تعبئة أوروبية لمواجهة تدفق الهجرات إلى إيطاليا

الاتحاد الأوروبي حائر... وشكوك بشأن «الخطة الجديدة» للجم الازدياد المطرد لوصول المهاجرين عبر «المتوسط»

مركب لـ«حرس السواحل» الإيطالي ينقل مهاجرين غير شرعيين إلى ميناء لامبيدوسا في 18 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)
مركب لـ«حرس السواحل» الإيطالي ينقل مهاجرين غير شرعيين إلى ميناء لامبيدوسا في 18 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)
TT

تعبئة أوروبية لمواجهة تدفق الهجرات إلى إيطاليا

مركب لـ«حرس السواحل» الإيطالي ينقل مهاجرين غير شرعيين إلى ميناء لامبيدوسا في 18 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)
مركب لـ«حرس السواحل» الإيطالي ينقل مهاجرين غير شرعيين إلى ميناء لامبيدوسا في 18 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)

استبق البابا فرنسيس زيارته مدينة مرسيليا الفرنسية، الواقعة على ضفاف البحر المتوسط، (الجمعة والسبت) المقبلين، بتركيز خطبته الرعوية يوم الأحد في الفاتيكان على ملف اللاجئين المتدفقين على الشواطئ الإيطالية، وتحديداً على جزيرة لامبيدوسا، التي تعد النقطة الأقرب من الشاطئ التونسي، حيث لا تبعد عنه سوى 150 كلم.

وبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق خطة جديدة لمساعدة روما على احتواء التدفقات غير المسبوقة للاجئين، وغالبيتهم أفارقة، المنطلقين إما من الشواطئ التونسية أو الليبية، فإن كلام البابا يذهب في وجهة أخرى تركّز على ضرورة احترام الكرامة الإنسانية والأخوة بين الشعوب.

وقال البابا فرنسيس، (الأرجنتيني الجنسية)، إن تحدي الهجرات غير الشرعية «يجب أن نواجهه معاً؛ لأنه يهم مستقبلنا جميعاً، ولن يكون مفيداً إلا إذا بُني على مبدأ (الأخوة)، وأن نأخذ بعين الاعتبار الكرامة الإنسانية وكرامة الأشخاص، خصوصاً الذين يعانون من حالة العوز».

وأكدت مصادر الإليزيه، في معرض تقديمها للزيارة البابوية، أن مسألة الهجرات ستكون على رأس الملفات التي سيتباحث الرئيس إيمانويل ماكرون والبابا بشأنها.

مهاجرون يتلقون مساعدة من الصليب الأحمر والشرطة في إحدى جزر الكناري بإسبانيا في 13 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)

ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها البابا التعاطي الأوروبي مع اللاجئين. إلا أن ما شهدته الجزيرة الإيطالية الصغيرة، التي لا تزيد مساحتها على 20 كيلومتراً مربعاً ولا يتخطى عدد سكانها الستة آلاف، فرضها أولويةً سياسيةً وإنسانيةً نظراً لعجز السلطات الإيطالية عن مواجهتها.

فخلال 3 أيام ازداد عدد اللاجئين الذين وصلوا إليها على 8500 شخص. وتُبين الإحصائيات المتوافرة أن إيطاليا استقبلت في الأشهر الثمانية الماضية من العام الحالي 126 ألف لاجئ وصلوا إليها بحراً، ما يساوي ضعفَي مَن وصلوا إليها في الفترة نفسها من العام الماضي.

والمفارقة أن زيادة تدفقات اللاجئين القادمين من وسط وغرب أفريقيا حصل بينما وصلت الحكومة الإيطالية الائتلافية، التي تقودها، جورجيا ميلوني، رئيسة حزب «فراتيلي إيطاليا (أخوة إيطاليا)» اليميني المتطرف، إلى السلطة بناء على وعود بوضع حد لتدفق الهجرات واتباع «سياسة إغلاق الموانئ الإيطالية» بوجه سفن ومراكب اللاجئين والجمعيات الإنسانية التي تتولى إيصالهم.

مهاجرون غير شرعيين من النيجر في أحد المراكز في العاصمة الليبية طرابلس في 21 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)

وتعد الطريق البحرية الواصلة بين شواطئ شمال أفريقيا وإيطاليا الأخطر في العالم، حيث غرق في مياهها ما لا يقل عن 2300 خلال الأشهر الثمانية من العام الحالي. وقد وصفه البابا بـ«المقبرة».

ووصل جيرالد درامانان، وزير الداخلية الفرنسي، إلى روما، (الاثنين)، للقاء نظيره الإيطالي بتكليف من الرئيس ماكرون. وتعد زيارته الأولى إلى روما، وتأتي بعد جدل أثارته تصريحات سابقة له عدّ فيها أن ميلوني «عاجزة عن الوفاء بتعهداتها» في محاربة الهجرات.

وقال درامانان، في حديث صباحي لإذاعة «أوروبا رقم 1» وتلفزيون «سي نيوز»، إنه يحمل رسالة «حزم»، ويريد «مساعدة إيطاليا على مراقبة حدودها الخارجية». وبحسب الوزير الفرنسي، فإن «ما نريد قوله لأصدقائنا الإيطاليين الذين أعتقد بأنهم متفقون تماماً معنا، هو أنه يتعين علينا حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، خصوصاً النظر فوراً في طلبات اللجوء، وإعادتهم إلى بلادهم إن كانت غير مؤهلة» مضيفاً أنه «لا يمكن توجيه رسالة إلى الأشخاص الذين يأتون إلى أراضينا مفادها بأنه سيتم الترحيب بهم مهما حدث».

المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين وإلى يسارها رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني خلال زيارتهما ميناء لامبيدوسا في 17 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

ويريد المسؤول الفرنسي الالتزام فقط بتطبيق القواعد الأوروبية في موضوع اللجوء التي تقول: «إذا كان هناك طالبو لجوء مؤهلون لنيل اللجوء ويتعرضون للاضطهاد لأسباب سياسية، فبالطبع هم لاجئون. وفي هذه الحالة، يمكن لفرنسا (...) كما فعلت على الدوام، استقبال هؤلاء الأشخاص». بيد أن المشكلة تكمن في أن «60 في المائة» من حالات اللجوء تعود لأشخاص «يأتون من دول مثل ساحل العاج وغينيا وغامبيا»، حيث «لا ظروف إنسانية» تتطلب لجوءهم للخارج.

ويوم السبت الماضي، جرى اجتماع عبر الهاتف ضم وزراء داخلية فرنسا وإيطاليا وألمانيا والرئاسة الإسبانية للاتحاد الأوروبي، ومفوضة الاتحاد للشؤون الداخلية، يلفا جوهانسون، خُصّص لملف لامبيدوسا وبالدرجة الأولى لتقاسم أعداد اللاجئين الذين يحق لهم البقاء على الأراضي الأوروبية.

تكمن الصعوبة التي تعاني منها الدول الأوروبية المعنية باللجوء بالدرجة الأولى، مثل إيطاليا ومالطا واليونان وإسبانيا أي تلك التي تشكّل «بوابة الدخول» إلى الاتحاد الأوروبي، في صعوبة تنفيذ المبدأ المشار إليه، وهو ما تشكو منه إيطاليا التي تنتقد غياب التضامن الأوروبي معها لجهة قبول توزيع اللاجئين على الأعضاء الـ27.

وكانت هذه النقطة خصوصاً، قلب الرسالة التي وجهتها المفوضة الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بمناسبة الزيارة المشتركة التي قامت بها إلى لامبيدوسا مع جورجيا ميلوني، حيث عدّت أن «الهجرة غير القانونية هي تحدٍّ أوروبي يحتاج إلى ردّ أوروبي». وأضافت متوجهة بالكلام إلى ميلوني: «أنتم تستطيعون الاعتماد على الاتحاد الأوروبي».

بيد أن شكوكاً كبيرة تدور حول إمكانية تنفيذ الخطة المشّكلة من 10 نقاط التي طرحتها فون دير لاين للتعامل مع دفق الهجرات الذي لا يتوقف.

شرطي إيطالي يقود مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين تم إنقاذهم في البحر إلى أحد مراكز الإيواء في جزيرة لامبيدوسا في 18 سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)

وراهن الأوروبيون على الاتفاق «الاستراتيجي»، الذي أُبرم مع تونس لمنع انطلاق اللاجئين من شواطئها، إلا أن التجربة بيّنت أن آمالهم قد خابت. والدليل على ذلك أن التدفقات على إيطاليا ازدادت بنسبة 60 في المائة بعد الاتفاق مع تونس الذي وُقّع في شهر يوليو (تموز) الماضي.

وتنص الخطة على تحسين إدارة الوضع الراهن من خلال توزيع طالبي اللجوء بين الدول الأوروبية بشكل أفضل، وتفادي تكرار تدفقهم بأعداد كبيرة على سواحل إيطاليا بشكل يستنزف قدراتها اللوجيستية والإدارية. كما تلحظ زيادة التعاون بين إيطاليا، والوكالة الأوروبية للهجرة، والوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود والسواحل (فرونتكس)؛ لتسجيل المهاجرين وأخذ بصماتهم، وغيرها من الإجراءات، على أن تعزز «فرونتكس» ووكالات أخرى مراقبتها البحرية «ودراسة الخيارات لتوسيع العمليات البحرية في المتوسط». وتشمل تسريع الدعم المالي لتونس، والتحاور مع أبرز الدول التي يأتمنونها، مثل غينيا وساحل العاج والسنغال وبوركينا فاسو، لإعادتهم في حال لم يستوفوا شروط اللجوء.

خطط قادة الاتحاد الأوروبي لعقد اجتماعين رئيسيين يخصصان لملف الهجرات، بعد أن برزت مجدداً تشققات داخل صفوفهم لجهة العمل باتفاق سابق يقضي بتوزيع اللاجئين على الأعضاء. وجاءت «الضربة» هذه المرة من ألمانيا التي أعلنت وزيرة داخليتها نانسي فايزر، أن برلين «جمّدت» أحادياً استقبال اللاجئين الوافدين من إيطاليا إلى ألمانيا، بموجب الاتفاق المُبرم بين دول الاتحاد حول تقاسم الأعباء، بسبب ضغوط الهجرات المتزايدة، وما تعدّه «امتناع إيطاليا عن تطبيق بنود معاهدة دبلن الرئيسية» الخاصة بهذا الملف.

أضحى واضحاً اليوم أن المعالجة الأوروبية «الكلاسيكية» قاصرة عن التصدي لموضوع متشعب، وأن التركيز على احتواء اللاجئين في «بلاد الممر» مثل ليبيا وتونس ليس ناجعاً.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، ألان جوبيه، إنه «يتعين معالجة جذور المشكلة». وبرأيه، فإن «الحل الحقيقي يكمن في توفير ظروف وشروط التنمية» في البلدان الأفريقية، مصدر اللاجئين، بمعنى توفير فرص العمل، ومساعدة الدول المعنية على محاربة الفقر، وتوفير التعليم، والطبابة، والرعاية الاجتماعية. لكن جوبيه لم يأتِ بجديد لأن هذه «الوصفة» معروفة منذ عقود، إلا أن العقبة تكمن في تنفيذها.

بالمقابل فإن أصواتاً ترتفع في أوروبا للتنديد بازدواجية المعايير في التعاطي مع اللاجئين. وقالت النائبة في البرلمان الفرنسي ساندرين روسو، إن الواصلين إلى لامبيدوسا «لا يساوون شيئاً» بالمقارنة مع أعداد اللاجئين من أوكرانيا الذين استقبلتهم أوروبا وهم يعدون بالملايين. ونددت النائبة المنتمية إلى «حزب الخضر» بـ«التعامل المصبوغ بكره الأجانب» المخصص للاجئين القادمين بشكل رئيسي من أفريقيا.


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لأحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» خلال مسيرة بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

استقالة المسؤول عن ترحيل المهاجرين في إدارة ترمب

استقال القائم بأعمال مدير دائرة الهجرة والجمارك «آيس»، تود ليونز، متخلياً بذلك عن قيادة حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لترحيل المهاجرين جماعياً.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
آسيا آلاف الروهينغا يخاطرون بحياتهم كل عام فراراً من القمع والحرب الأهلية عبر البحر (أرشيفية - رويترز)

مخاوف من فقدان نحو 250 شخصاً إثر انقلاب قارب في بحر أندامان

أعربت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، عن خشيتها من فقدان نحو 250 شخصاً، بينهم أطفال، جراء انقلاب قارب كان يقل لاجئين من أقلية الروهينغا وبنغلادشيين.

«الشرق الأوسط» (دكا - نايبيداو)
أوروبا وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)

إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

أعلنت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز، الثلاثاء، أن كل من يستوفي الشروط المطلوبة يمكنه الآن التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة، وعمل لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

أوكرانيا: إطلاق نار في كييف ومقتل عدة أشخاص

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
TT

أوكرانيا: إطلاق نار في كييف ومقتل عدة أشخاص

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)

قال رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية كييف، فيتالي كليتشكو، إن رجلاً أطلق النار في أحد أحياء المدينة، اليوم السبت، ما تسبب في مقتل عدد من الأشخاص، وإن الشرطة تحاول القبض عليه، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال كليتشكو على تطبيق «تلغرام» إن الجريمة ⁠وقعت في حي ‌هولوسيفسكي بالعاصمة. ‌وأضاف: «تجري ​عملية ‌خاصة للقبض ‌على الرجل الذي بدأ إطلاق النار ويوجد حالياً ‌داخل أحد المتاجر الكبرى (سوبر ماركت)».

وتابع: «وفقاً للمعلومات ⁠الأولية، ⁠يتم إطلاق النار أيضاً داخل السوبر ماركت. ونتيجة لإطلاق النار، هناك مصابون وعدة قتلى».


البابا ليو يأسف لاعتبار مواقفه في أفريقيا بمثابة رد على ترمب

البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
TT

البابا ليو يأسف لاعتبار مواقفه في أفريقيا بمثابة رد على ترمب

البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)

أعرب البابا ليو الرابع عشر قبيل وصوله إلى أنغولا، السبت، عن أسفه لاعتبار مواقفه خلال جولته الأفريقية بمثابة رد على انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال البابا للصحافيين على متن الطائرة بين الكاميرون وأنغولا: «الخطاب الذي ألقيته في صلاة السلام قبل يومين (بشمال غرب الكاميرون) كُتب قبل أسبوعين، أي قبل وقت طويل» من انتقادات ترمب.

وأضاف: «مع ذلك، فُهم الأمر كأنني أحاول إحياء نقاش مع الرئيس، وهو أمر لا يصب في مصلحتي على الإطلاق»، في إشارة إلى خطاب قال فيه إن «العالم تدمّره حفنة من المتسلطين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

البابا ليو الرابع عشر يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرته البابوية في طريقه من الكاميرون إلى أنغولا (رويترز)

ووصل البابا ليو، السبت، إلى أنغولا، محطته الثالثة في الجولة الأفريقية، وهي الدولة الناطقة بالبرتغالية حيث يعيش ثلث السكان تحت خط الفقر رغم استغلالها احتياطات نفطية هائلة منذ عقود.

واختتم البابا الأميركي زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى الكاميرون بإقامة قداس في الهواء الطلق بمطار ياوندي.

وحضر القداس 200 ألف شخص، بالإضافة إلى مئات الآلاف الذين انتشروا في المناطق المحيطة، حسب أرقام صادرة عن الفاتيكان. واستُقبل البابا مجدداً بترانيم مصحوبة بقرع طبول ورقص، في جوٍّ من الحماسة والبهجة عكس الترحيب الحار الذي حظي به في البلاد.

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى أنغولا وفي استقباله بمطار لواندا الرئيس جواو لورينسو (أ.ف.ب)

وفي عظة ألقاها باللغة الفرنسية، شكر البابا الشعب الكاميروني وحثّ الحشود على التحلي بـ«الشجاعة لتغيير العادات والأنظمة» في بلد يحكمه بول بيا البالغ 93 عاماً بقبضة حديد منذ عام 1982.

بعد يوحنا بولس الثاني (1978 - 2005) عام 1992 وبنديكتوس السادس عشر (2005 - 2013) عام 2009، سيصبح ليو الرابع عشر ثالث بابا يزور هذا البلد الذي نال استقلاله من الحكم الاستعماري البرتغالي عام 1975.

وانتُخب البابا ليو الرابع عشر في مايو (أيار) 2025، واعتمد في الأشهر الأولى من حبريته مواقف أكثر تحفظاً من سلفه الأرجنتيني البابا فرنسيس (2013 - 2025)، إلا أنه تخلى أخيراً عن تحفظه وتبنى أسلوبا أكثر حزماً، وذلك بعد أيام فقط من تعرضه لانتقادات لاذعة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله لترؤس قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)

وخلال زيارته للكاميرون، دافع البابا ليو الرابع عشر عن مناهضة الظلم الاجتماعي، مندداً بـ«أولئك الذين يواصلون، باسم الربح، الاستيلاء على القارة الأفريقية لاستغلالها ونهبها».

وأطلق البابا رسالة سلام في شمال غرب البلاد الناطق باللغة الإنجليزية، الذي يشهد صراعاً انفصالياً.

كما حذر الجمعة من استخدام الذكاء الاصطناعي لتأجيج «الاستقطاب والصراع والخوف والعنف»، وحض الشباب على «خدمة بلادهم» بدلاً من الهجرة.

الأحد، أي بعد يوم من وصوله إلى لواندا ولقائه الرئيس جواو لورينسو، من المقرر أن يُقيم البابا ليو الرابع عشر قداساً ضخماً في الهواء الطلق على مشارف العاصمة.

ثم يتوجه إلى قرية موكسيما التي تبعد حوالي 130 كيلومتراً جنوب شرق لواندا، حيث أصبحت كنيسة تعود للقرن السادس عشر واحداً من أهم مواقع الحج في جنوب القارة الأفريقية.

ويتوجه البابا الاثنين إلى ساوريمو، التي تبعد أكثر من 800 كيلومتر من العاصمة، قبل أن يغادر البلاد في اليوم التالي.

ثم يتوجه رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص حول العالم، جواً إلى غينيا الاستوائية، المحطة الأخيرة من جولة أفريقية يجتاز خلالها 18 ألف كيلومتر بدأها في الجزائر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended