رحلة بول كلي التونسية

تحظى باهتمام كبير من قبل المؤرخين ومن قبل أهل الفن

شعار المهرجان
شعار المهرجان
TT

رحلة بول كلي التونسية

شعار المهرجان
شعار المهرجان

على مدى 3 أيام، من الثامن إلى الحادي عشر من شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، احتضن «المركز الثقافي الدولي بالحمامات» تظاهرة فنية للصالون الثالث للفنون التشكيلية. وإلى جانب المعارض التي زينت كل فضاءات المركز، بما في ذلك الحديقة والمدخل، قدمت مداخلات عن قضايا فنية مختلفة، تونسية وأجنبية، تخللتها نقاشات مفتوحة من الجمهور.

وفي ظهيرة يوم الجمعة الموافق للتاسع من الشهر المذكور، تم الاحتفاء برحلة الفنان الألماني - السويسري بول كلي إلى تونس في ربيع، التي اشتُهِرت بـ«Tunisiche Reise».

ولا تزال هذه الرحلة تحظى باهتمام كبير من قبل المؤرخين ومن قبل أهل الفن، بقطع النظر عن المدارس والتيارات التي ينتمون إليها؛ إذ إنها شكّلت انطلاقة جديدة سوف تكون لها تأثيرات حاسمة على العديد من كبار الفنانين في القرن العشرين. كما أنها كانت بمثابة حركة تمردية على الفن الاستشراقي الذي كان ينظر إلى الشرق بتعالٍ، وبنوع من الاحتقار لثقافته وعاداته وفنونه. لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرحلة لم يقمْ بها بول كلي بمفرده، وإنما كان مصحوباً بفنان كبير آخر، هو أوغست ماكه الذي عاد منها بلوحات بديعة تعكس كلّ مراحلها من تونس العاصمة إلى القيروان مروراً بضاحية الزهراء التي كانت تسمّى في ذلك الوقت بالحمامات.

إلاّ أن أوغست ماكه كان سيئ الحظ إذ إنه جُنّد حال عودته من تلك الرحلة، وأُرسل فوراً إلى جبهة القتال ليكون من أوائل ضحايا الحرب الكونية الأولى. وكان ذلك في السادس والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) 1914، وكان آنذاك في السابعة والعشرين من عمره. ورغم قصر مدة هذه الرحلة التي دامت 3 أسابيع فقط، فإنها كانت موحية وغزيرة وثرية من الناحية الفنية. منها عاد كل من بول كلي وأوغست ماكه بعدد كبير من اللوحات التي لا تزال معروضة إلى الآن في متحف «لينباخهاوس» بميونيخ.

لوحة من وحي القيروان

حالما رَسَت بهما باخرة «قرطاج» المقبلة من مرسيليا في ميناء حلق الوادي بالسابع من شهر أبريل (نيسان) 1914، شعر الفنانان وهما يتأملان المشاهد والألوان الزاهية التي تجلّت أمامهما أنهما سيقومان بـ«عمل جيد».

وفي يوم آخر، انطلقا إلى ضاحية سانت جيرمان، ليمضيا يومين في بيت ريفي قريب من الشاطئ. وما نلاحظه من خلال الملاحظات التي دوّنها بول كلي في يومياته بالأيام الثلاثة الأولى من الرحلة أن الفنانَيْن شعرا منذ وطأت أقدامهما ميناء حلق الوادي أنهما أمام مشاهد وعوالم جديدة وغير مسبوقة بالنسبة لهما، لذا يتوجب عليهما أن يبتكرا رؤية فنية تنسجم معها، وتعكس روحها الداخلية وتكون معارِضة ومُخالفة للفن الاستشراقي الذي يتوقّف عند المظهر الخارجي عاجزاً عن اختراق السطح للنفاذ إلى الأعماق فيرسم لنا نساء أو رجالاً باللباس التقليدي، أو مشاهد من الرقص الشرقي الذي يسميه الفرنسيون «رقص البطن»، أو أسواقاً أو مشاهد طبيعية، كما في الصور الفوتوغرافية، بل قد تكون أقل منها إثارة وجمالاً على المستوى الفني. أما كلي وأوغست ماكه فقد كانا يرغبان في رَسْم ما تثيره فيهما مشاهد بشرية أو طبيعية، من مشاعر وانطباعات وأفكار، محاولين من خلال الألوان أن ينفذا إلى ما هو أبعد من الصور والمظاهر التي تلتقطها العين المجردة. وما نلاحظه أيضاً من خلال يوميات بول كلي أن الفنانين كانا يوليان اهتماماً كبيراً لما ليس باستطاعة الفن الاستشراقي اكتشافه في تحوّلات ألوان النهار من الصباح إلى المساء، وانعكاس ذلك على البشر والحجر، وعلى السماء، وعلى البحر، في مدّه وفي جَزْره، وعلى الأسواق المغطاة، وعلى الأقمشة المعروضة، وعلى غير ذلك.

يوم الاثنين الموافق للثالث عشر من أبريل (نيسان)، يعود الفنانان إلى العاصمة في سيارة الدكتور شيغي المقيم في تونس، ويقومان بزيارة سيدي بوسعيد التي يصفها بول كلي في يومياته على النحو التالي: «في الأعلى تمتد المدينة بكثير من الإجلال، وتمدّ نظرها بعيداً في البحر الذي يرتفع في الأفق بنَفَس شاسع كلما تقدمنا في صعودنا. ثم توقّفنا عند باب حديقة لأنجز رسماً مائياً».

بعد سيدي بوسعيد، انطلقت سيارة الدكتور شيغي بالفنانين إلى ضاحية قرطاج للبحث عما يمكن أن يؤكد لهما انتصار روما على قرطاج. وفي يومياته، يلاحظ بول كلي أن الأماكن التي طافا فيها كانت أجمل من تونس المدينة، لأنها تنفتح جميعها على البحر. وباستثناء بعض الآثار، لم يكن هناك ما يُحيل إلى الماضي البعيد. وكان هناك إيطاليون يعزفون موسيقى مُتنافرة الأنغام لم يسمع كلي في بلاده سويسرا مثيلاً لها من قبل أبداً. لذا بدت له وكأنها تعزف ألحان الانتصار المريب الذي حققته أوروبا على أفريقيا. وفي يومياته يُضيف كلي بعض الملاحظات السوسيولوجية، ويقول إن المعمِّرين الفرنسيين ينظرون بعين الاحتقار والنفور إلى الإيطاليين القادمين تحديداً من جزيرة صقلية، لأنهم لا يمثّلون بحسب رأيهم الجنس الأوروبي المتحضّر والمتمدّن، لذلك تتراكم الضغائن والأحقاد بينهم. ثم يضيف كلي قائلاً: «مدينة تونس عربية أولاً، وإيطالية ثانياً، وفرنسية في المرتبة الثالثة فقط. إلاّ أن الفرنسيين يتصرفون وكأنهم أسياد».

يوم الثلاثاء الموافق للرابع عشر من الشهر المذكور، انطلق الفنانان مع صديقهما لويس إلى الحمامات في قطار بطيء و«بدائي». ويصف كلي الحمّامات على النحو التالي: «المدينة الساحرة على ساحل البحر مُقرّنة، مثلثة، ثم مُقرّنة مرة أخرى. من حين لآخر، من فوق السور، يلقون عليك نظرة. وفي الشوارع نحن نلتقي نساء أكثر عدداً من النساء في مدينة تونس. والفتيات الصغيرات يتجولن من دون حجاب، مثلما الحال في المدن الأوروبية. أحاول أن أرسم. حرجات الدغل والقصب تُشكّل نسقاً بديعاً للطخات. في النواحي المحيطة بالمدينة حدائق غنّاء، وصبار هائل يُشكّل سياجاً». ويلاحظ كلي أن بين سياجَي الصبار مسرباً مُقعّراً ذكَّره بالمسرب الذي التقى فيه غيوم تل غاسلار صدفة بمسرحية شيللر الشهيرة عن البطل السويسري غيوم تل. وعلى شرفة صغيرة عند مدخل الفندق، أنجز كلي لوحة حاول أن يكون فيها وفيّاً للمشهد الطبيعي الذي استوحاها منه.

كانت رحلة كلي إلى تونس بمثابة حركة تمردية على الفن الاستشراقي الذي كان ينظر إلى الشرق بتعالٍ

المرحلة الأخيرة من الرحلة التونسية بدأت يوم الأربعاء الموافق للخامس عشر من أبريل، وكانت باتجاه القيروان. وكان على بول كلي ورفاقه أن يقطعوا راجِلِين المسافة الفاصلة بين الحمامات وبير بورقبة ليركبوا من هناك القطار إلى عاصمة الأغالبة. وفي الطريق عاينوا مظاهر بشعة من البؤس تجلَّت لهم من خلال لباس الناس، وملامحهم الحزينة الشاحبة، وأيضاً من خلال شحاذين كانوا يهجمون عليهم بين وقت وآخر، ويعرقلون سيرهم في الطريق الرملية التي كانوا يسيرون فيها بصعوبة. غير أن الرحلة في القطار باتجاه القيروان كانت بديعة. ومن خلال يومياته، نحن نعاين أن كلي حرص كعادته على تدوين كل ما كان يرى، كل ما كان يسمع ويشم، مُسجّلاً بدقة خواطره ومشاعره وأفكاره. وبعد استراحة في محطة «القلعة الصغيرة» انطلق القطار باتجاه القيروان مروراً بأكودة. وما يسترعي انتباهنا أن كلي كان متلهفاً للتعرف على القيروان التي وصفها قبل أن يراها بـ«التحفة الرائعة والعجيبة». حال وصوله إلى هناك، راح يطوف في الأزقة وفي الأسواق مُنتشياً بالروائح وبالمشاهد، كما لو أنه في واحدة من تلك المدن الشرقية الساحرة والفاتنة في «ألف ليلة وليلة». وفي يومياته كتب يقول: «في البداية هيجان مُكثف بلغ ذروته في الليل مع حفل زفاف عربي. ليس هناك مشاعر منعزل بعضها عن بعض، بل متوحّدة ومتكاملة. نسخة من (ألف ليلة وليلة)، والواقع فيها بنسبة 99 في المائة. أريج كم هو مُسْكِر وموقِظ ونافذ في الوقت ذاته. أكل وشراب لذيذان. تثقيف وانتشاء. وخشب مُعطّر على النار. هل هذه البلاد تشبهني؟».

أمضى كلي صباح يوم الجمعة الموافق للسابع عشر من أبريل في إنجاز لوحات منتصباً على كثيب من الرمل أمام المدينة بالقرب من السور. ثم وحيداً انطلق ليصل إلى حديقة صغيرة بها بعض الأشجار، وبالقرب منها فسقية الأغالبة التي كانت ممتلئة بنباتات مائية، وبالضفادع والسلاحف. وعند عودته إلى المدينة، مرّ بحدائق مُغيرّة، ورسم آخر لوحة مائية. وفي يومياته، كتب يقول: «جمعت متاعي القليل. قطاري ينطلق في الحادية عشرة صباحاً. اليوم أنا بحاجة إلى أن أبقى وحيداً، لأن التجربة التي عشتها كانت عميقة ومُكثّفة جداً، لذلك يتوجب عليَّ أن أغادر لكي أتمكن من السيطرة على نفسي وعلى مشاعري». وتبدو اللوحة الأخيرة التي رسمها كلي، والتي تعكس حزنه وهو يودع القيروان بألوانها الترابية، وكأنها مرثية لهذه المدينة التي فقدت أمجادها وأضحت مهملة ومنسية في السهول، ليكون مصيرها الخراب مثل كلّ المدن التي تُبنى بعيداً عن البحر، وعن الأنهار كما يقول ابن خلدون.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.