الشرق الأوسط)

ما إن تأكد سائق السيارة الأجرة (الميكروباص) المتوجهة من مدينة منوف بمحافظة المنوفية (في دلتا النيل) إلى القاهرة، صباح الجمعة، من اكتمال عدد ركابها، حتى أخبرهم وهو يهم بغلق باب السيارة أن «الأجرة زادت لـ25 جنيهاً»، وهي العبارة التي «أغضبت الركاب» اعتراضاً على رفع الأجرة 5 جنيهات كاملة، وذلك عقب قرار رفع أسعار المحروقات في مصر، مساء الخميس.

وعمق قرار الزيادة الجديدة على البنزين والسولار مخاوف المصريين من غلاء جديد يطول السلع والمنتجات والخدمات، كما أربك الأسر، وفجر اهتماماً وجدلاً على «السوشيال ميديا» ليتصدر هاشتاغ «#البنزين» منصة «إكس» الجمعة.

وقررت لجنة تسعير المنتجات البترولية في مصر، مساء الخميس، تحريك سعر البنزين والسولار، وأشارت إلى أن «القرار يأتي تماشياً مع الأسعار العالمية». وحسب مراقبين، فإن رفع سعر المحروقات سوف «ينعكس على تعريفة استقلال سيارات الأجرة والنقل العام». وقدر المراقبون الزيادة الجديدة بـ«نسب تتراوح ما بين 8 إلى 33 في المائة».

ومع تحرك سيارة الأجرة، تعالت أحاديث الركاب، ليقول أحدهم: «بعد تراجع سعر الدولار في السوق السوداء استبشرنا الخير، والآن مع تحرك المنتجات البترولية ستزيد أسعار السلع كافة». وأشار راكب آخر إلى أن «المشكلة أن أسعار المواصلات كافة سوف ترتفع، وبالتالي تحمل مصروفات وأعباء جديدة»، وبينما توقع أحد الركاب «ارتفاع أسعار تذاكر مترو الأنفاق وقطارات السكك الحديدية الفترة المقبلة»، ردت إحدى الراكبات بقولها إن «غلاء السلع خلال الأشهر الماضية سبب لنا ربكة، فما بالنا بالزيادات المتوقعة على السلع والمنتجات، خصوصاً وأننا في شهر رمضان، حيث يرتفع فيه إنفاق الأسر على السلع».

ومطلع مارس (آذار) الحالي سمح البنك المركزي المصري للجنيه بالانخفاض بما يصل لنحو 50 جنيهاً للدولار الواحد، وإعلانه التحول إلى نظام صرف مرن، وفق «آليات السوق»، بالتزامن مع توقيع مصر برنامج قرض بقيمة 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي. (الدولار يساوي 46.6 جنيه مصري حتى مساء الجمعة).

واستقبل المصريون شهر رمضان هذا العام في ظل أعباء اقتصادية، عقب ارتفاعات متتالية في أسعار السلع منذ بداية العام الحالي، خصوصاً المواد الغذائية، ومنتجات الألبان، واللحوم، والدواجن، كما رفعت وزارة النقل المصرية أسعار تذاكر مترو الأنفاق مطلع يناير (كانون ثاني) الماضي.

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور أشرف غراب، يرى أن «التوترات الجيوسياسية والحروب التي يشهدها العالم تسببت في رفع أسعار النفط والغاز عالمياً، وبالرغم من أن الدولة المصرية زادت من مخصصات دعم أسعار البنزين والسولار والمواد البترولية الأخرى في الموازنة العامة للعام المالي الجديد، لكن الزيادة العالمية في سعر الوقود فاقت هذه الزيادة، خصوصاً بعد استمرار هجمات الحوثيين على السفن بالبحر الأحمر، التي تسببت في رفع تكلفة الشحن والنقل والتأمين وزادت من سعر النفط عالمياً».

أيضاً شهد الفضاء الإلكتروني نقاشات مماثلة، الجمعة، حيث فجر التسعير الجديد للمنتجات البترولية اهتماماً وجدلاً على «السوشيال ميديا»، ومعه ارتفع إلى صدارة التريند، «هاشتاغات»: «#البنزين»، و«#المواد البترولية»، «#المواصلات العامة»، التي وجدت تفاعلاً كبيراً من رواد التواصل الاجتماعي.

«زيادة رسوم جميع المواصلات العامة، على جميع المواطنين ربط الأحزمة»، قالتها «نور» عبر حسابها بموقع «إكس»، في إشارة إلى زيادة أسعار المحروقات، تعليقاً على تصريحات وزير التنمية المحلية المصري، هشام آمنة، حول متابعته مع المحافظين الإجراءات المتخذة عقب تحريك أسعار المواد البترولية.

وأكد الوزير المصري أن المحافظات شهدت، الجمعة، عقد اجتماعات موسعة للمحافظين مع الأجهزة التنفيذية والمعنية بالمحافظات لتحديد أسعار تعريفة الركوب الجديدة، ووجه المحافظين بـ«تكثيف حملات الرقابة على مواقف السيارات، لمتابعة الالتزام بتعريفة الركوب الجديدة والتصدي لمحاولات الزيادة بصورة منفردة أو تقسيم خطوط السير».

ووفق الزيادة الجديدة على المحروقات، تقرر تحريك سعر البنزين والسولار جنيهاً واحداً، لتصبح قيمة لتر بنزين 80 بعد الزيادة 11 جنيهاً، وبنزين 92 بعد الزيادة 12.50 جنيه، وبنزين 95 بعد الزيادة 13.5 جنيه. كما تم زيادة سعر السولار جنيهاً و75 قرشاً للتر الواحد ليصبح سعر لتر السولار 10 جنيهات.

بينما قال حساب باسم «ابن النيل» إن تحريك أسعار المواد البترولية يُحدث «انعكاساً سلبياً على ارتفاع الأسعار وعدم تحجيمها».

وحسب الخبير الاقتصادي المصري، فإن «رفع أسعار السولار سيزيد من تكلفة الشحن والنقل للبضائع والسلع، لأنه يتم نقلها على سيارات النقل التي يتم تموينها بالسولار، وبالتالي ستزداد أسعار النقل والشحن، وهذا يؤدي لرفع أسعار السلع، ما ينعكس بالسلب على معدلات التضخم فيزيد». وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية قفز إلى 35.7 في المائة في فبراير (شباط) الماضي من 29.8 في المائة في يناير الماضي، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات.

ودخل رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، على خط التعليقات، قائلاً عبر حسابة على «إكس»: «المفروض إن بنزين 95 يزيد بنسبة أعلى، لأن من يستعمله الطبقات الأغنى والسيارات الفارهة»، وهي «التغريدة» التي لاقت تفاعلاً كبيراً من جانب المتابعين له.

كما تعددت التعليقات التي ربطت بين الزيادات الجديدة للمحروقات برواتب الموظفين الرسميين في البلاد، وقال حساب باسم «راجي عفو الله» إن «مشكلة رفع سعر البنزين والسولار إن أكثر واحد متضرر منها هم الموظفون».

عودة إلى غراب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه للتحكم في أسعار السلع «لا بد من تحديد هامش للربح لأغلب السلع، خصوصاً بعد انخفاض أسعار الدولار بالسوق السوداء وتوافره في البنوك الرسمية للمستوردين والصناع والمنتجين بسعر أقل، وبالتالي كان من المفترض أن تنخفض أسعار السلع الفترة المقبلة، لذا لا بد من فرض رقابة صارمة على الأسواق لعدم التلاعب واستغلال ارتفاع أسعار السولار وزيادة الأسعار بمعدلات تؤثر بالسلب على معيشة المواطن».

أيضاً أكد عضو لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، النائب عمرو هندي، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لتقليل مخاوف المصريين من الغلاء بعد تحريك أسعار المحروقات، لا بد أن تُشدد الحكومة المصرية من الرقابة على الأسواق، وأن يكون لها دور رقابي أكبر، فالمغالاة في أسعار السلع يتسبب فيها التجار، وهو ما رأيناه خلال الشهور الماضية، أما في الوقت الحالي فلا مبرر للتجار لرفع الأسعار مجدداً بعد تراجع الدولار في السوق السوداء».

كما حضرت السخرية أيضاً على «السوشيال ميديا» بسبب أسعار المحروقات، وقال حساب باسم «سامح عسكر» تعليقاً على ما ذكرته «لجنة التسعير» بأن الزيادة تأتي نتيجة الأسعار العالمية، «ما تخلوا الرواتب برضه تماشياً مع الأسعار العالمية». وكذلك سخر حساب باسم «سارة الحسيني»، قائلاً: «بمناسبة عيد الأم قررنا رفع أسعار المواد البترولية».


مقالات ذات صلة

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

يصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية...

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا علي أكبر يبيع نسخ الصحف في الحي اللاتيني بباريس في 16 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

علي أكبر... بائع الصحف الباريسي الذي يطوي آخر فصل من زمن المناداة على العناوين

يتنقل الباكستاني علي أكبر يومياً بين الباحات الخارجية للمقاهي في وسط باريس، حيث ألِف الرواد وجه هذا المسنّ، وهو آخر بائع صحف ينادي عليها بصوته في عاصمة فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
لمسات الموضة ريكاردو بيلليني (فالنتينو)

دار «فالنتينو» الإيطالية تعين ريكاردو بيلليني رئيساً تنفيذياً جديداً لها

أيام قليلة مرت على إعلان دار «فالنتينو» خروج رئيسها التنفيذي السابق جاكوبو فينتوريني، حتى أعلنت تعيين ريكاردو بيلليني خليفة له. رجل مخضرم في صناعة الموضة، عمل…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ريم العبلي - رادوفان (إ.ب.أ)

جدها أُعدم في العراق... ريم العبلي من لاجئة إلى وزيرة ألمانية

وقع الاختيار على ريم العبلي - رادوفان، المفوضة الحالية لشؤون الهجرة واللاجئين والاندماج، لتصبح وزيرة التنمية في الحكومة الألمانية الجديدة. فماذا نعرف عنها؟

ماري وجدي (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.