«باهبل» لرجاء عالم... مرثية لأجيال من الحجازيات

من روايات القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» العربية

رجاء عالم
رجاء عالم
TT

«باهبل» لرجاء عالم... مرثية لأجيال من الحجازيات

رجاء عالم
رجاء عالم

لا حدود عند رجاء عالم في روايتها «باهَبَل: مكة 1945 - 2009» - دار التنوير 2023 - بين المحسوس والمتخيل، الراهن والماضي، الدنيوي والأخروي، الحي والميت، عندها كل العوالم متداخلة، لا حدود تقوم بينها، الكل مفتوح على الكل، متداخل فيه، وعلينا، نحن القراء، أيضاً أن ننفتح على هذا كله، وأن نعتاد ونحن نقرؤها الانتقال السريع بين هذه العوالم المتناقضة، والتي تؤلف هي بينها في واعيات شخصياتها، مقنعةً إيانا بأنه لا شيء ينفصل عن شيء.

لاعالم منفصلاً عن عالم، لا زمن مستقلاً عن زمن، إنما يوجد الكل في بوتقة واحدة، منصهرين معاً في كل لحظة من لحظات الوعي.

في عالمها أيضاً تمتزج الرحمة بالقسوة، الحب بالكراهية، الغفران بالانتقام، التحقق بالحرمان، الثورة بالإذعان. في عالمها تجتمع المتناقضات لتصنع أفراح البشر وأتراحهم، مع التركيز على الأتراح، خصوصاً إذا كنتِ امرأة من أهل مكة في النصف الثاني من القرن العشرين؛ فترة التحولات الكبرى في الكيان الاجتماعي للحجاز. نستطيع أن نعمّم وأن نبسّط الصورة على نطاق أوسع، لكن هذا شأننا وحدنا، فالكاتبة ترسم صورة شديدة الخصوصية لمكة، بل لأسرة واحدة في مكة بتشعباتها وأجيالها، برجالها ونسائها وأطفالها، بثباتها وتحولاتها، بأحيائها وأمواتها، هي عائلة السردار، عائلة عريقة ذات سطوة وثروة وهيبة تنتقل من أجيالها القديمة، حين كان أحد أسلافها حاكماً لمكة، إلى الأب الحالي مصطفى السردار، في زمن الرواية. في العائلة يقوم الأب مقام الرب بلا أدنى مبالغة. وللتقريب من عالم الفن الروائي، لنقلْ إنه ينتمي إلى السلالة التي ينحدر منها السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ المشهورة. مصطفى السردار كلمته تُعلي وتخفض، ترزق وتمنع، تُزوّج وتُطلّق، وفي معنى من المعاني تحيي وتميت. يعم سلطان كلمته الجميع؛ الزوجات والإماء، الأبناء والأحفاد، الكبار والصغار، الذكور والإناث، في الدار وفي خارج الدار. في مُلكه يعيش الجميع، يُسبّحون بحمده ويمتثلون لأمره، يطمعون في ميراثه من مال وسطوة إن كانوا ذكوراً، ويعشن ليلعقن جراح ما أنزلته بهن سطوته لبقية العمر إن كُنّ إناثاً.

غلاف الرواية

رواية «باهبل» هي مرثية لأجيال من الحجازيات، هي رواية تَذكُّر، رواية تسترجع فيها الكاتبة، مكيّة المولد، مخزوناً هائلاً من الموروث المحكيّ والمُعايَن من الأجيال السابقة عليها مباشرة، وتلك التي عاصرتها في زمن تحولات كُبرى في المجتمع السعودي عموماً، وفي الحجاز ومكة على وجه الخصوص. ترصد الرواية الحياة الاجتماعية لمكة منذ أربعينات القرن العشرين، حين كانت المنطقة ما زالت على شفا الانتقال من العصر شبه الوسيط إلى العصر الحديث، تكتب عن عصر لا يتجاوز سبعين سنة مضت من يومنا هذا، لكنه كان عصراً ما زال فيه رجال يقتنون الإماء، كما يصنع مصطفى السردار الذي يعترف بأبوة «سكرية»؛ واحدة من أهم شخصيات الرواية، والتي أنجبها من إحدى إمائه، وهو الاعتراف الذي يساويها بأخواتها الحرائر. كان عصراً ما زالت فيه الحمير هي الوسيلة الرئيسية للانتقال، لا السيارات الفارهة، كان عصراً لا تعرف فيه المرأة الطريق ولا التعليم، عصراً لا يطلب فيه الرجال الزواج من فتاة بعينها، وإنما يطلبون مصاهرة مصطفى السردار في أي من بناته، وهو يختار مَن يزوِّج ممن. عصراً تستمر فيه سطوة الأب ذي الجاه على بناته، حتى بعد زواجهن، فهو يستطيع أن يأمر أزواجهن بتطليق بناته متى شاء ولأي سبب يعنّ له. تعيش نساء الأسرة حياة تخلو من الحياة، إن جاز التعبير، حياة مظلمة بين جدران البيت، حياة غاية ما فيها من نور ساعة تُقضى فوق سطح الدار. حياة خالية من التحقق العاطفي أو الجنسي، أو أي لون من ألوان التواصل التعويضي مع العالم الخارجي، وهو ما تُلخّصه سكرية التي تعيش وتذبل وتموت في دار أبيها وبحكمه المتعسف – تلخصه قائلة: «تظن الحنوط سر فرعوني؟ بيوتنا المكّاوية شغلتها تحنيط البنات أمثالي» (ص 225). لذلك أيضاً فإنها حين يموت الرجل الذي زوّجها أبوها الديكتاتور منه، وهو على علم بسُمعته المِثلية الشائعة على الألسنة ولم يدُم الزواج سوى أسابيع معدودة يطلّقها بعدها دون أن يلمسها - حين يموت ذلك الرجل بعد سنين طويلة نسمع سكرية تقول: «لا أسامحه، لا دنيا ولا آخرة، لا هو ولا أبويا ولا إخواني». عبارة تُدين فيها عالم الذكور بكل تشعباته؛ الزوج والأب والإخوة، ففي ذلك الزمن، وكما نرى في الرواية، كانت كل أنثى ضحية، وكل ذكر قامعاً مُضطهِداً متسلطاً بصفة من الصفات، كانت النساء ممتثلات للذكور في كل المواقع الأُسرية، لا يملكن من أمرهن شيئاً، لكن الكاتبة تمثلهن متفوقات عقلياً دون تعليم، أكثر حكمة وصبراً، أكثر مطواعية ومرونة، لديهن الخيال والعطف والتعاطف على الرغم مما يثور بينهن من مشاحنات، وليس لدى الرجال سوى السلطة والقهر والأنانية. تخلق الكاتبة جمهرة من الشخصيات النسائية، جميعهن من محيط أسرة واحدة، وتصورهن تصويراً حياً حميماً وكأنها قد عرفتهن في الحياة معرفة شخصية، ومما يزيد في حيوية تصويرهن أنها تنطقهن باللغة المكية لا الفصحى.

على أنه إن كانت الكاتبة ترسم صورة قاتمة لعالم الرجال بصفة عامة، فإنها لا تتركنا بغير تقديم نموذج صالح لرجل المستقبل، إن جاز التعبير، أو الرجل الذي يُقدّر المرأة ويحبها محبة الند للند، نجد هذا النموذج في شخصية عباس/ نوري، حفيد مصطفى السردار، وابن واحدة من بناته المقهورات. يحتلّ عباس/ نوري مساحة كبيرة في الرواية، مما يتعذر مناقشته دون الإطالة، وهو له اسمان؛ لأنه يعاني نوعاً من فصام الشخصية، فيرمز كل اسم لواحد من جانبيه. الخلاصة أن عباس/ نوري يجمع في تكوينه النفسي بين مواصفات الشخصية الذكورية ومواصفات الشخصية الأنثوية، بين الحس الرهيف والميل للفن والجمال والقدرة على الخيال، وبين الروح العملية القادرة على التعامل مع السوق والنجاح في المشروعات التجارية وتكوين الثروة. يظل عباس/ نوري من صباه إلى رجولته قريباً من عماته وتراثهن النسائي، مشاركاً إياهن في الوجود بالمنطقة الرمادية بين عالم الأحياء وعالم الأموات، لكنه، من ناحية أخرى، لا ينال من أبيه وأعمامه وأبناء أعمامه سوى السخرية واتهامات الخنوثة، لا يشفع له تفوقه الدراسي ونجاحه العملي، لكنه الرجل الوحيد في الرواية الذي يحظى بعطف الكاتبة، والذي يبدو من تصويرها إياه أن الرجل بوصفه جنساً لا يقاس ارتقاؤه إلا بمقدار ما يتسلل في تركيبته من عناصر الأنوثة.

ليست رواية رجاء عالم رواية بوليسية، وإنما هي رواية غنائية رمزية من الطراز الأول، فلم نكن بحاجة لدخولها في الرواية تشرح فلسفتها وثنائياتها وشخصياتها من خلف قناع واهٍ.

الرواية مسكونة بهاجس الموت، لعل السبب هو أن نساءها يعشن حياة غير بعيدة الصلة من الموت، يعشن أسيرات البيوت وأروقتها المظلمة، كما أن الموتى هم أسرى القبور وظلامها، أو لعلها الحياة المكية في دار على مرأى من الحَرَم، حيث لا يتوقف ورود الجنازات وعلى مقربة من دكان «الحانوتي» الذي يُعِدّ الموتى للدفن. أياً ما كان الأمر فإن الكاتبة تنجح نجاحاً مدهشاً في خلق لغة وصور وأخيلة تجعل للموت والموتى حضوراً في الرواية لا يقلّ عن حضور الحياة والأحياء. يتداخل العالمان بشخوصهما تداخلاً تاماً، حتى نكاد أحيانا لا نعرف مَن الحي ومَن الشبح، وهذا لا يتحقق إلا بفضل رهافة لغوية وخيال حسّاس، ما يجعل الرواية رغم رسوخها في التقليد الواقعي تكاد تعطي الذريعة لمن شاء أن يدّعي لها محلاً في تقاليد الواقعية السحرية. لعل الكاتبة تحاول تدجين الموت، تحاول «ألفنته»؛ أن تجعله أليفاً، أن تجعله جزءاً من الحياة، ففي الرواية؛ الذي يموت لا يغادر الحياة، لا يغادر الحدث، لا يهجر الأحياء الذين غادرهم، بل يبقى فاعلاً مؤثراً، رائحاً غادياً؛ لأن رجاء عالم تجد اللغة والأجواء التصويرية التي تتركنا دائماً في حالة شك ما إذا كنّا نطالع ذهنية إحدى الشخصيات الحية، أم أن الشخصية التي ماتت قد عادت تستأنف دورها الحياتي، كما في السابق. فلنتأمل هذا الوصف: «تخترق نورية كثافة الحزن المخيم على البيت (...) تفتح ما يجيء في طريقها من أبواب، (سلامٌ قولاً من رب رحيم). تهتف على كل باب وكلما عبَرَت ممراً أو دَرَجاً لتميزها ملائكةُ الدار عن أخواتها الأموات، أو لتضمن انسحاب الزوار من الأموات قبل دخولها». (ص 250)

أخيراً فإنني لا أريد أن أُنهي مراجعتي لهذه الرواية الجميلة البارعة دون أن آخذ على الكاتبة الإطالة والاستفاضة في الفصول الأخيرة من الرواية (نحو 50 - 60 صفحة من مجمل 336 صفحة). بعد رحيل نورية كان يجب على الكاتبة أن تلملم كل الخيوط وتنهي الرواية في غير تلكؤ، محافظةً على جمالها المركّز وكثافتها الشعرية والتخييلية، إلا أنها، بدلاً من ذلك، تُدخل شخصيات جديدة دون لزوم ودون فرصة لتطويرها (مثل دالية زوجة عباس/ نوري)، كما أنها للأسف تفعل ما يفعله كُتاب الرواية البوليسية؛ من أمثال كونان دويل وأغاثا كريستي، حين يجمعون الشخصيات في مسرح الجريمة ويبدأون تحليل عناصر الجريمة وتحركات الأشخاص ودوافعهم، وينتهون بالكشف عن شخصية المجرم. ليست رواية رجاء عالم رواية بوليسية، وإنما هي رواية غنائية رمزية من الطراز الأول، فلم نكن في حاجة لدخولها دخولاً شِبه مباشر في الرواية، تشرح فلسفتها وثنائياتها وشخصياتها من خلف قناع واهٍ. أرى في هذا تعبيراً عن عدم ثقة بالقارئ من ناحية، وربما أيضاً عن عدم ثقة بأنها قالت كل ما أرادت قوله عن طريق السرد والتجسيد والرمز، لكنني أشهد أنها فعلت بجدارة، وما كانت - ولا كنّا - في حاجة للفضول والزيادة.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.