«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

نجم والي يجمع «أخبار» العمة وكناياتها العجيبة

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة
TT

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

«عمتي الرومانتيكية»... النساء والحب في البلاد الخاسرة

يستعيد نجم والي في روايته الأخيرة عمتي الرومانتيكية وصديقاتها ورجالها... وأنا «روايات: الشارقة، 2024»، أجواء ثمانينات العراق الدامية الممتدة لحقبة التسعينات الكئيبة. إنها أزمنة الديكتاتور بأسوأ حالاتها وأقنعتها المختلفة من حرب وحصار وذاكرة متورمة. وهي الأزمنة الأكثر تمثلاً لإشكالية السرد في مدونة والي كلها؛ فهي، عنده، ميدان الذاكرة الأصيل وصندوقها الأسود بشخوصها وحكاياتها ورواتها المتماثلين إلى حد كبير؛ إذ نادراً ما نجد السرد يفارق زمنه الأثير، سوى أنه يتخذ صياغات متعدِّدة تختلف عن بعض باختلاف الحكايات وعوالمها السردية. في العمة الرومانتيكية، هذه المرة، نستعيد ميراث الخاسر كل شيء: الخاسر الصديقات، الرجال، الزهور وأزمنتها الزاهية، الحب، الذاكرة برمتها. إنه حال العمة الرومانتيكية الخاسرة الأبدية والممثلة الأصلح، ربما، لصيغة الفقدان والخسارة الكلية؛ وهل هناك خسارة وفقدان أكثر من الحرمان من الاسم ذاته والاكتفاء بصفة «العمة»؛ عمة الراوي ذي الاسم القناع «صبري: أمين صندوق البصرة؛ كما غنت يوماً صديقة الملاية، أو حافظ أسرار (أخبار) العمة كما تريد الرواية أن تقنعنا» كناية عن حفظ الأسرار غير المباحة، مما لا يمكن الجهر بها في عراق الثمانينات شأن اسم الحي البغدادي الذي سكنه الراوي وعائلته جوار عمته الرومانتيكية. لا ذكر للاسم، إذن، في حالتي العمة والراوي، في مقابل بذخ في ذِكر الوقائع والأسماء، وهذه إحدى الكنايات الكبرى في قصة العمة.

كنايات العمة الخاسرة

أربع كنايات رئيسية استخدمها الراوي بصفتها مداخل لا غنى عنها في كتابة قصة العمة، وهي أقسام الرواية الأربعة: «في خبر رجالها» و«في خبر صديقاتها» و«في خبر زهور عمتي» و«في خبر الحب وتبعاته». تنشغل الكنايات الثلاث الأولى بقصة العمة وحدها، في حين يشترك الراوي مع العمة في القسم الرابع. وهذه أحد مقاصد العنوان الفرعي للرواية «وصديقاتها ورجالها وأنا»، سوى أن كنايات الرواية الأربع، لنقل أقسامها، لا تلتزم بتراتبية العنوان الفرعي المقترحة؛ فنص الرواية يبدأ بـ«خبر رجالها»، ثم «خبر صديقاتها»، ثم «خبر زهورها»، ثم «خبر الحب» الخاص بالراوي. ماذا تريد أن تقول لنا الرواية باصطناع هذا الاختلاف؟ أزعم أن الإجابة كامنة في نظام الكناية ذاته، أقصد في تحويل الخبر كناية. نتحدث، هنا، عن الأخبار الأربعة التي تشكَّلت منها قصة العمة. وفي اختيار صيغة «الخبر» ما يُفيد معنى الجهر بما جرى إخفاؤه أو تغييبه. وهي تقنية جديدة تضاف إلى مدونة «والي» السردية، وتقوم على تحويل نظام الخبر إلى كناية سردية تتضافر مع كنايات أخرى لتؤلف خطاباً كنائياً مفارقاً في الرواية، يعمل على دمج الأخبار الأربعة مع بعض. لنتأمل المقاصد المتوخاة من تحويل وظيفة الخبر نحو النظام الكنائي. يظهر القصد الأول، والأهم ربما، في ربط الخطاب الكنائي السردي ببنية الإخفاء، وهذه الأخيرة إحدى نتائج سردية القاتل المتخفية في الرواية. نتحدث، هنا، استعارات تقنية وثيمية كثيرة أخذتها الرواية من نظام الرواية البوليسية، وإن شئنا الدقة أكثر فإن الكلام هنا عن إعادة تكييف لبنية هذه الرواية بما ينسجم مع مقولات قصة القاتل، وفي مقدمتها بنية الإخفاء: إخفاء اسمي العمة والراوي والحي السكني، بل إخفاء البشر بسجنهم مثلاً، أو حتى تغييب ذاكرتهم كما حصل مع العمة عندما فقدت ذاكرتها.

لكن مقولة «الرومانتيكية» تعيد توجيه الإخفاء بما يحقق التوازن المطلوب بين الاقتصاد السردي ونقيضه الإسراف. أفكّر، هنا، بمقدار الإسراف الموجود في الرواية «لماذا لا أقول الراوي!»، الإسراف بذكر الوقائع السردية غير الضرورية، ربما. هل للأمر صلة بسردية العمة وكناياتها؟ وقد يكون الأحرى أن نسأل عن معنى الرومانتيكية في أزمنة الحرب والموت وتغييب البشر؟

في المهاد الحكائي للرواية المعنون بـ«في خبرها» يتكتم الراوي على الدلالة الكلية لمقولة «الرومانتيكية»، فلا ذكر ولا احتفاء سوى بمهمة الراوي الخاصة بكتابة قصة العمة. لكننا نقرأ في المهاد ذاته تلميحاته عن «صندوق» حكايات العمة، ونعثر على إشارات مفيدة تخص معاني الرومانتيكية المتخيلة. وهي محض إشارات عامة غير دالة، في مقدمتها جُمل الافتتاحية الخاصة بمعنى الرومانتيكية؛ فالدلالات الحقة لصفة العمة تأتينا عن طريق كنايات النص السردية كلها ومدخلها أيضاً. أفكر بوظائف النظام الكنائي في الأخبار الأربعة. أتحدث عن الرابط الجامع بينها، وهي عندي الدلالة الكلية لمقولة «الرومانتيكية»؛ فذكر الرجال المحبين، رجال العمة، لا سيّما «آدم» المتوج الأخير لخسارتها الفادحة، بعد أن تخلى عن حبها وشقَّ لنفسه حياة مختلفة في باريس، ثم في ذِكر الرجال السابقين بما أضافوه من دلالات لرومانتيكية العمة، فإبراهيم كان سبباً في اغتصابها من قِبل خال إبراهيم، العقيد في الجيش، وممثل القاتل في حياة العمة، وسمعان أو إسماعيل الفنان المنتحر، ثم آدم الذي زرع في نفس العمة الرغبة الأصيلة في الفرار من زمن القاتل والهجرة من بلاد الحروب اللانهائية إلى بلاد أخرى نجهلها كلياً.

هؤلاء برعوا في تأبيد الصفة المهيمنة في الرومانتيكية وهي معنى المأساة؛ فأن تكون رومانتيكياً في بلد القاتل فهذا لا يعني سوى أن تكون ذا مصير مأساوي. ولا تبلغ المأساة سرديتها القصوى من دون تحقُّق المصائر التعيسة لرفيقات العمة في السجن والعمل والحياة؛ ألا تقول العمة نفسها للراوي: «قل لي من هو صديقك، أقل لك من أنت!؛ فكيف إذا كانت الصديقة، أو الصديقات، ممن يصفهن الراوي بـ«العجيبات». وهن كذلك في حياتهن ومصائرهن التعيسة، لا سيّما رفيقات السجن وصديقات الحياة لاحقاً.

تختلف كنايات الصديقات، أو أخبارهن كما يجادل الراوي، بتباين وظائف كلٍّ منهن؛ لنأخذ «فاتن» مثلاً لصديقات الجامعة، ما قبل السجن، فرقاً عن منار، السجينة الطارئة، ثم صديقة العمة وحبيبة الراوي. حالة فاتن تظل جزءاً من تفاصيل الحكاية الأصلية، حكاية العمة قبل منعطف السجن، فهي مادة سردية تضاف، وقد لا تضاف، إلى متن الحكاية، وهي موجودة في الحالتين. وهذا الوصف يختلف عن حالة منار؛ إذ تؤلف «سردية» مختلفة وحالة جديدة تولِّد تحوِّلاً كبيراً في مسار السرد برمته، وقد نبالغ فنقول إن حكاية العمة، ومن خلفها حكاية الراوي أيضاً، كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لولا منعطف السجن، فكانت حالة منار إضافة حقيقية إلى النص كله؛ فقد أسهمت بمدِّ السرد بمواد حكاية جديدة، وهي ذاتها من منحت الراوي قيمة كبرى بوصفه شخصية سردية أو فاعلا رئيسا في النص وليس محض راوٍ. والنتيجة أن منار كانت سببا في القسم الثالث «في خبر زهور عمتي» والرابع «في خبر الحب وتبعاته»؛ إذ لولا سردية منار ما كان للسرد أن يتقدَّم خطوة واحدة للأمام، ولظل النص يعاني من التضخم الحكائي غير المجدي.

ثمة تأكيدات كثيرة تصدر عن الراوي نفسه تقول لنا إنه مكلَّف من العمة سرد قصتها... لكن النص وكناياته يقولان لنا إنها قصة الراوي أيضاً

حكاية العمة أم حكاية الراوي؟

ثمة تأكيدات كثيرة تصدر عن الراوي نفسه، تقول لنا إنه مكلَّف، من العمة، حتماً، سرد قصتها. عنوان الرواية نفسه «عمتي الرومانتيكية»، يقول لنا، ابتداءً، هذا الأمر: إنها قصة العمة فقط، لكن النص وكناياته يقولان لنا إنها قصة الراوي أيضاً. سردية الراوي شاهد حي، ليس على موثوقيته المؤكدة من قِبل العمة فقط، إنما هي دليل إضافي على فاعلية النظام الكنائي المساهم بتدعيم الحكاية الأصل، حكاية العمة، وعلى توريط الراوي بسرد حكاية لم يكن شاهداً حقيقياً على أغلب تفاصيلها؛ بحكم سنه الصغيرة؛ فهو ابن السنوات الأربع عندما تحوَّلت العائلتان إلى الحي البغدادي، ولا دليل على صحة مروياته السردية من حكايات عمته. هو صندوق حكايات العمة، وهو صبري أمين البصرة كما يصر على هذا الاسم؛ حتى غلب على الاسم الحقيقي غير المذكور. وهو وريث صندوق العمة الأسود، وإن شئت الدقة قل إنه وريث ذاكرتها بعد فقدانها الذاكرة وضياعها في متاهة ما في بغداد. يمكننا أن نضيف توصيفات أخرى تصف هذا الراوي، وهذه كلها لا تحقِّق للراوي الموثوقية المطلوبة، كما نعتقد، في سرد وقائع حكاية العمة. هل نريد القول إن «لحظة» ما بعد السجن وظهور منار ثم زواجه منها هو التسويغ الحكائي المفترض لتحقيق بعض الموثوقية؟ ربما؛ فحالة ما بعد السجن هي «انقلاب» سردي كامل على صُعد النص كلها، ومنها التحوِّل التدرجي للحكاية ذاتها من الصيغة الفردية المطلقة، التي لا يشغل فيها الراوي سوى وظيفة السرد وإدارته، إلى الصيغة الحكائي المشتركة بين العمة والراوي، حتى كأننا نشهد تنازعا بينهما على من يكون موضوع الحكاية الأصلي، لا سيّما في القسم الرابع والأخير «في خبر الحب وتبعاته»، الذي نشهد فيه تراجع حضور العمة مقابل تنامي حكاية الراوي الشخصية.

«عمتي الرومانتيكية» الرواية الثالثة في سياق روايات تعطي البطولة المطلقة للنساء؛ فقد سبق لوالي أن أصدر «إثم سارة: 2018»، و«سعاد والعسكر: 2021»، والآن «عمتي الرومانتيكية». وأغلب الظن نحن إزاء متتالية روائية سردية موضوعها حكايات النساء في أماكن عربية مختلفة: «الرياض، والقاهرة، وبغداد». وفي الرواية الأخيرة يبرع «نجم والي» كثيراً في انتشال الحكاية النسوية من براثن «السياسة»؛ دافعاً الأخيرة إلى الوراء لتكون محض ديكور ذي وظيفة تفسيرية. نحن، هنا، أمام حكاية امرأة تنفتح على حكايات النساء الأخريات من جارات السكن في الحي البغدادي أو صديقات أو سجينات. إنه عالم العمة النسوي المستقل بنفسه. عالم يحتفي بسردية المرأة وحكاياتها، وينتصر لذاكرتها المفقودة.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.