التأثير الإسلامي يبرز من جديد

كتب عن أمجاد الفنون الإسلامية ومعارض وأزياء تستحضر زرياب وجمال الأندلس

زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
TT

التأثير الإسلامي يبرز من جديد

زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)

تأثير التراث الإسلامي على الفنون الغربية لا يختلف عليه اثنان، يُعيده البعض إلى الفتوحات ورحلات الحج إلى بيت المقدس في العصور الوسطى وغيرها. وبفضل هذه الرحلات، وصلت الفنون الإسلامية، من الهندسة المعمارية، إلى النقش على الخشب والجص والجدران، إلى أوروبا.

وهكذا بين رحلة وجولة أصبح المستشرقون والحِرفيون يستعيرون من فنون الشرق مفرداتٍ تُثري أعمالهم وتتماهى معها بسهولة. عن هذه التأثيرات، التي تمتد من عمق الشرق إلى أقصى الأندلس، أصدرت دار «أسولين» للنشر مؤخراً، ثلاثة كتب تتناول مدى هذا التأثير؛ ليس على الفنون فحسب، بل على عالم الترف ككل. الأول بعنوان «Morocco: kingdom of lights (المغرب: مملكة الضوء)»، ويركز على المغرب بوصفه بلداً تنصهر فيه روافد ثقافية إسلامية وأفريقية وأمازيغية وأندلسية، والثاني بعنوان «المغرب.. الفنون الزخرفية (Moroccan, Decorative Arts)» يستعرض الفنون الحِرفية وتقاليدها في كل المدن، من الشمال إلى الجنوب، ولا سيما أنه أكثر بلد حافظ على الإرث الأندلسي حياً في المخيّلة، كما في الحياة اليومية من خلال المطبخ والأزياء والحِرف اليدوية، مثل الجص والنقش على الخشب والفسيفساء، وغيرها.

غلاف كتاب «المغرب: الفنون الزخرفية» (أسولين)

أما الكتاب الثالث فبعنوان «Golden Opulence: 500 Years of Luxuriant Style (البذخ الذهبي: 500 عام من الأناقة الفاخرة)»، ويتناول مدى تأثير الثقافة الإسلامية والعثمانية تحديداً على صناعة الترف والموضة، لكن يبقى القاسم المشترك بين الكتب الثلاثة الانبهار الغربي بثراء ثقافة الشرق، وكيف شكّلت مغناطيساً جذب المستشرقين والمبدعين والحِرفيين على حد سواء.

غلاف كتاب «Golden Opulence: 500 Years of Luxuriant Style (البذخ الذهبي: 500 عام من الأناقة الفاخرة)» (أسولين)

غنيٌّ عن القول إنه كان لصُناع الموضة نصيب من هذا الإرث، منذ بداية القرن العشرين، حيث يبرز اسم المصمم بول بواريه الذي يمكن وصفه بالمصمم المستشرق. استلهم سراويل الحريم، كما نعرفها اليوم، من لوحات تجسد صور حريم السلاطين، وكانت ثورية حينها، لكنها صمدت لتدغدغ خيال كثير من المصممين الذين أتوا بعده.

بعده جاء سان لوران، ثم فالنتينو وألكسندر ماكوين وكريستيان لوبوتان وجورجيو أرماني وأنطونيو ماراس ورفعت أوبيك وحسين تشالايان وإيرديم وديتشي كاييك، وغيرهم ممن نهلوا من ألوان الشرق ونقشاته، وطبعاً شاعريته، فكل واحد منهم تأثّر في مرحلة من مشواره إما بالأشكال الهندسية أو المقبَّبة التي تُميّز المعمار الإسلامي، أو المشربيات والزخرفات التي طرزوها على أقمشة من المخمل أو البروكار، وحتى الجِلد.

كيف جرى تجسيد الهندسة المعمارية والفنون الزخرفية في الموضة (تصوير لعزيز هاماني)

كل هذا بعيداً عن الصورة النمطية للأزياء الإسلامية المحتشمة، فحتى عندما راجت هذه الموضة العالمية، ترجمها المصممون الغربيون بأساليب تتضمن إبداعاً فنياً أرادوه معبراً عن لقاء الحضارات. لم يكتفوا بالأكمام الطويلة والياقات العالية والاستغناء عن الفتحات المثيرة في الفساتين الواسعة والطويلة، وتفنّنوا كذلك في طرح الإيشاربات وكل أغطية الرأس عموماً. جاء بعضها على شكل قلنسوات تغطي الرأس ونصف الوجه لتؤطّره بشكل جميل، وبعضها على شكل عمامات بأقمشة من الساتان تزينها أحياناً بروشات من الماس أو الذهب. هذه العمامات ظهرت، في السنوات الأخيرة، في عروض أنطونيو ماراس ولويفي وبرادا، الأمر الذي كان له وقع مثير أدخلها الحياة اليومية، بعد أن كانت مقتصرة على مناسبات معينة.

من تشكيلة أروى العماري التي استلهمت فيها من الأندلس هندسيتها ونقشاتها (أروى العماري)

بَيْد أنه من الخطأ القول إن هذا الانبهار يقتصر على المصممين الغربيين، فمع ظهور مصممين عرب رسّخوا مكانتهم عالمياً من أمثال إيلي صعب وزهير مراد وجورج حبيقة وجورج شقرا وغيرهم، أخذت هذه التأثيرات الشرقية شكلاً جديداً مفعماً بالرومانسية والشاعرية. ومؤخراً طرحت المصممة السعودية أروى العماري تشكيلة لا تقلّ شاعرية قالت إنها استوحتها من حدائق الأندلس ومعمار قصر قرطبة.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الموضة استقت كثيراً من فنون العمارة العربية وموسيقاها وشعرها، وهذا أمر له مبرراته؛ لأنك لا بد أن تنبهر بجمالها وثرائها التاريخي، وليس أدلَّ على هذا مما يثيره قصر قرطبة بمعماره وحدائقه من مشاعر في النفس». لهذا لم يكن غريباً أن يظهر كثير من النقشات الإسلامية والموتيفات الأندلسية، فضلاً عن الخطوط الهندسية في تشكيلتها.

الأندلس بورودها وفسيفسائها وشاعريتها كانت مصدر إلهام للمصممة أروى العماري (أروى العماري)

تشرح أروى أن هذه التشكيلة كانت تحية لحقبة ذهبية في التاريخ الإسلامي: «شهدت كثيراً من الإبداعات والعطاءات في مجالات شتى، بدءاً من الطب والهندسة، إلى العلوم الاجتماعية والشعر والموسيقى، الأمر الذي أثّر على أسلوب حياة الناس وتطورهم الاجتماعي والإنساني والثقافي».

وتُتابع: «على ذكر الشعر والموسيقى مثلاً لا بد من التنويه هنا بمدى تأثير زرياب على الموضة؛ فقد كان سابقاً لأوانه، لم يكن موسيقياً ماهراً فحسب، بل أيضاً مصمم أزياء وصورة، كان فناناً شاملاً وضع بصماته على طريقة تصميم موائد الطعام، كما على الموضة والأناقة عموماً، بدليل أنه كان أول من بدأ استعمال اللون الأبيض في الصيف».

طوق شعر «شرقيّ» من كارتييه باريس، 1911 حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي. تصوير: إسماعيل نور/ سيينغ ثينغز

عالم المجوهرات لم يَسلم من التأثير الشرقي والإسلامي، وليس أدلّ على هذا من دار «كارتييه»، التي بدأت علاقتها بالمنطقة في بداية القرن الماضي، بعد رحلة قام بها جاك كارتييه، حفيد مؤسس الدار إلى الخليدد. كان هدفه من هذه الرحلة استكشاف سوق اللؤلؤ، لتتطور العلاقة إلى ما هو أكثر من مجرد تبادل السلع. كان جاك مدفوعاً بالفضول للتعرف على ثقافة غريبة تماماً عما تعوّد عليه. عند وصوله إلى الخليج، انبهر بما تُخفيه من أسرار جمالية وتقاليد عريقة تظهر في المشربيات وأسلوب العيش.

في هذه الزيارة وُلدت رؤية جديدة سجلها في مذكراته، وتبلورت، فيما بعد، فيما تشير إليه الدار الفرنسية في أرشيفاتها بـ«نشأة الحداثة في بداية القرن العشرين». في هذا السياق يعلّق بيير رينيرو، مدير الصورة والأسلوب والتراث فيها، قائلاً: «لقد أدى الفن الإسلامي دوراً محورياً ترك أثراً ملموساً وهيكلياً في أسلوب كارتييه الإبداعي منذ بداية القرن العشرين. ولا يزال هذا الأثر ممتدّاً ويتسع نطاقه حتى يومنا هذا؛ وذلك بفضل ثراء الأنماط الهندسية وتشكيلاتها المتعددة».

جانب من معرض «كارتييه... الفنّ الإسلامي ومنابع الحداثة» في متحف اللوفر بأبوظبي (تصوير إسماعيل نور)

هذه العلاقة تستعرضها «كارتييه» حالياً في متحف اللوفر بأبوظبي في معرض بعنوان «كارتييه.. الفنّ الإسلامي ومنابع الحداثة»، يتناول هذا التأثر والتأثير من خلال أكثر من 400 قطعة فنية جرى تجميعها من متحف اللوفر أبوظبي، ومتحف الفنون الزخرفية، ومتحف اللوفر، إضافة إلى مجموعة من مقتنيات وأرشيفات دار كارتييه. هناك أيضاً قطع جرت استعارتها من «لوبوتيه باليه» - متحف الفنون الجميلة في باريس، عبارة عن لوحات ورسومات وقِطع فنية مصغرة أو قطع «زليج»، كلها تتغنى بروائع الفن الإسلامي، وتلك العلاقة التي ربطت الدار بالعالم الإسلامي، وجسّدته في مجوهرات رفيعة وراقية، فمِن أكثر ما يُسلّط عليه المعرض الضوء تلك اللغة التي ظهرت في أسلوب كارتييه، سواء في تصميم المجوهرات أم في مجال الفن.

علبة سجائر تعود إلى 1930 من مجموعة «كارتييه» ذهب، لازورد، حجر الفيروز، ياقوت أزرق، ألماس حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي

كل قطعة، سواء أكانت فسيفساء أم علبة سجائر أم تاجاً مرصعاً باللؤلؤ أو الماس، تحكي كيف فتحت الرحلة التي قام بها جاك كارتييه في عام 1912 إلى منطقة الخليج، الأبوابَ لاستكشاف أنماط جديدة وأشكال هندسية وزخرفات قديمة عبّرت عنها بشكل عصري في وِرشها الباريسية منذ عقود طويلة.

تاج من كارتييه، 2012 حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي. تصوير: إسماعيل نور/ سيينغ ثينغز

الجميل في المعرض أنه بمثابة رحلة تأخذ الزائر إلى أعماق التاريخ وأمجاده، عبر عدة أقسام يستكشف كل واحد منها المصادر التي استمدّت منها الدار الإلهام، وهي تشرح أساليبها الإبداعية، فهناك أكثر من 400 قطعة فنية من روائع الفن الإسلامي، تشمل المجوهرات، واللوحات، والرسومات، والقطع الفنّية المصغّرة، والمنسوجات، والصور الفوتوغرافية، والمواد الأرشيفية تجعل الجولة في المعرض بمثابة رحلة في عُمق التاريخ.


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.