استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

محمد رفيع يبني عليها مفارقات عالمه القصصي في «أساطير لم تحدث بعد»

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً
TT

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

استئناس الغرابة وصناعتها سرديّاً

مغامرة قصصية شيقة ومغوية، محفوفة بالمخاطر وبعناية معرفية ضافية، يطرحها الكاتب محمد رفيع في مجموعته «أساطير لم تحدث بعد». فنحن أمام نص قصصي يبدو وكأنه يدور في عالم افتراضي، حيث تعكس قصص المجموعة نفسها سردياً، على نظريات علمية لكوكبة من العلماء المعروفين، على مدار حقب زمنية مختلفة، وتبدو وكأنها هامش على متن، أو سرد على حكاية بنَت منطقها وفق قوانين العلم ورؤيته المحددة التي يشكل الواقع وعاءً لصيرورتها ومصداقيتها في الوقت نفسه. لذلك يظل القارئ يراوح ما بين الـ«مع» والـ«ضد»، في دائرة تعلو فيها نبرة الشك وعلامات الاستفهام، كما أن فعل الحكي يبدو همه الأساسي هو تفتيت نمطية الحكاية والتحرر من أطرها التقليدية. فالشيء هو نفسه ولا نفسه معاً، عارياً وهارباً من أي معنى يؤكد من خلاله حضوره أو غيابه.

يعي الكاتب ذلك ويقصده، بل إنه ينسج قماشته السردية وصراعات عالمه القصصي، ويدفعها دائماً لتبدو وكأنها الصوت الآخر المنسي، المسكوت عنه لما خلفته نظريات هؤلاء العلماء وقوانينهم في تفسير الكون وتقصي حركة الزمن في مفاصل الطبيعة واللغة والوجود كوعاء للعواطف والمشاعر الإنسانية، واصفاً العالم والحياة في إحدى القصص بأنها «العبث الأعظم»، وما دام العلماء لا يكفون عن اللعب داخل دوائر هذا العبث، فلِم لا يعبث هو الآخر، ويضع هذا العالم بحاضره وماضيه ومستقبله على طاولة تشريح أدبية، يحاول النص من خلالها، بقوة الأسطورة أن يصل هو الآخر إلى تفسير يخصه وحده، في تأويل هذا العالم وتفكيك أواصر الحياة وعلائقها المباشرة الملموسة، والقضية الكامنة فيما وراء النص وحركة الزمن واللغة والعناصر والأشياء.

ومن ثم، يبني الكاتب محمد رفيع عالمه القصصي على فكرة «استئناس الغرابة»، وما ينجم عنها من صراع مخاتل ما بين الخيال والواقع، من ناحية والعلم والأسطورة من ناحية أخرى. في غبار كل هذا تراوح شخصية (آدم) البطل المهيمن على مناخات قصص المجموعة الأربعة عشرة، ما بين الوهم والحقيقة، مسكوناً بوجود مادي واقعي، وممسوساً بمراياه التي تنداح في سراب الميتافيزيقا، يموت ويحترق لكنه ينهض من رماد موته في حياة أخرى، تجدد نفسها بالأسطورة، كأنه طائر الفينيق كما في الميثولوجيا الإغريقية.

اختناق مروري

يطالعنا هذا العالم منذ القصة الأولى في المجموعة «اختناق مروري نحو السماء»، حيث يوظف المؤلف أجواء جائحة «كورونا» المأساوية التي ضربت العالم منذ سنوات، ويتخذها ركيزة أساسية في تنمية الصراع درامياً، وخلق وشائج تبدو واقعية في التماهي ما بين الأسطورة والواقع، فمشهد الموتى المتلاحق من شتى أنحاء العالم واكتظاظهم المتصاعد في السماء، لم يخلق فقط اختناقاً مرورياً على الأرض، إنما في السماء أيضاً، حيث تصعد أراوحهم بالآلاف وتتلاحق، في إيقاع يصعب السيطرة عليه، وضع العلماء في اختبار مباغت ولاهث للوصول إلى مصل للوقاية والحماية من خطر هذا الوباء. في خضم هذا المشهد يطل الدكتور آدم، ويبدو مشغولاً بشفرة ما يمكن فكها، تتلخص في ذبذبات بكاء المواليد الجدد فهو بحسب النص «مؤمن بأن الأطفال الرضّع لهم لغة، ويريدون أن يقولوا لنا شيئاً».

طيلة خمس سنوات وهو يزور مستشفيات الولادة، ويسجل بكاء الوليد الجديد، ثم يعود إلى المنزل، ليحلل الأصوات ويحولها إلى رسم بياني، ويبحث في كتب الشفرات، ويملأ حوائط المكتب بصور الأطفال وبجوارها التحليل الصوتي لبكائها الأول. بيد أنه لم يستطع خلال هذه السنوات أن يتوصل أو يستند إلى نظرية حقيقية عن لغة مشتركة تفسر ذلك. فظل الأمر معلقاً ما بين الإمكانية والاحتمال، «فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبكي بهذا الشكل حين يولد، أما باقي الحيوانات فلا وقت لديها، فالبرية لا تمنحها وقتاً كافياً».

نفس سردي رائق

تحافظ المجموعة علي توهجها وتدفع ما يهجس به إلى النمو والصعود في نفس سردي رائق، يبرز على نحو لافت في القصص الأولى، لكن هذا الصعود يخفت تدريجياً، ويختلط بتقريرية مباشرة مشوبة أحياناً بنظرة وعظية، بداية من صفحة «87» بخاصة في قصص (عيش وحلاوة - نرسيس الأعلى - نرسيس الجديد - موسيقى الفحيح - العنقاء تضرب من جديد - كيمياء الحب)، ففي هذه القصص، تتراجع إلى - حدٍ كبير - تلقائية الغرابة، وتصبح مجرد اصطناع لاصطياد دهشة ذابلة، تتحول إلى محض عبث بلعبة، كانت من قبل محببة وشيقة، ومحفزة للخيال، وجعل القارئ المتلقي يحس بأنه جزء منها، مشغوفاً بمتنها وهوامشها، وما ستؤول إليه حبكتها الدرامية، المفتوحة على نوافذ الحياة وأشواق الإنسان، بخاصة في الإمساك بخيوطها غير المرئية. حيث ينتقل الصراع من منطق القبول والمشاركة إلى منطق المتاهة والمباعدة. وهو ما يطالعنا على نحو لافت في قصة «نرسيس الأعلى»، التي يذيلها الكاتب بمقولة لنيتشة على لسان زرادشت تقول: «إنهم لا يفهمونني، لست الفمَ المناسب لهذه الآذان». وكأن المؤلف من دون أن يقصد يبرر من خلالها هذا الفتور والتراجع الذي اعترى هذه القصص.

تبرز المتاهة حين يقرر (آدم) البطل التلاعب بالنوع البشري، فالرجل وهو العالم الحاذق بعد أن تماهى مع شتى أساطير الأرض، من أوزوريس وإيزيس، حتى زرادشت قرر أن يبحث عن الحب والتماهي مع أسطورته الخالدة «روميو وجولييت»، فيلجأ إلى هذه التلاعب، مقرراً أن يحوِّل الكثير من الرجال إلى نساء والكثير من النساء إلى رجال، بل إنه أعاد المتحولين إلى نوعهم الأول حين طلبوا ذلك. يلجأ آدم - بحسب النص - إلى هذا التلاعب عن طريق الحقن المجهري للخلايا الجذعية والهرمونات وبعض الإشعاعات، ولم ينجُ هو نفسه من هذا التلاعب، فحول نفسه إلى أنثى، وأصبح هناك آدم الأول والثاني حتى العاشر، وكذلك حبيبته ليليت... وفي النهاية يجمعهما الموت، وتكتب فيروز سكرتيرته الوفية الغيورة المحبّة له على قبرهما «هنا يرقد آدم وليليت» تمسحاً بأسطورة العشق الخالدة «روميو وجولييت». يعلق الكاتب على كل هذا في نهاية قصة «العنقاء تضرب من جديد»، قائلاً في نبرة لا تخلو من التعالي: «عادت الأشباح تهمس من جديد، غير أنها هذه المرة تهمس في عقلك أنت. نعم أنت يا قارئ القصة: هل لو كنت أنت فيروز. هل تحمل ليليت في أحشائك؟ فكر. فكر. فبالله لم يكتبنا رفيع إلا لكي نفكر».

منطق الإنسان الكامل

يبقى من الأشياء المهمة في الفضاء السردي الشائك لهذه المجموعة أنه ثمة مواجهة صريحة تصل إلى نوع من التحدي ما بين منطق القصة القصيرة الذي يتوخى الدقة والوجازة والتكثيف، ومنطق العلم الذي يتوخى اليقين الصارم والحاسم. وكأننا أمام ميزان مشرّب بنوازع من أدب الخيال العلمي، في كفتيه يتسابق الخيال والواقع، ويتبادلان الأدوار والأقنعة؛ حول من يصل أو يشارف منطق الإنسان الكامل والمتكامل، الإنسان الأعلى، على غرار إنسان نيتشة «السوبرمان» الجامح الذي يمجد إرادة القوة، في صيرورة تبدو أعلى من منطق الوجود والعدم، تخترق الحياة وتكسر ترهلها الميتافيزيقي الضارب في المثالية الأفلاطونية، محققاً «العود الأبدي» الجذر الأساس في فلسفة نيتشة. حيث يرى أنه «ما دام كل موجود يتحرك داخل وعاء العالم، والعالم محكوم بحركة دائمة، فإن الإنسان نفسه منجرف في دورة لا نهائية».

هذه الدينامية النيتشوية التي تسعى لانتزاع الإنسان من تقوقعه وجموده ليلحق بعالم التحول والصيرورة، تنعكس بقوة في فضاء المجموعة، وتضمر نوعاً من التماهي الخفي بين شخصية آدم المركبة متعددة التناص، وشخصية زرادشت بخاصة في كتاب نيتشة الشهير «هكذا تحدث زرادشت»، الذي كشف فيه عن أبعاد هذه النظرية الفلسفية.

في الختام، نحن أمام بطل أحادي، يحركه المؤلف كما يشاء، وفق قوانين لعبة سردية برغم غرائبيتها، فإنها لعبة متفق عليها سلفاً وفق أطر وعلامات وإشارات محددة، لكنها مع ذلك قادرة على أن توحد الداخل بالخارج وفق نموها الدارمي الخاص، وفي رؤية تجعلك تختلف معها بحب.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.