المقهى... فضاءً تشكيليّاً

عمر الفيومي يلتقط همسات رواده ببساطة وتلقائية

المقهى... فضاءً تشكيليّاً
TT

المقهى... فضاءً تشكيليّاً

المقهى... فضاءً تشكيليّاً

يشكل عالم المقهى فضاءً جمالياً أثيراً في أعمال الفنان التشكيلي المصري عمر الفيومي، فلا يكف عن ملامسته والتحاور معه ومناجاته كأنه مخزن أسراره. فهو عالم مريح ينعكس في لوحاته بحيواته الإنسانية الدافقة، وبشره المفعمين بالونس والألفة. ويحرص الفيومي دائماً على إبراز حالة من التناظر الموسيقي بين مفردات هذا العالم والتي لا تتجاوز طاولة وبضعة كراسٍ، ومساحة من الفراغ الرخو، تظللها وجوه مسكونة ببهجة الفرح وبراءة الحزن ولهفة الترقب؛ وهو ما برز على نحو لافت في معرضه «وجوه ومقاهي» الذي استضافه أخيراً غاليري بيكاسو بالقاهرة.

في هذا المعرض يجدِّد الفيومي ولعه بعالمه الأثير، وبعاطفة بصرية هادئة يندمج في تفاصيله، يلتقط رائحته من ملامح الوجوه ومساقط النور والزوايا والظلال وكأنها مرايا متجاورة تنعكس عليها مرآته الخاصة. وفي كل هذا دائماً يحرص على نقطة ثبات جوهرية لا يغامر بالابتعاد عنها أو التمرد عليها، تتمثل هذه النقطة في تبسيط الشكل؛ وهو ما ينعكس تلقائياً على التكوين، حيث ينأى عن التعقيد والإيغال في الرموز والدلالات والعلامات؛ ومن ثم يرسم الشخوص بألوان زيتية - في الغالب - مسطحة وبسيطة تنعكس على الخلفية أيضاً، حيث يغمر اللونُ الصورة، وبمسحة من الفانتازيا يشدها إلى زوايا مباغتة موحداً الأعلى بالأسفل، والخلف بالأمام بعفوية بصرية سلسة لا عناء فيها.

بلغت هذه البساطة ذروتها الفنية بخاصة في اللوحة التي شكلت «بوستر» المعرض، حيث تطالعنا على أرضية المقهى مجموعات من البشر، تشي ملامحهم بأن ثمة حواراً لطيفاً وشجياً يسري فيما بينهم، بينما في الأعلى يطل عليهم ملاك في صورة إنسان، محلقاً بجناحيه في الفضاء، وتتسع دائرة التحليق، فنجد كرسياً طائراً أيضاً، بينما تتداعي صور البشر في الخلفية، وكأنها حلم يتراءى من بعيد، تظلله سماء المقهى في الداخل، والسماء ببراحها اللانهائي في الخارج.

يبدو كل هذا منسجما مع رؤية الفنان؛ فهو يرى أن اللوحة ابنة البشر والحياة، تنبع من خطاهم وهواجسهم وأحلامهم. وأن هذه النقطة هي رمانة ميزان تحفظ للصورة ألفتها على السطح وفي العمق، وفي الوقت نفسه، تكسبها مقدرة الانفتاح بحيوية على جغرافيا المقهى في الداخل والخارج. فالمقهى في اللوحات يبدو منفتحاً على الشارع، يطل عليه بأنفاس رواده، كما تنعكس عليه هواجسهم وهمساتهم، فهو دائماً مسكون بدبيب البشر وخطاهم اللاهثة في غبار الشارع والتي تتحول في اللوحات حالة لها رنين خاص، وذبذبة بصرية خاطفة وشيقة، تتضافر فيها أقصى لحظات النشوة والصمت. في خضم هذه النشوة نكتشف أن ثمة تبادل أدوار بين العالمين (المقهى والشارع)، كأن كليهما يفتش في الآخر عن لحظة من الأمان والحنان، مسروقة من جراب الزمن والواقع والحياة. هذا الهم الإنساني لا يأتي من فراغ، بخاصة إذا علمنا أن الفنان لا يرسم أي مقهى، إنما يرسم مقهى «الحرية»، الشهير بحي «باب اللوق» بوسط العاصمة، وهو أحد مقاهي القاهرة التي تتفرد بإرث خاص وعبق ضارب في التاريخ، ومكانة لدى قطاع كبير من الفنانين والشعراء والأدباء. ومن ثم يشكل المقهى، وعلى نحو خاص للفنان مساحة رحبة من النوستالجيا واللهفة للماضي، فضلاً عن كونه فضاءً جمالياً مفتوحاً على قوسي البدايات والنهايات.

تدفع الخلفية الأشكال في لوحات المعرض لتستوي في فضاء الصورة ببساطة وتلقائية، كما تُكسب إيقاع الخطوط حريةً في تنويع حركة الضوء والظل، ومن السمات الجمالية اللافتة هنا أن الصورة لا تخفي الشكل في داخلها، وإنما تحنو عليه وتحتويه، كأنه ثمرة من ثمرات الطفولة، طفولة المقهى والفنان معاً.

يكثف من أجواء هذا التنوع في المعرض حالة من التلاقح بين ثلاثة عوالم تشكيلية بينها ملامح مشتركة وعضوية، أولها عالم «البورتريه»، وهو عبارة عن صورة منفردة لامرأة أو رجل، لا تخلو منها معارض الفنان، ويهتم الفيومي في هذا العالم بالتعبير عن الوشائج التي تربط ملامح الشخصية بوعيها الظاهر والباطن، كما ينعكس على عين الفنان، ومدى قربه من الشخصية، سواء بشكل مباشر، أو عن طريق وسائط تلعب الذكريات فيها دوراً مهماً، يحاول الفنان أن تظل حاضرة في الرسم. وفي عالم الوجوه لا يكف عن اللعب مع نموذجه الأمثل المتمثل في «وجوه الفيوم» بسحرها الفني وألقها التاريخي المعروف، حريصاً على أن تتمتع الوجوه ببعض السمات الفرعونية، رغم حداثة الموضوع.

ويومض العالم الثالث بإيقاع المنظر الطبيعي، أو الحياة الساكنة، وهو الطابع الذي يسيطر على أجواء لوحات المقهى، فلا ضجر ولا صخب، بل عالم هادئ ومحايد، شديد الألفة والاعتيادية، هو ابن الطبيعة الإنسانية السمحة، بين جدرانه وعلى طاولاته تتخلص الوجوه من صلابة وجهامة الأشياء، وتلتقط أنفاسها بمحبة خالصة. ومن ثم يصبح الصمت إشارة وعلامة على حوار كتوم كامن في دواخل الشخوص، تخشى عليه من فوضى الخارج؛ لذلك تكتفي بالنظرة الخاطفة والإيماءة الشجية لبعضها بعضاً.

يرى الفنان أن اللوحة ابنة البشر والحياة تنبع من خطاهم وهواجسهم وأحلامهم

ينعكس هذا الصمت على صورة الكراسي الفارغة، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً ملحاً: ما الجديد هنا، ومفردة «الكرسي» متداولة في الفن التشكيلي، وأصبحت تيمة أساسية في منظور الرؤية لدى الكثير من الفنانين المؤسسين لتاريخ الفن في العالم. ومن أشهرها لوحة بيكاسو «حياة ساكنة مع كرسي خيزران» التي رسمها في عام 1912، وكان همّه معالجة تداعيات الأشياء في الصورة الساكنة بطرق فنية متنوعة، حتى باستخدام الخداع البصري، وحشو الصورة بأشياء متوهمة متخيلة، وعوضاً عن عدم استخدامه للون قام بلصق شرائح من القماش الزيتي، بطريقة الكولاج على مسطح الصورة، لتوهم بطبيعة النسيج المتغلغل لأعواد القصب في الكرسي. لقد أحدثت لوحة بيكاسو آنذاك ضجة في الأوساط الفنية، والبعض عدّها ثورة في الرسم، لكن سرعان ما انطفأ بريقها، وأصبح مجرد توثيق للحظة ابنة المغامرة الخلاقة في الفن.

على العكس من ذلك، يحافظ الفيومي على الطبيعة في قوامها الاجتماعي والإرث الشعبي للمنظر، شغوفاً بالأثر، ليس كحقيقة ماضوية، وإنما معاشة يمكن أن تمنحنا نفسها بشكل جديد. لذلك؛ يرسم الكرسي الخشب بسمته الشعبي المعروف، والذي بات مهدداً بالانقراض، مع طغيان الكراسي المصنوعة من البلاستيك، والألياف الصناعية. وهو الكرسي نفسه الذي لا يزال يجلس عليه بمقهاه المفضل، لقد أصبح وعاءً فنياً، يحفظ الكثير من خبرته البصرية ورهافته في التعامل مع الخامة والألوان والخطوط؛ لذلك يحافظ على معمار الكرسي، وقشرته البنية الخفيفة، ومسندة المقوس المريح، وينعكس هذا على الطاولة أيضا، بسطحها الرخامي الأملس وأرجلها الحديدية الصلبة، فيحرص على حيويتها حتى وهي شاغرة تنتظر القادمين، كما يحرص على انسيابية الألوان، فلا تتداخل في مساحات متناقضة ومتنافرة تشتت الصورة، إنما يؤكد دائماً على مصدرها الطبيعي، وأن الفن في المقهى هو تعبير حي، لا ينفصل عن حركة الحياة في الخارج.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.