لماذا انتحر جيرار دو نيرفال؟ أم أنه مات مقتولاً؟

كانت الأم الغائبة هي الجرح الأساسي الذي فجّر في أعماقه شعلة الأدب

جيرار دو نيرفال
جيرار دو نيرفال
TT

لماذا انتحر جيرار دو نيرفال؟ أم أنه مات مقتولاً؟

جيرار دو نيرفال
جيرار دو نيرفال

يعدُّ جيرار دو نيرفال (1808 - 1855) أحد كبار أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى فيكتور هوغو، وبودلير، وبلزاك، وفلوبير، وستندال، وبقية العمالقة. وعلى الرغم من أنه لم يعش أكثر من 47 عاماً فإنه ترك وراءه أدباً عظيماً. لقد ولد في باريس، ولكن أمه ماتت بعد سنتين من ولادته. والواقع أن المسكينة أخطأت إذ رافقت زوجها الطبيب العسكري إلى ألمانيا مع جيش نابليون الكبير بعد أن وضعت طفلها مباشرة. وبما أنها لم تتحمّل خضات الحملة العسكرية وتقلبات الطقس والأجواء، فقد أصيبت بالحمى وماتت وهي في الخامسة والعشرين فقط. وهذه الأم الغائبة هي الجرح الأساسي الذي فجّر في أعماق جيرار دو نيرفال شعلة الأدب. لقد أصبح غيابها حاضراً كل يوم، أصبح أقوى من كل حضور. فبعد أن كبر لم يفهم لماذا تركته أمه وهو رضيع، ورافقت زوجها في الحملة العسكرية. لماذا لم تبقَ في البيت كي ترضعه وتربيه وتشرف عليه؟ لقد أحس نيرفال بالهجران منذ البداية. أحس وكأنه مهجور أنطولوجياً، أزلياً، أبدياً، أي قبل أن يخلق تقريباً! وأدرك عندئذ أن الإنسان ملقى في هذا العالم وحده، ولا يمكنه أن يعتمد حتى على أقرب المقربين. وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى اختلاله النفسي لاحقاً. الإنسان وحيد، ووحدته شاسعة واسعة لا حدود لها.

أول من ترجم فاوست لغوته

وبما أنهم قبروا أمه في ألمانيا فإنه ظل يشعر طيلة حياته بعواطف الحنين إلى تلك البلاد. ولهذا السبب كان يحب ألمانيا أكثر من فرنسا تقريباً. ألا يضم ثراها قبر الأم الحبيبة؟ لقد أصبحت الأرض المقدسة والوطن الأعظم بالنسبة له. ولذلك راح يترجم الأدب الألماني بكل شغف. فهو أول من ترجم غوته إلى اللغة الفرنسية. وكان يحج إلى هناك من حين إلى آخر لكي يرى قبرها، لكي ينحني عليه ويقبله ويمرغ وجهه بتراب القبر. فهي لم تتركه كرهاً به وإنما ضرب القدر ضربته. وعندما عاد أبوه من الحرب بعد مرور عدة سنوات كان نيرفال قد بلغ السادسة من العمر، وأصبح صبياً صغيراً يلعب مع أولاد الجيران. ونظر إليه والده في البداية دون أن يعرفه، ثم هجم عليه وضمّه إلى صدره بقوة وكأنه يراه لأول مرة. فتضايق الصبي من شدة الضمّ والعناق وحاول أن يدفع أباه قائلاً: «يا أبي إنك توجعني!»، فاشتهر بهذه الكلمة فيما بعد.

الحب الفاشل والرحلة إلى الشرق

ثم وقع جيرار دونيرفال في الحب عام 1834، فقد تعلق بمطربة كانت مشهورة في ذلك الزمان وتدعى جيني كولان. ولكنها ضحكت عليه بعد أن بادلته العواطف لفترة قصيرة. فقد فضلت أن تتزوج رجلاً آخر ذا مستقبل راسخ ومضمون من الناحية المادية. فماذا يمكن أن تفعل مع شاعر بوهيمي متسكع من حارة إلى حارة، ومن حانة إلى حانة في شوارع باريس؟ وأي أمل في هؤلاء الشعراء والأدباء؟ وهل الأدب يُطعم خبزاً؟ ولكن حبها ظل عالقاً في قلبه، والدليل على ذلك أنها عندما ماتت فجأة عام 1842 أحسَّ بلوعة وحسرة على الرغم من أنها كانت متزوجة من غيره. وبكاها بكاءً مراً. وقد تخمَّر كل ذلك في أعماقه النفسية الدفينة قبل أن ينفجر لاحقاً في روائع أدبية خالدة. وبعد موت حبيبته الأساسية قام جيرار دو نيرفال برحلة شهيرة إلى الشرق، أي إلى مصر، وسوريا، ولبنان، وتركيا أساساً. فهل كان يريد أن يعزّي نفسه، أن ينسى؟ ورحلته إلى منطقتنا تعدُّ وثيقة أدبية وتاريخية من الطراز الأول. فمن يُرِد التعرف على أوضاع بلادنا في القرن التاسع عشر يجب أن يقرأها. علاوة على ذلك فهي مكتوبة بلغة ذاتية، شخصية، شاعرية، لا تضاهى.

أدرك دو نيرفال أن الإنسان ملقى في هذا العالم وحده... الإنسان وحيد، ووحدته شاسعة واسعة لا حدود لها

المرض النفسي والأعمال الكبرى

لقد خسر نيرفال كل شيء، بل وخسر حتى توازنه الشخصي، وهذا أخطر شيء. فقد أصيب عام 1841 بأول أزمة نفسية في حياته، ولكنها للأسف لم تكن الأخيرة. فقد تلتها أزمة أخرى أشد وأعنف عام 1851، وبين الأزمتين راح يكتب أجمل مؤلفاته. بل وحتى عندما كان معتقلاً في المصح العقلي أو في مستشفى المجانين كما نقول، فإنه راح يكتب بعضاً من روائعه الخالدة. انظر: «بنات النار»، و«نزهات وذكريات»، و«أوهام وخيالات»، و«أوريليا أو الحلم والحياة»... إلخ. ثم تدخل الأصدقاء لتحريره ولكن ضد رأي الطبيب الذي لم يكن واثقاً من أنه استرد توازنه النفسي فعلاً. وللأسف فقد كانت توقعاته صحيحة. فقد وجدوه بعد فترة قصيرة مشنوقاً في ساحة «شاتليه» الواقعة في وسط العاصمة الفرنسية. كانت ليلة ليلاء، شديدة البرد والزمهرير، كانت ليلة ما فيها ضوء. وبعد أن دقَّ على أبواب عديدة وأُغلقت جميعها في وجهه لم يجد بداً من الانتحار كحل وحيد لمشكلته الشخصية. ويبدو أنه قال لعمته التي كان نازلاً عندها، لأنه لم يكن له بيت في أواخر أيامه: «هذه الليلة ستكون بيضاء وسوداء، لا تنتظرينني…». لقد تخلى عنه الجميع بعد أن أصيب بالمرض العقلي وفقد هيبته الشخصية. ولم يعرفوا قيمته وطيبته إلا بعد وفاته. فقد كان مشهوراً بالطيبة وحب الآخرين، ولكن لم يكن له حظ في هذه الحياة. لقد خسر جيرار دو نيرفال الحياة وربح الأدب: الأدب كأعظم وأرقى ما يكون. ولكن بودلير ظل مقتنعاً طيلة حياته كلها بأنه مات مقتولاً.

بدلاً من العالم الواقعي المحسوس راح نيرفال يبتدع عالماً آخر من صنع الخيال ويسكنه. إنه عالم لا أجمل ولا أبهى؛ عالم خالٍ من ضغائن الناس ومكرهم ومناوراتهم وشرورهم، عالم الحبيبات اللواتي لا يعطين أنفسهن إلا في الخيال. ولذلك اخترع مصطلح الأحلام «ما فوق الطبيعية». وقد أخذ السورياليون عنه هذه الكلمة فيما بعد، واعتبره زعيمهم أندريه بريتون أحد روادهم الأوائل. فالعالم الحقيقي بالنسبة له ليس عالم الواقع، ليس هذا العالم القبيح الذي نعيشه ونراه كل يوم، وإنما عالم ما فوق الواقع، أو ما وراء الواقع. إنه ليس العالم الطبيعي وإنما ما فوق الطبيعي. وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة سريالية باللغة الفرنسية. وبالتالي فهو مخترع كلمة السريالية، وليس أندريه بريتون. في العالم الواقعي لا توجد إلا الخيبات والآلام، والمصائب والنكبات، لا توجد إلا الشرور والمناورات والأكاذيب والمطبات. أما في عالم ما فوق الطبيعة أو ما فوق الواقع الذي يحلق في الأعالي فلا يوجد إلا الصفاء والنقاء، والمحبة والحبور. وهناك تستطيع أن تفعل ما تشاء، تستطيع أن تلهو وتلعب وتبني قصوراً في الهواء... أنت حر. تستطيع أن ترتب الأمور على هواك: فتصبح أغنى الناس وأنت فقير مدقع، تصبح أسعد الناس وأنت شقيٌ مهموم. هكذا راح نيرفال يتواصل مع جميع النساء اللواتي أحبهن وامتنعن عليه في هذه الحياة الدنيا. راح يلتقي بهن على أجنحة الخيال، في عالم أثيري مسحور. وكان يعتقد جازماً بأن هناك تواصلاً بين هذا العالم والعالم الآخر، ولا يوجد أي حجاب حاجز كما يتوهم معظم الناس. ولكن وحده الشاعر الملهم يستطيع أن يتصل بالعالم الآخر من خلال أحلام اليقظة وشطحات الخيال. بل إن أمه التي لم يعرفها أبداً في حياته لأنها ماتت وهو صغير جداً - كما قلنا - راحت تتجلّى له في الحلم. ففي ليلة من الليالي شعر بإشراق داخلي وهّاج، وفجأة ظهرت له امرأة ملائكية وقالت له: أنا أمك يا جيرار، أنا جميع النساء اللواتي أحببتهن بشكل عذري أفلاطوني، وبحثت عنهن طيلة حياتك دون أن تجدهن. وقريباً بعد أن تموت سوف نلتقي اللقاء الأبدي، هنا في دار الخلود. وسوف تراني لأول مرة وجهاً لوجه يا جيرار. لأول مرة سوف نلتقي يا حبيبي. فلا تخف، إني أنتظرك، نحن على موعد مع القدر. لنستمع إلى هذه القصيدة التي تلخص كل ذلك: أين هن حبيباتنا؟ إنهن في القبور/ إنهن أكثر سعادة في إقامة أكثر بهاء/ إنهن بالقرب من الملائكة في أعالي السماء الزرقاء ينشدن المدائح للعذراء! / آه، أيتها الخطيبة البيضاء! أيتها العذراء الشابة المكللة بالورود! أيتها العشيقة المهجورة التي يفتّت قلبها الألم!/

الأبدية العميقة تبتسم في عينيك… يا مصابيح العالم المطفأة توهجي في السماوات!


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.