شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

الشاعر المصري عاطف عبد العزيز في «غياب حر»

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي
TT

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

شعرية الفكرة ومساءلة الماضي

بومضة شعرية مقتطفة من قصيدة للشاعر الفرنسي شارل بودلير، يسخر فيها من فجاجة العواطف الإنسانية، ويرثي روحه التي كانت تبدو شاسعةً كقبة السماء، يصدِّر الشاعر عاطف عبد العزيز ديوانه «غياب حر». لكن ما علاقة بودلير بهذا الديوان وهو الشاعر الرجيم الذي قاده شعره في القرن الثامن عشر إلى المحاكمة، واتهم ديوانه «أزهار الشر» بإشاعة الرذيلة وإفساد الأخلاق والذوق العام، أما ديوان «غياب حر»، الواقع في نحو مائة صفحة، فقد صدر عن هيئة الكتاب، وهي مؤسسة حكومية، ويتعامل مع الشر بمنطق الألفة والغرابة كحقيقة من حقائق الوجود. يتبلور ذلك في إطار رؤية مشغولة بشعرية الفكرة ومساءلة الماضي، وعبر مسافة افتراضية رخوة مقتطعة من جسد الزمن وسماها بهذا الاسم المراوغ «غياب حر»، ليظل السؤال معلقاً ما بين قوسي المفارقة والباب الموارب، نصف المفتوح.

ومن ثم: هل يناور الشاعر الحرية من نافذة هذا الغياب، أم يطل على الاثنين معاً بقوة الخيال، بحثاً عن حكمةٍ ما، ضائعة ومفتقدة، ربما في طوياها تكمن خلاصة تجربة شعرية لها مدها وجذرها ويقينها الخاص؛ أم أن الأمر يعكس حالة من «النوستالجيا» لأماكن وأزمنة وأشياء وخطى بشر وذكريات لا تزال عالقة صورها وملامحها في سقف هذا الغياب العابر المقيم، الذي ترتطم فيه الذات الشعرية بكينونتها، وهواجسها وأحلامها ورؤاها، وقبل كل شيء ترتطم بحريتها وشهوتها المقموعة المفتقدة للأنثى، التي تتحول بدورها في أغلب قصائد الديوان إلى مرثية مرّةٍ ومرآةٍ كاشفةٍ لهذا الغياب المباغت. ما يشي بأنه ليس غياباً حراً بقدر ما هو انعكاس لمرآة الأنوثة المهشّمة، وفي شظاياها لا تجد الذات الشاعرة وسيلةً للحفاظ على هذه الكينونة سوى الإيهام بالتآمر حتى على نفسها، وعلى هذه المرآة، متشبثة بشعرية الفكرة كإطار يحفظ لها شكلاً من التوازن بين المع والضد، بالإضافة لما تتمتع به هذه الشعرية من إعمال للعقل، ووقاية للذات من الوقوع في مغبة الترهل والاجترار. لذلك تعلن الذات الشاعرة بشكل واضح لا لبس فيه في مستهل النص الثاني بالديوان، الذي يحمل عنوان «Master Scene» أو المشهد الرئيس بلغة السينما قائلةً: «قتلتُ ربّة الغرام». لكن ربّة الغرام هذه ليست كائناً هلامياً أو رمزياً، إنما تتجسد صورتها في مصرع الفنانة الجميلة «سندريلا الشاشة» سعاد حسني، وسقوطها المروع من إحدى البنايات بالعاصمة البريطانية لندن عام 2001، الذي تحول إلى لغز لا تزال تلفه طبقات من الغموض.

يتـأمل الشاعر وقائع هذه المأساة، وينسج على غرارها جريمته الشعرية الخاصة، مستدرجاً ربة الغرام وهي تتسكع في منتصف الليل على حافة النهر ويعد لها كأساً مسمومة تودي بحياتها:

قلت: أنا رجل حزين،

ترك في البيت زجاجةً كاملةً

من شراب معتّق

وليس ثمة من ينادمه

تبسمتْ المرأةُ بشفتين مضموتين،

ثم قالت: لا بأس شريطة أن تعيدني إلى هنا

قبل انقضاء الليل

إن التناص يتحول هنا إلى شكل من أشكال التقمص للشخصية المستدعاة، وتتحول الذات إلى قناع لها، تلاعبها من خلفه، وتتبادل معها الأدوار، وفي الوقت نفسه تحافظ على مسافة رهيفة بينهما، توهم في ظلالها بأنها الجاني والضحية معاً، ومن ثم يبدو القناع وكأنه الشيء واللاشيء معاً... فهكذا لا يفرغ الشاعر من المشهد الدراماتيكي المتخيل تماماً، فحين يصل إلى لطشة النهاية يجعلها مفتوحة بقوة المفارقة على تخوم البدايات:

«قتلت ربَة الغرام

وليس عندي الآن ما أفعله.

أمضى النهارَ بطوله،

أخوض في نعمائي

كغيري،

حتى تكلَّ ساقاي.

وفي الليل

أتمدّد على أريكتي وإلي جواري كأسٌ مسمومة.

غير أنني، لا أجد من يحمل جثتي إلى الماء».

تتنوع شعرية الفكرة في الديوان، وتلعب دوراً لافتاً في الدلالة على المكان والزمان، وبناء إطار جذاب لهما، وبروح مسكونة بالفرح والخوف معاً تتحول في بعض القصائد إلى مفتاحٍ للبوح وتعرية الذات في مرآتها الخاصة، على شكل ومضات لاعجة من النجوى الداخلية، يختلط فيها الحلم بالواقع، وتحت نثار الذاكرة يبدو الشاعر وكأنه يفتش عن لغة أخرى في المشهد، لغةٍ تبدأ بعدما تنتهي لغة النص المكتوبة، مفسحةً المجال لمساحة أوسع تتنوع فيها القراءة والتفاصيل بقوة التخييل، ورهافة الالتقاط، وإعادة الاعتبار لحاسة اللّمس كسلاح للتذكر والتعرية والكشف.

لسنا إزاء إحالة لقضايا وجودية أو فلسفية مطلقة، إنما إزاء مناورة شعرية لذات ملتاثة بالحنين، ترى العالم والعناصر والأشياء وكأنها ظل وأثر لشيء ما مضى، لذلك يبدو الانزلاق إلى الحرية هو الخيار الوحيد أمامها، تتمسح به وتعزّز من خلاله وجودها وبناء عالمها من جديد في هذا الديوان؛ منوعةً مناورة هذا الانزلاق من زوايا عدة، فتارة نراه يتأرجح ما بين الحضور والغياب، وتارة ما بين الماضي والحاضر، والخاص والعام. ويبدو الشاعر في غبار كل هذا، كأنه يقف على حافة شائكة للزمن، يتأمله ببصيرة يقظة وأناقة مخيلة وهو يبتكر مداراته، ويتباهى بأنه سرمدي لا يبلى، مهما انمحت من حوله صور الأشياء وخفُت ضجيج الكائنات. ربما نفهم من ذلك مغزى هذا الغياب في صيرورته الحرة، وأنه ابن الفكرة، التي لم تعد متسقةً مع الإناء وما يحتويه، بعد أن تشعبت علاقاته في آفاق مخاتلة ومغايرة، لا تبالي بالإناء نفسه، وما يعتمل فيه من شروخ تهدده بالكسر والزوال.

هذا الهم يطالعنا على نحو واضح في النص الأول من هذا الديوان بعنوان «الكـتَّانة»، حيت يمر الحب ونزقة العاطفي بمحطات من المسرات والآلام، ثم في أزمنة تتناسخ وتكرر في نص «جنة المطاريد»، ولا يبقى أمام الذات الشاعرة سوى استعادة رتوش المشهد ولملمته في فضاء صورة لم تستطع الأيام أن تثبتها في الجدار، أو تمنحها الفراغ المناسب في الألبوم، أو تضعها بعناية فوق الرّف... يقول في نص «الكتَّانة»:

رِعدةٌ خفيّةٌ

لم تزل بيننا يا سيدةَ الأخطاء،

وكأنها غدَرةُ العطر المسحور.

على هذا المنوال يستمر المشهد في اللعب على الفكرة كمرتكز مكاني وزماني، يشي بتحولاتهما المبثوثة في الطبيعة وحركة الأشياء والعناصر، وما يكمن وراءهما من ظلال ومفاجآت، تنعكس بحدة وقسوة على مفردات الواقع المعيش الماثل للعيان. يمكنا أن نرصد هذا في قصائد: «ليس بالقرب منّا دير»، «صباح الخير يا إسكندرية»، «أيام اللالا»، «تحت ظل دموي» وغيرها؛ حيث الفكرة ليست مكتفية بذاتها، ولا هي إفراز لها، وإنما تحيل دوماً على الآخر، وهنا تكمن حيويتها شعرياً وجمالياً، وندرك أن هذا الغياب الذي يوهم به الديوان عابر، لا يتمسح بالحرية أو يتعامل معها كتكأة للعبور، إنما يرتكز عليها كفعل وجود، يصنع له امتداداً في النص بتعدد حقول التناص وتنوعها في الديوان، ما بين أمكنة وأزمنة وأفلام، وشخوص تركوا شيئاً يبقى في الحياة، منهم شعراء وكتاب وفنانون: صلاح جاهين، كفافيس، بهاء طاهر، الشيخ إمام، أم كلثوم، وغيرهم ممن أشار إليهم الديوان في هوامشه وإشاراته.

من بين هذه الحقول قصيدة بعنوان «حوار صامت في المدينة الضاجة» مهداة إلى الشاعر الراحل محمود نسيم، وتمثل خاتمة الديوان.. يبدو المشهد في نهايتها على هذا النحو:

«تتسع حولنا دوائر النثار الآدمي

وقد خلا من الحنين

كل شيء بات جاهزاً يا محمود

كي ينخفض في بيوت عين شمس سقف الخيال

ما يجعل لغيابك الآن معنى فريداً

..عديدَ الطبقات

كلما رفعنا واحدةً

بان غيرها»

تستدعي القصيدة حفنةً من الذكريات الخاصة مع الشاعر الراحل، يختلط فيها الهم العام والخاص، لكنها لا تبرح أفق التذكر، ويظل الحوار يراوح ما بين التقرير، والإيهام بالبحث عن إجابات لأسئلة لم تطرح أصلاً في النص.

ما يجعلنا أمام ذهنية الصورة الشعرية... حيث الصورة ابنة الفكرة، لا الخيال، ليست متشككة، أو متسائلة متمردة، تلفها الحيرة أحياناً، لكنها تحيل هذه الحيرة إلى منطق الواقع المادي، لتصنع نوعاً من التآلف بينها وبينه ولو بمديح القسوة.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.