معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

كتاب يتحملون مسؤوليةً اجتماعيةً وسياسيةً إلى جانب مسؤوليتهم الفنية والإبداعية

بورخيس
بورخيس
TT

معنى الكتابة في أميركا اللاتينية

بورخيس
بورخيس

في عام 1979، بطلب من «نادي القلم الفرنسي»، ألقى الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي كان آنذاك قد أصبح يحظى بشهرة عالمية، محاضرة في «مركز جورج بومبيدو» بباريس حملت عنوان: «معنى الكتابة في أميركا اللاتينية». وقد بدأ محاضرته تلك بالإشارة إلى انتحار الكاتب البيروفي خوزيه ماريا أرغيداس في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1969 في قاعة بجامعة «لا مولينا» بالعاصمة ليما. وبالقرب من جثته عُثر على ورقة سجّل عليها توصياته بخصوص مراسيم جنازته، والمكان الذي سيدفن فيه، مُحدّداً اسم الذي سيلقي خطبة الوداع في المقبرة، وراجياً من صديق له عازف على الكمان أن يعزف له قبل نزوله إلى أعماق الظلمات مقاطع موسيقية يحبها. وقد حظي أرغيداس بجنازة محترمة، وتنافست مجموعات من اليسار المتطرف التي تعيش نزاعات آيديولوجية فيما بينها لحمل نعشه. وخلال الأيام التي أعقبت دفنه، عثر أيضاً على رسائل خطّ عليها وصاياه الأدبية، مُوضّحاً الأسباب التي دفعته إلى الانتحار. وقد وجّه تلك الرسائل إلى صحافيين، وكتّاب، وأساتذة، وأيضاً إلى شخصيات سياسية. في واحدة من الرسائل يعترف أنه يشعر أنه انتهى ككاتب، ولم يعدْ بإمكانه أن يُضيف أي شيء جديد لأعماله السابقة.

وفي رسائل أخرى يشير إلى أن الأسباب التي دفعته إلى الانتحار اجتماعية وأخلاقية وسياسية قائلاً بأنه كان يشعر بالحزن والغضب وهو يُعاين الحياة المُهينة التي يعيشها الهنود، والمظالم الاقتصادية المسلطة على الطبقات الفقيرة، والعنف الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة. ويقول ماريو فارغاس يوسا إن وصايا خوزيه ماريا أرغيداس تكشف بقوة ووضوح وبطريقة دراماتيكية الأوضاع والظروف التي ترافق فعل الكتابة في بلدان أميركا اللاتينية. ففي البلدان التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، يُركز الكاتب كل جهوده على عمله ساعياً لأن يكون مُتقناً بما يرضيه ويُرضي قراءه، ويثري ثقافة بلاده. أما في بلدان أميركا اللاتينية فإن الكاتب يجد نفسه مُطالباً بتحمّل مسؤولية اجتماعية، بل أحياناً سياسية إلى جانب مسؤوليته الفنية والإبداعية. ومعنى ذلك أنه يتوجب عليه أن يُساهم بأعماله الأدبية في النشاطات الاجتماعية والسياسية ليكون الالتزام واجباً مفروضاً عليه، ولا يمكنه أن يفلت منه. ولا يقتصر هذا الأمر على الماركسيين واليساريين بتوجهاتهم المختلفة، بل هو يشمل أيضاً جل الأوساط المثقفة التي تنفر من كل التوجهات الآيديولوجية.

ماريو فارغاس يوسا

لكن لماذا يتوجب على الكتّاب والفنانين في بلدان أميركا اللاتينية أن ينشغلوا بالقضايا السياسية والاجتماعية؟ على هذا السؤال، يجيب يوسا قائلاً بأن الأمر ليس مرهوناً بالظروف الاجتماعية، وإنما لأن الأدب ظل على مدى قرون الوسيلة المثلى للتعريف بهذه الظروف، وإبراز سلبياتها. ويعود ذلك إلى أن الأنظمة السياسية على اختلاف توجهاتها دأبت على إخفائها والتستّر عليها بمختلف الطرق والوسائل، خانقة كل الأصوات المعارضة لها. فلا حديث في وسائل الإعلام الرسمية عن الظلم المسلط على العمال والفلاحين، ولا عن التعذيب الذي يتعرض له المساجين السياسيون، ولا عن الاغتيالات والجرائم السياسية. حتى الجامعات ليست مُستثناة من الرقابة ومن العقاب. وفي بلد مثل الأوروغواي تمّ غلقُ قسم العلوم الاجتماعية لأن النظام تلقّى من جواسيسه تقريراً يؤكد أن هذه العلوم تحثّ على التمرد والثورة، وتُفسد عقول الشبيبة. لكن رغم قوة وعنف أجهزة الرقابة والمنع، كان الأدب يتمكن دائماً من تبليغ رسائله، مؤثراً في الأفكار، وفي التوجّهات العامة. وغالباً ما كانت الروايات والقصائد تفلت من فخاخ الرقابة والمنع والمصادرة. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن ما يحدث مع الأدب في بلدان أميركا اللاتينية ليس ظاهرة جديدة. ففي العهود التي كانت في البلدان التي تعيش تحت الهيمنة الاستعمارية، لعب الأدب بمختلف أشكاله وفروعه من مسرح، وشعر، ورواية، دوراً أساسياً في النضالات السياسية.

خوزيه ماريا أرغيداس

جميع هذه الفروع كانت مثلما يقول ستاندال بمثابة المرايا التي فيها ترى شعوب بلدان أميركا اللاتينية واقعها وتفاصيل حياتها. وكل ما كانت تقدمه وسائل الإعلام الرسمية مشوّهاً ومبتوراً ومُزيفاً وكاذباً، وكل ما كان مُحرّماً وممنوعاً، كان الأدب يُزيل عنه كل هذا لكي يكون الواقع معكوساً بطريقة صادقة ونزيهة. وما حدث كان مُفارقاً، إذ إن «مملكة الذاتيّة تحوّلت في أميركا اللاتينية إلى مملكة الموضوعية»، و«الخيال عوّض العلم كوسيلة لوصف الحياة الاجتماعية». وبذلك أصبح الكتّاب يعتقدون أن مهمة الأدب هي توثيق الواقع، والبحث عن الحقيقة الضائعة والمُغيّبة. وكان الكتّاب من أصول هندية، أو من المنتصرين لقضيتهم هم أول من فضح الظروف البائسة والمهينة التي يعيشها مزارعو الجبال والقرى النائبة التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وإدانة ما يتعرضون له من مظالم من قبل كبار ملاّكي الأراضي. وكانت أول هؤلاء الكتاب امرأة تدعى كلوريندا ماتّو دو تونير كانت قد تأثرت بروايات إميل زولا وبأفكار الفلاسفة الوضعيين.

في روايتها «العصافير من دون عشّ» ترسم دو تنير صورة حيّة لحياة المزارعين الهنود من زوايا مختلفة، مُعريّة مختلف أشكال الظلم والتعسف التي تسمم حياتهم اليومية وهم يعملون في الحر وفي البرد من أجل الحصول على قوتهم اليومي الذي لا يُشبع جوعهم، وجوع عائلاتهم. لذلك يرى ماريو فارغاس يوسا أنه ليس بإمكاننا أن نتعرف على التاريخ الزراعي لبلدان أميركا اللاتينية ولا على المصير المأساوي للهنود منذ نهاية الهيمنة الاستعمارية، من دون العودة إلى الرواية الهندية لأنها «الشاهد الوحيد» على كل هذا. لذلك يمكن القول إن الكتّاب كانوا صحافيين ونشطاء اجتماعيين وسياسيين منحوا الأدب مواصفات وأدواراً جديدة وغير مسبوقة في بلدان أميركا اللاتينية. وعندما عاينت الخطر الذي يمثله الأدب، شرعت الأنظمة المدنية والعسكرية في بلدان أميركا اللاتينية تُلاحق الكتاب والشعراء، وترمي بهم في السجون، بل وتغتالهم في ظلمة الليل. وهذا ما حدث في الشيلي، وفي الأوروغواي، وفي الأرجنتين. ويرى ماريو فارغاس يوسا أن الالتزام في الأدب لا يعني أن الكاتب الذي يخضع له يمكنه أن يُبدع عملاً جيداً على المستوى الفني.

الأسباب التي دفعت أرغيداس إلى الانتحار شعوره بالغضب تجاه المظالم الاقتصادية المسلطة على الفقراء، وعنف الأقوياء على الضعفاء، وفساد وسطحية الثقافة المُهيْمنَة، وهبوط مستوى التعليم، وانعدام الحريات العامة والخاصة

وهذا ما حدث مع العديد من الكتاب الذين التزموا بقواعد ما سمّاه غدانوف بـ«الواقعية الاشتراكية» التي أنتجت أدباً سطحياً ومبتذلاً، وغريباً عن الفن في مفهومه العميق. وبسبب الضغوط الاجتماعية والسياسية، سقط في فخ الواقعية الاشتراكية كُتّاب وشعراء من بلدان أميركا اللاتينية. وتلك الأعمال التي كتبوها وهم على عجلة من أمرهم لالتقاط اللحظة الهاربة، لم تُعمّر طويلاً، بل سرعان ما جرفها الزمن ليضعها في رفوف التاريخ الاجتماعي والسياسي وليس في رفوف الأدب. إلاّ أن كتّاباً آخرين من أميركا اللاتينية التزموا بالقضايا الكبرى لمجتمعاتهم لكنهم أبدعوا أعمالاً رفيعة على المستوى الفني، مُدركين أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن تصنعه العواطف الأكثر نبلاً وإنسانيةً. ثم إن الأدب الحقيقي بالنسبة لهم «يُقدّمُ الهواجس والبديهة والاستبصار على الأفكار»، وحقيقته «لا تخْضعُ لتشابهه مع الواقع، وإنما بقدرته على أن يتشكل على صورة مغايرة للنموذج وللمثال». والأدب لا يهتم بالأحداث اليومية والفورية بل هو «ينغرس في واقع دائم الاستمرار». لذا بإمكاننا أن نقرأ هوميروس أو دانتي أو سارفانتس أو أوفيد أو فرجيل كما لو أنهم مُعاصرون لنا. ومصادر الأدب تنزل بعيداً في أعماق التجربة الإنسانية الغامضة لا للدفاع عن آيدويولوجيا أو عن عقيدة أو عن دين، وإنما لتقويض أسس كل هذا لكي يكون الإنسان أكثر حريةً في اختياراته وفي أفكاره. كما أن مهمة الأدب ليست مقاومة الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية وإنما هو نقيض لكل ما هو موجود.

وقد ابتكر البعض من كُتّاب أميركا اللاتينية ما أصبح يُسمى بـ«الواقعية السحرية». وهؤلاء الكتّاب لا يهتمون بإبراز ظواهر المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وإنما هم يلجأون إلى الخيال في أقصى مدّ لجموحه لاستكشاف رؤى وكوابيس وأحلام وعوالم غريبة وعجائبية. لكن لا يعني ذلك هروباً من الواقع، وإنما يعني ابتكار أدوات فنية عالية وجديدة لتصوير هذا الواقع الذي غالباً ما يفلت عن أولئك الذين يتوقّفون عند السطح لأنهم لا يمتلكون القدرة للذهاب أبعد من ذلك. وقد تجسدت هذه «الواقعية السحرية» في قصص الفنزويلي سالفادور غارمانديا التي رسم فيها صورة مُرعبة للحياة في شوارع كاراكاس، وفيها كشف أوهام الطبقات المتوسطة وأحلامها الضائعة. وفي الرواية اليتيمة للمكسيكي خوان رولفو: «بيدرو باراما» تتكلم الكائنات من العالم الآخر، ومن القبور تخرج أصوات الموتى لتكشف حقائق كانت مجهولة ومُغيّبة. وقد بدا الأرجنتيني خوليو كورتثار بأعمال لا تهتم كثيراً بواقع بلاده، لكنه كان مختلفاً في روايته «كتاب مانويل»، إذ أنه يمضي فيه بعيداً في استكشافات الخيال ليبرز ما هو مظلم في واقع ظنّ القراء والنقاد أنه غير مبال به، متطرقاً إلى مواضيع مهمة مثل المنفى، والديكتاتورية، والإرهاب السياسي والآيديولوجي. أما الأرجنتيني الآخر خورخي لويس بورخيس فقد رسم لنفسه مساراً مختلفاً عن مسارات كتّاب أميركا اللاتينية. وجل قصصه تتطرق إلى مواضيع أدبية وميتافيزيقية ودينية وسايكولوجية مستكشفاً الواقع الإنساني من زوايا مختلفة سامحاً لخياله بالذهاب إلى أقصى حدوده الممكنة. وبين وقت وآخر يدلي بورخيس بتصريحات تعكس أفكاراً يعتبرها أهل اليسار «رجعية ومحافظة»، بل «مؤيدة للأنظمة الديكتاتورية وللكنيسة» إلاّ أن يوسا يعتقد أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في التهكم والسخرية من يسار يعيش أوهاماً وأكاذيب تحجب عنه حقائق الوقع، وتُعمي بصيرته فلا يرى حركة التاريخ في مسارها الطبيعي بل في مسارها الآيديولوجي. كما أن بورخيس يرغب من خلال تلك التصريحات في أن يزداد توغلاً في وحدته، منصرفاً إلى الكتابة فلا يصرفه عنها أي موضوع آخر من أي صنف كان.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.