سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

خضير فليح الزيدي أخرج الشخصيات الروائية نهائياً من العالم الواقعي

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» للروائي خضير فليح الزيدي، الصادرة هذا العام، تقوم على افتراضات تخييلية متطرفة، ينهض فيها الموتى من قبورهم، في مقدمتهم الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي يستحضره المؤلف ليلتقي بأبطال رواياته الذين طلبوا منه الحضور لتصحيح أوضاعهم الحياتية، بعد أن خرجوا من عالم الورق الافتراضي إلى العالم الواقعي، وهو مشهد يذكرنا بمسرحية الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو الموسومة بـ«ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، إذْ وجدنا شخصيات رواياته يطالبونه بتصحيح أوضاعهم، منهم كريم الذي خاطب غائب بغضب: «لقد أجرمت بحقي أيها المؤلف حين تركتني في صفائح بغداد دائخاً ومرعوباً وهربت... وجعلت آمنة تفر من شباكي وتتركني وحيداً وتائهاً هنا» (ص 29).

لكن المؤلف يعيد ثانية شخصيات «غائب» من العالم الواقعي، الأرضي الذي تسللت إليه، إلى الفضاء السردي الورقي بتعبير رولان بارت عندما يعلن «هاني بارت» للمحقق أنه كاتب، وأن «كل هؤلاء شخصيات في روايتي الجديدة بما فيهم أنت، والعون الذي سيطرق الباب بعد لحظات، رفقة محامٍ يحمل لك وثيقة عن حقيقة هويتي» (199).

وبذا فقد أعاد المؤلف الشخصيات الروائية إلى سياقها الفانتازي، وأخرجها نهائياً من العالم الواقعي. فكل شيء، وكل الشخصيات، هي مجرد كائنات ورقية كما يقول الناقد الفرنسي رولان بارت. وبذا أكدت الرواية كونها فانتازيا تخييلية تتوسل بلعبة التغريب في المسرح الملحمي البريختي لكسر حالة الإيهام والتماهي مع الفعل الدرامي، وإشعار المتلقي أن ما يتلقاه مجرد تمثيل ليس إلا، وتحريضه على التفكير المتسائل حول ما تلقاه من مشاهد وأفعال.

ويستهل الروائي روايته بإعلان علق على حائط المسجد بلافتة سوداء عن إقامة مجلس فاتحة على روح المرحوم غائب طعمة فرمان، لكن الروائي سرعان ما يتدخل، مستدركاً: «والحق أنه لا يوجد فقيد، ولا وفاة مسجلة رسمياً، ولا هم يحزنون. فقد أشبع المؤلف موتاً» (ص 9).

وبذا يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضر جميع أبطال رواياته، في مقدمتهم سليمة الخبازة ومصطفى الدلال وأسومة العرجة وحمادي العربنجي وخاجيك ودبش والسيد معروف وغيرهم، فضلاً عن ذلك فقد انتشرت إشاعات عن حضور كبير تجار الشورجة السيد المرحوم عبد الرزاق البيرقدار، والد دلال، إلى مجلس العزاء.

ويمهد الروائي تدريجياً لظهور شخصيات الرواية الرئيسية عندما ينقل محامي عائلة البيرقدار السيد جبر الشوك مضمون هذه الإشاعات إلى «دلال» الابنة الصغرى للمرحوم عبد الرزاق البيرقدار، لتشهد بنفسها عودة الغائب إلى بغداد (ص 12). ويعترف غائب للسائق الذي أقله من المطار إلى فندق بغداد بأن سليمة الخبازة ضحيته، وأنه جاء لتغيير مصيرها (ص 38).

هذه المقدمات التي قدمها المؤلف كانت هي المدخل لحبكة الرواية المركزية والمتمثلة في العلاقة الثنائية بين «دلال» ابنة البيرقدار الصغرى، وكاتب شاب يدعى «هاني بارت»، وهو أحد الأدباء المنضمين إلى جمعية أدبية هدفها تفجير اللغة وتحديثها. وتهدف هذه العلاقة إلى البحث عن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي دارت الإشاعات حول وجوده حياً في بغداد، ورغبة دلال في أن تسلمه أمانة، هي عبارة عن مخطوطة سبق للروائي الراحل أن كتبها لكنه لم ينجزها وتركها في مكتبه في معمل القطن الذي يملكه والدها المرحوم عبد الرزاق البيرقدار.

وبعد جولات ماراثونية في شوارع بغداد ومحلاتها الشعبية، في مقدمتها محلة المربعة في شارع الرشيد، التي كان يقيم الأديب الراحل فيها أثناء إقامته في العراق، تقتنع «دلال» بلا جدوى البحث عن غائب طعمة فرمان، جسداً، وتوافق على تسليم المخطوطة للأديب الشاب «هاني بارت» ليقوم بتحريرها لغرض نشرها باسم الروائي الراحل وفاءً لذكرى الأديب الراحل الذي تعدّه «دلال» بمثابة عمها. ونكتشف بعد إنجاز مهمة التحرير وإعادة الكتابة، أن المخطوطة هي رواية «بنات غائب طعمة فرمان» بالذات، وأن المحرر (هاني بارت) هو القناع الذي ارتداه المؤلف خضير الزيدي.

ومما يربك القارئ معرفة أن «دلال» الفتاة الجميلة (قمر الرصافة) كانت تخطط للتخلص من شقيقتها الكبرى تماضر: «.. أما هي، فكان كل همّها ألا تفشل الخطة التي وضعتها لتوريط أختها في جريمة القتل والاستحواذ على إرث البيرقدار» (ص 194).

ففي هذا الاتهام تنهار صورة البراءة والجمال والنبل التي رسمها المؤلف لبطلة الرواية (دلال) لأنها تفتقد إلى التبرير، كما تفتقد إلى مقدمات سردية تدعم هذا التخطيط الشيطاني. ومن اللافت للنظر أن محرر الرواية (هاني بارت) وجه مثل هذا الاتهام إلى «دلال» أثناء التحقيق:

«– دلال فاتنة استخدمتني لتورط أختها.

- فيم تورطها؟

- في قتل زوجها ابن الأغا.. لتستأثر بالإرث لنفسها» (ص 198).

وكان من الأفضل حذف هذا الاتهام غير المدروس لإبقاء صورة «دلال» على ما هي عليه.

ويبلغ المنحى الميتا سردي ذروته في نهاية الرواية، عندما يعلن المحرر (هاني بارت) أنه كاتب، وأن جميع هذه الشخصيات موجودة في روايته الجديدة، وبذا أعاد الروائي شخصيات الرواية من العالم الواقعي الذي انسلت إليه إلى العالم الورقي للسرد، في تأكيد آخر على أن كل الأحداث تخيلية ولا علاقة لها بالواقع، وهو ما دفع بالمحقق لأن يعدَّ ذلك جنوناً لا معنى له.

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» لعبة سردية ماكرة، فيها الكثير من المستويات السردية وتنفتح على تأويلات لا نهائية. فثمة إشارة إلى أن غائب طعمة فرمان أثناء عودته عام 2006 وهو عام الصراع الطائفي، قد حلُمَ بعودته إلى حي المربعة: «ظل الغائب حتى عام 2006 يغط في نومته الطويلة، فطار به الحلم، ونقله أولاً إلى حي المربعة في وسط رصافة بغداد» (ص 67).

وهذا الحلم، يكشف عن فانتازية السرد الروائي، ولا واقعيته.

يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضرت جميع أبطال رواياته

ومن الجانب الآخر تنطوي الرواية على ملامح سيرة (Biography) كتبها المؤلف خضير فليح الزيدي عن شخصية الروائي الراحل، كما تكشف الرواية عن ملامح سيرة ذاتية (Autobiography) لشخصيته يرويها الروائي غائب عن نفسه، وعن عائلة البيرقدار، وأبطال رواياته، وهي سيرة افتراضية يتداخل فيها الواقعي بالفانتازي. كما يمكن أن نتحدث عن سيرة مكان بغدادي شعبي معروف هو محلة المربعة المطلة على شارع الرشيد ببغداد.

وبذا يحق لنا أن نتحدث عن تشكل هوية سردية (Narrative Identity) بمصطلحات بول ريكور لمحلة المربعة، فضلاً عن تشكل هوية سردية افتراضية للروائي الراحل غائب طعمة فرمان. والرواية تنطوي أيضاً على كتابة سيرة لعائلة التاجر البغدادي الثري عبد الرزاق البيرقدار وبناته الثلاث، واللواتي عدّهن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان بمثابة بناته أيضاً. وتنطوي الرواية من جانب آخر على ملامح ميتا سردية تتمثل في وجود المخطوطة الناقصة التي تركها الراحل غائب طعمة فرمان، ومشروع تحرير المخطوطة من قبل الأديب الشاب هاني بارت، فضلاً عن مطالبة شخصيات الروايات المؤلف بتصحيح أوضاعهن.

تضم رواية «بنات غائب طعمة فرمان» 26 فصلاً معنوناً. ومعظم عناوين الفصول مرتبطة بحالة الطقس وتغيراته، وهي بمثابة عتبات نصية يفترض في كونها دالة على الأحداث اللاحقة لكل فصل من فصول الرواية.

إذْ نقرأ بعض هذه العناوين: «رياح نشطة مصحوبة بزوابع نفسية» (ص 13) و«غبار يتصاعد» (ص 27) و«سماء ملبدة بالغبار» (ص 33 ) و«أجواء بغدادية غير مستقرة» (ص41) و«كتلة هوائية معتدلة» (ص 53).

ولم أجد، على مستوى القراءة والتأويل، مبرراً قوياً يدعم هذا الاختيار لعناوين الفصول، كما أن أغلبها لا علاقة له بمجريات أحداث الفصول، لكننا يمكن أن نتقبلها بوصفها لعبة سردية طريفة تسحب السرد الروائي إلى فضاء السرد البيئي. رواية «بنات غائب طعمة فرمان» تمثل نقلة روائية مهمة في تجربة الروائي خضير فليح الزيدي الغزيرة، ربما تفتح الطريق مستقبلاً أمام هذا اللون من الحبكات لإعادة صياغة سيرة حياة شخصيات ثقافية وسياسية ذات طابع تاريخي تركت أثراً واضحاً في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.