بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

كان قلبه مع بني عُذرة وعيناه على عمر بن أبي ربيعة

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
TT

بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"

لا تختلف قصة الحب التي جمعت بين بثينة بنت حيان وجميل بن معمر كثيراً عن القصص المماثلة، التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث القرابة العائلية بين العاشقين، أو من حيث صغر السن الذي تكون فيه المشاعر في ذروة تأججها، أو من حيث الحُمى المباغتة التي تضرب الطرفين من النظرة الأولى أو اللقاء الأول. ومع ذلك فإن العلاقة بينهما قد بدأت أول الأمر بالعراك وسوء التفاهم. وقد ورد في أغلب المصادر التراثية أن جميلاً التقى بثينة حين أنزل إبله في وادٍ اسمه «بغيض»، كان ينزل أهل بثينة بالقرب منه، وحين جاءت الأخيرة لسقاية إبلها، تسببت في إجفال إبل جميل، فبادرها بالسباب، وردّت عليه بمثله، قبل أن تنقلب الخصومة بينهما إلى حب جارف. وحول هذه الحادثة يقول الشاعر:

وأوّل ما قاد المودةَ بيننا بوادي بغيضٍ يا بُثينُ سبابُ

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثلهِ لكل كلامٍ يا بُثين جوابُ

ويروي الأصفهاني في كتاب «الأغاني» أن جميلاً خرج في يوم عيد، حيث النساء يتزينّ ويبدين أنفسهن للرجال، وأنه وقف على بثينة وأختها أم الحسين، فرأى منهن منظراً أعجبه، وعشق بثينة. وإذ عرف القوم حبه لها من نظراته نحوها، وحالوا بينه وبينها إلى حين، نظم في ذلك كثيراً من أبيات النسيب، التي كان لها أبلغ الأثر في نفس الفتاة، فاتخذت قرارها بملاقاته، والاختلاء به «عند غفلات الرجال». على أن الأمور لم تجرِ على الدوام وفق هوى الفتى العاشق. وإذ حدث أن نجح أهل بثينة وعشيرتها في تشديد الرقابة على فتاتهم، ومنعها من لقائه، كان أهل جميل بالمقابل يشدون من أزره، ويحثونه على هجرها ومبادلتها الصد بالصد. لكن مكابرته لم تكن لتدوم طويلاً، فنظم من الشعر ما يصل إلى تخوم اللوعة، والشعور الممض بالذنب، كقوله لها:

لا تحسبي أني هجرتك طائعاً حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري

يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ يتبعْ صداي صداك بين الأقبرِ

ما أنتِ والوعد الذي تعدينه إلا كبرق سحابةٍ لم تمطرِ

ومن يتتبع سيرة جميل في عشقه لبثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لبوس الطهر، وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد. وقد جاء في بعض الروايات أن أبا بثينة وأخاها قررا التلصص على إحدى خلواتها مع جميل، وقد امتشقا سيفيهما استعداداً لقتلهما معاً في حال قيامهما بما ينافي الحشمة، وحين تسللا خفية إلى مكان اللقاء، سمعا جميلاً يطلب من بثينة أن تجزيه على ما تُسببه له من آلام، كما يحدث عادة بين المتحابين، حتى إذا احتجت بثينة على طلبه ارتاح لذلك الاحتجاج قائلاً لها إنها لو رضيت بارتكاب الإثم لهجرها إلى الأبد، مذكراً إياها بأبياته:

وإني لأرضى من بثينة بالذي لو ابصره الواشي لقرّت بلابلُه

بلا وبألّا أستطيع وبالمنى وبالأمل المرجوّ قد خاب آملُه

وبالنظرة العجلى وبالحوْل تنقضي أواخرُهُ لا نلتقي وأوائلُه

ويضيف الرواة أن أبا بثينة، وقد وقف على ما حدث بين ابنته وشاعرها العاشق، لم يتوانَ عن مخاطبة ابنه بالقول: «قم بنا، فما علينا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها»، فانصرفا وتركاهما. ومع ذلك فإن الرواة قد نسبوا مثل هذه الحادثة وأشباهها إلى غير واحد من عشاق بني عذرة، وهو الأمر الذي خلط الأوراق بين سِيَرهم، ودفع ناقداً كبيراً كطه حسين إلى القول إن في قصة جميل وبثينة «سخفاً وإحالات كثيرة»، مشككاً في صحة الوقائع المنسوبة إلى العذريين، وصولاً إلى التشكيك في وجود بعضهم في الأصل.

غير أن في شخصية جميل وأشعاره ما يدفعنا إلى وضعه في خانة ملتبسة؛ بين أهل التعفف وأهل الإباحة والحب الجسدي، أو بين قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة. فالشواهد الكثيرة على عفته وعذاباته وانقطاعه لحبيبته، شأن قيس، تقابلها شواهد أخرى على اختلائه المتكرر ببثينة بعد زواجها، ومن ثم تعلقه بالنساء على نحو عام، إضافة إلى تباهيه بوسامته وشجاعته وجنوحه إلى المغامرة، حتى لو قاده ذلك إلى النفي أو أودى بحياته. فقد رُوي أن جميلاً انتحل في إحدى زياراته لبثينة صفة مسكين جائع، وأنها أحرقت ثيابها عامدة لتستحث قومها على مساعدتها، حتى إذا قاموا بالمهمة وعادوا إلى مضاربهم، أرسلت جاريتها في طلب جميل، فلما حضر «حبسته عندها ثلاث ليال».

وفي حادثة أخرى مماثلة، لا تتوانى بثينة في غياب زوجها عن أن تُضجِع جميلاً إلى جوارها طيلة الليل، حتى إذا نقل أحد عبيدها الخبر إلى زوجها وذويها، وهرعوا إلى المكان شاهرين سيوفهم، أصر جميل على مواجهتهم جميعاً، لولا أن بثينة دعته إلى التواري عن الأنظار؛ درءاً للفضيحة، طالبةً من أختها «أم الحسين» الاضطجاع في سريرها؛ للخروج من المأزق. ومع اقتحام جميل المتكرر لمنزل بثينة الزوجي، فإن من الصعب على المرء، ومهما بلغ به حسن الظن، أن يصدق اكتفاء الطرفين باستلقاء أحدهما البريء إلى جانب الآخر، خصوصاً أن كليهما كان يعيش آنذاك اندفاعة الصبا واحتداماته المؤرقة.

من يتتبع سيرة جميل في عشقه بثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لَبوس الطهر وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد

وإذ لا يتردد الأصفهاني (ومن بعده طه حسين وصادق جلال العظم) في إبداء شكوكه حول الطبيعة العفيفة للعلاقة بين الطرفين، ينقل عن والد جميل قوله له: «يا بني، حتى متى أنت عمِهٌ في ضلالك، لا تأنف من التعلق بذات بعل يخلو بها ثم تقوم من بعده إليك، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؟!». ومع أن جميلاً لا ينفي أو يؤكد المرامي الضمنية التي يشير إليها أبوه، غير أن ما ينفيه هو قدرته على الابتعاد عن بثينة، التي اعتبر حبه لها «بلاءً ابتُلي به» ولا يملك له دفعاً.

ويتضح من سيرة جميل أنه كان معجباً أيما إعجاب بشعر عمر بن أبي ربيعة وشخصيته، وهو الذي كان يشاركه الوسامة، وطول القامة، والرغبة في إغواء النساء. وكانت «أم الحسين» إحدى الفتيات اللواتي استهوينه وشبَّب بهن قبل تُعرفه إلى أختها بثينة. كما يتشاطر جميل مع عمر شجاعته الفائقة إلى حد التهور، وهو الذي لم يتوانَ عن انتضاء سيفه في وجه أبيها وأخيها، حين داهماهما ذات لقاء، مما اضطرهما إلى الفرار والانكفاء عن مواجهته طلباً للنجاة. ومع أن اسمي عمر وجميل قد ارتبطا عبر الزمن بشكلين متعارضين من أشكال الحب، فقد بدا الأول وكأنه الضمير المستتر للثاني، الذي كان يشاركه في قرارته بالانتماء إلى المجرى الموحد للأنوثة الكونية، كما يظهر في قوله:

يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ وأيَّ جهادٍ غيرهنّ أريدُ

لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ دونهنّ شهيدُ

وإذ يعُد عمر نفسه معنياً بالجمال الأنثوي أينما كان، وهو القائل: «إني امرؤ موكَلٌ بالحسن أتبعه»، يكرر جميل المعنى نفسه عبر قوله:

يقولون صبٌّ بالغواني موكّلٌ وهل ذاك من فعل الرجال بديعُ

وقالوا رعيتَ اللهوَ والمالُ ضائعٌ فكالناس فيهم صالحٌ ومضيعُ

كما يرى جميل أن العلاقة بين العاشق والمعشوق لا بد أن تتعرض للضمور والتلف، ما لم يعمد الطرفان إلى تجديدها، وتوثيق أواصرها، عبر إدارة التناوب المستمر بين الوصال والنأي، أو بين الحضور والغياب. ولعله الوحيد بين شعراء بني عذرة الذي امتلك الجرأة على الاعتراف بأن النأي المتقطع بين المحبين هو الشرط الأهم لبقاء الحب في حالة اشتعال. وعن ذلك يقول قاصداً بثينة:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعودُ

لكن من موجبات الإنصاف الإقرار بأن صراع الخيارات المتعارضة، الذي كان قلب جميل وعقله مسرحاً له، لم يستطع أن يخفف من تعلقه المرَضي ببثينة، بدليل أن الأثمان التي دفعها كانت من الفداحة بحيث أهدر السلطان دمه غير مرة، فبات طريدها الأبدي، وعمد إلى الهرب تارة إلى اليمن، وطوراً إلى الشام، وطوراً ثالثاً إلى مصر، حيث قضى نحبه هناك. ويروي الأصمعي أن جميلاً حين أحس بدنو الأجل، استدعى رجلاً من معارفه، وقدم له كل ما يملك مقابل أن ينقل إلى بثينة أبياتاً يرثي بها نفسه قائلاً:

صدُع النعيُّ وما كنى بجميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفولِ

ولقد أجرّ الذيلَ في وادي القرى نشوانَ بين مَزارعٍ ونخيلِ

قومي بثينةُ واندبي بعويلِ وابكي خليلكِ دون كلّ خليلِ

وقد وقع الخبر على بثينة وقوع الصاعقة، وبخاصة بعد أن تيقنت من صحته، وأخرج الرسول القادم من مصر حلة جميل، والرقعة التي تحمل أبياته، فبكت وأبكت معها نساء الحي، ثم وقعت مغشياً عليها، حتى إذا استيقظت نهضت وهي تردد هذين البيتين اللذين لم ينقل الرواة عنها سواهما أبداً:

وإنّ سُلُوّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينُها

سواء علينا يا جميل بن معْمَرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.