لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

أعراضه عذاب يومي لنحو 65 مليون شخص حول العالم

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات
TT

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

لغز «كوفيد طويل الأمد»... تحليلات واكتشافات

«كوفيد» يؤثر على الدماغ والقلب والرئتين والأمعاء والمفاصل... أحياناً

في وقتٍ واحد وأحياناً بشكلٍ متقطّع وأحياناً بشكلٍ تسلسلي

في يونيو (حزيران) 2022، خلال محادثة بين ليزا ساندرز؛ طبيبة الأمراض الباطنية في جامعة «يال»، وصديقتها إريكا سباتز؛ طبيبة القلب، ذكرت الأخيرة أنّها ومجموعة من الأطبّاء يفكّرون في افتتاح عيادة خاصّة لمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، وأنّهم يبحثون عن طبيب باطني لإدارتها.

تأثيرات «كوفيد» المدمرة

ولكنّ المشكلة وفق سباتز هي في العدد، فمنذ الجائحة تلتقي وزملاؤها في قسمي الرئة والأعصاب، بمرضى «كوفيد طويل الأمد» في «يال»، ولكن بشكلٍ متعجل وطارئ، حتّى إنّ بعض الأطبّاء باتوا مغلوبين بعدد المرضى الذين يطلبون المساعدة إلى درجة أنّهم يواجهون صعوبة في تحديد مواعيد وعلاج مرضاهم الذين أتوا بمشكلات أخرى مثل سرطان الرئة، والربو، وأمراض القلب، والخرف. يعيش مرضى «كوفيد طويل الأمد» عامّة في تعاسة منذ زمن؛ لأنّ المرض يؤثّر على الدماغ، والقلب، والرئتين، والأمعاء، والمفاصل – أحياناً في وقتٍ واحد، وأحياناً بشكلٍ متقطّع، وأحياناً بشكلٍ تسلسلي - فيتنقّلون من اختصاصيّ إلى آخر. والمشكلة أن لا أحد منهم قادر على الاستماع لمعاناتهم الكاملة، أو يملك الخبرة لحلّ جميع شكاواهم: الألم غير المحدّد، والإرهاق الدائم، ونتائج الفحوصات المحيّرة، وعلاجات المرّة الواحدة. وقالت ساندرز إنّه «يوجد أشخاص لم يستطيعوا إخبار قصّتهم لأحد سوى للشريك أو الوالدة لسنوات، وهؤلاء هم كابوس كلّ طبيب».

«كوفيد طويل الأمد» يهدد كل النظام الطبي

يغيب عن هذا الجدل 65 مليون شخص حول العالم لا تزال الجائحة بالنسبة إليهم عذاباً يومياً حقيقياً، ولا توجد حتّى اليوم دراسات تقدّم إجابات مؤكدة ووافية عن ماهية «كوفيد طويل الأمد» وكيف يمكن علاجه، لذا؛ فإنّ هؤلاء النّاس بحاجةٍ إلى الوضوح من شخص يكرّس نفسه للاهتمام بهم.

اقترحت سباتز وزملاؤها نموذجاً بديلاً: عيادةٌ يرأسها طبيب باطني يخصّص ساعة كاملة للاستماع لكلّ مريض، على أن يكون مسؤولاً عن وضع خطّة للعلاج، والتواصل باستمرار مع فريق الرعاية الصحية الأولية المهتم بالمريض، وإحالته إلى مختصين عند الحاجة. ولكنّ الفكرة لم تكن باهرة؛ لأنّ العيادة قد لا تحصل على براءة اختراع، ولا أرباح مالية، ولا جوائز.

عندما سمعت ساندرز الفكرة من صديقتها، شعرت بالحماس؛ لأنّ الاستماع إلى المرضى الذين يعانون من مشكلات معقّدة وحلّها هوايتها المفضّلة واهتمامها الأوّل اللذين بُنيت عليهما مهنتها.

تدرّس ساندرز الطبّ الباطني في جامعة «يال»، وتكتب عموداً شهرياً بعنوان «تشخيص» في مجلّة «نيويورك تايمز» كان مصدر إلهام للسلسلة التلفزيونية الشهيرة «هاوس». علاوة على ذلك؛ وضعت الطبيبة كتابين حول التشخيص الطبي، وظهرت في سلسلة وثائقية على منصّة «نتفليكس» بعنوان: «تشخيص» عام 2019.

لغز «كوفيد»

وجدت ساندرز في اقتراح عيادة «كوفيد» ضالّتها التي كانت تبحث عنها.

ولكنّ عملها هناك وضعها في قلب المجهول بالتزامن مع بدء العلماء التوصل إلى بعض الاكتشافات؛ ففي مايو (أيّار) 2022، نشر عالم المناعة أكيكو إواساكي، من جامعة «يال» أيضاً، مع زملائه تقريراً في دورية «نيتشر ميديسين» ضمّ «كوفيد طويل الأمد» إلى عائلة «متلازمة ما بعد العدوى الحادّة (post-acute-infection syndromes)».

وتعاني نسبة صغيرة من الأشخاص الذين اجتازوا الإصابة بفيروسات شائعة (مثل إيبولا، وحمّى الضنك، وشلل الأطفال، والإنفلونزا، وإبشتاين - بار) لسنوات، من عوارض شبيهة بتلك التي يعانيها مرضى «كوفيد طويل الأمد»، كالتعب الشديد، وتشوش الدماغ، وآلام المفاصل، والالتهاب، والدوار، والنوم المتقطّع، واضطرابات المزاج. ينطبق الأمر نفسه على الذين أصيبوا بطفيلية «الجياردية (giardia)».

ويشير تقرير إواساكي إلى أنّ هذه العوارض ليست حقيقية فحسب؛ بل إمراضية أيضاً؛ لأنّ شكل نشاطها في الجسم والسبب وراءها والآليات التي تدعمها على المستوى الخلوي متشابهة. وإذا استطاع العلماء التوصّل إلى سبب تحوّل الأمراض المعدية الشائعة إلى أمراض مزمنة لدى أشخاص دون غيرهم، فقد يتمكّنون من تطوير علاجات تستهدف الأسباب الرئيسية بدلاً من العوارض. وعدّ إواساكي أنّ «كوفيد طويل الأمد» يقدّم للعلم فرصةً لوضع تعريف لنشأة المرض المزمن الذي يلي العدوى، وبالتالي مساعدة ملايين النّاس.

يلتقي التقرير المنشور في دورية «نيتشر ميديسين» مع اهتمام ساندرز بالحالات المجهولة؛ فقد أوضحت الطبيبة الباطنية أنّ «أشخاصاً كثراً يعانون من أمراض لا نملك أسماء لها، وبالطبع لا توجد فحوصات لها».

صعوبة تعريف المرض الطويل

ولكنّ حتّى ساندرز نفسها لم تكن مستعدّة للعمل في ظروف شحّ المعلومات التي يملكها العلماء والأطبّاء عن «كوفيد طويل الأمد»؛ إذ لا يوجد اختبار دم للمرض، ويعجز المسؤولون الصحيون حتّى اليوم عن تعريفه، وتصفه «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» بـ«العلامات والعوارض والحالات التي تستمرّ بعض الإصابة بعدوى (كوفيد19) حادّة».

ويشير تعريف «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» إلى أنّ المرضى يعانون من «كوفيد طويل الأمد» إذا استمرّت العوارض لأربعة أسابيع على الأقلّ بعد العدوى الأصلية.

من جهتها، تعتمد منظّمة الصحة العالمية التعريف نفسه، ولكن بإطار زمني مختلف، حيث إنّها تعدّ مريض «كوفيد طويل الأمد» هو من تبدأ عوارضه أو تستمر بعد 3 أشهر من الإصابة الأصلية. تعدّ ساندرز أنّ هذا الفرق مهمّ؛ لأنّها تريد تعريف المرضى الذين يعانون فعلاً من «كوفيد طويل الأمد»، وليس أولئك الذين يحتاجون إلى وقتٍ أطول للتعافي من مرضهم الأصلي، ولهذا السبب، تستخدم تعريف منظّمة الصحة العالمية في العيادة.

راكم «كوفيد طويل الأمد» ما يشبه موسوعة من العوارض؛ إذ تصف ورقةٌ بحثية نشرها موقع «إي كلينيكال ميديسين» أكثر من 200 عارض مختلف للمرض.

عندما يتكلّم المرضى عن حالهم في الآونة الأخيرة، يبدو عليهم كأن الشياطين تسكنهم. فقد قالت ساندرز إنّ واحدة من مرضاها تستطيع في أيّام؛ السير 700 خطوة من سيّارتها إلى باب مكتبها، وأحياناً لا تستطيع، وإن مريضاً آخر تحوّل طنين أذنيه المزعج إلى صمم. وتشرح الطبيبة الباطنية أنّ «النّاس يأتون بعوارض غريبة، كالارتجاف الداخلي، ويقولون إنّ داخلهم يرتعش. هذا الأمر لا ينطبق على شخصٍ واحد، بل على كثيرين».

تقف أسباب عدّة خلف الأعراض الأكثر شيوعاً لـ«كوفيد طويل الأمد»... على سبيل المثال، يشير التشوش الدماغي إلى فشل الذاكرة والإدراك وفقدان القدرة على التركيز. قد يعود هذا الأمر في جزءٍ منه إلى «متلازمة التعب المزمن»، التي تتشارك كثيراً من العوارض مع أمراض الباع الطويل مثل «كوفيد». وقد يكون العارض ناتجاً عن مرض آخر مثل فقر الدم المنجلي، أو السكري، أو ألزهايمر، أو ربّما تأثيرٍ جانبي لأحد الأدوية، أو ربّما للتقدّم في السن، أو انقطاع الطمث، أو التوتّر، أو حتّى نقص النوم.

علاوةً على ذلك، أصبح مصطلح «متلازمة التعب المزمن» شائعاً لوصف إرهاق العمل، وإرهاق الجائحة، والملل، والشعور بعدم الرضا، أو حتّى وصف تأثير السهر لوقتٍ متأخّر.

تعتمد ساندرز اليوم، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، على التفاصيل التي يقدّمها المرضى لوضع تشخيصها؛ أي إنّ الأمر أشبه بعملية حذف وتخفيض، ولهذا السبب «تعلّمت أن تصمت وتنصت».

أسباب «كوفيد طويل الأمد»

يتحوّل «كوفيد19» إلى «كوفيد طويل الأمد» لدى نحو 10 في المائة من الحالات، ولا يزال العلماء يجهلون السبب. ترجّح الأدلّة المتنامية أنّ الفيروس، أو جزءاً منه، يبقى في «خزانات» في أنسجة الأعضاء لوقتٍ طويل، مما يعني أنّ الفيروس نفسه قد يكون السبب خلف العوارض، أو أنّه يحفّز استجابة مناعية ذاتية كما يفعل فيروس «إبشتاين - بار».

ويعتقد العلماء أيضاً أنّ «كوفيد19» قد يعمد إلى تنشيط فيروسات أخرى نائمة لعقود في الجسم ويوقظها للتسبّب في العوارض. وقد يكون السبب في بعض الالتهابات. فقد كشف إواساكي عن أنّ «فئران التجارب في المختبر التي عانت من إصابة طفيفة بـ(كوفيد19) أصيبت أيضاً بالتهاب طفيف في الرئتين تزامن مع ضرر كبير في الدماغ».

وقد لا تكون الأسباب أو المحفّزات النظرية حصرية؛ بل متسلسلة ومتضاربة وحتّى فردية؛ لأنّ «كوفيد طويل الأمد» قد يعبّر عن نفسه بطريقة مختلفة وفق بيئة كلّ مضيف. ولكن حتّى ينجح الباحثون في تطوير علاجات مستهدفة، فعلى ساندرز أن تكتشف وتكتب وصفات وتقترح حلولاً غير معقّدة وموجودة.

تتشارك العيادة حالياً مقرّها مع فريق معالجة الجروح في «يال»؛ أي إنّ مرضاها يتشاركون غرفة الانتظار مع أشخاص يتعافون من الإصابات، ولكن من المفترض أن تنتقل إلى مكان جديد أكبر في أكتوبر (تشرين الأوّل) المقبل.

* مجلّة «نيويورك ماغازين» - «خدمات تريبيون ميديا»



ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟
TT

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

عندما طرح «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، كان رد الفعل فورياً وقوياً: إنه يعمل! ولأول مرة، اختبر ملايين الأشخاص الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه وعداً بعيد المنال، بل بوصفه شيئاً مفيداً وبديهياً. وحتى مع عيوبه، فقد ظهر أنه يتمتع بقدرات مذهلة.

حدس صحيح واستنتاج خاطئ

كان هذا الحدس صحيحاً. أما الاستنتاج الذي تلاه فكان خاطئاً. لأن ما ينجح ببراعة مع فرد أمام لوحة المفاتيح، أثبت عدم فاعليته بشكل مفاجئ داخل المؤسسة.

الشركات لا تُدار باللغة

بعد عامين، وبعد مليارات الدولارات من الاستثمارات، وعدد لا يحصى من التجارب، وتدفق مستمر من «المساعدين» الأذكياء، يتبلور واقع مختلف: الذكاء الاصطناعي التوليدي استثنائي في إنتاج اللغة... لكن الشركات لا تُدار باللغة: بل تُدار بالذاكرة والسياق والتغذية الراجعة والقيود.

وهذه هي الفجوة. ولهذا السبب تفشل الكثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات بهدوء. إذ حتى مع الانتشار الواسع، هناك تأثير محدود... وشعور متزايد بالتكرار.

فشل 95 % من المشاريع التجريبية

ليست هذه قصة عن تقنية فشلت في اكتساب زخم، بل على العكس تماماً.

وأظهر تحليل مدعوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي حظي باهتمام واسع، أن نحو 95 في المائة من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات تفشل في تحقيق نتائج ملموسة، حيث لا يصل سوى 5 في المائة منها إلى مرحلة الإنتاج المستدام. وتشير تغطيات أخرى للنتائج نفسها إلى النمط نفسه: تجارب مكثفة، وتحول محدود.

والتفسير واضح: المشكلة ليست في الحماس، ولا حتى في القدرة، بل في أن توظيف الأدوات لا يُترجم إلى تغيير عملي حقيقي... ليست هذه مشكلة للتبني، بل مشكلة هيكلية.

المفارقة المزعجة: ذكاء اصطناعي... لكن لا شيء يتغير

داخل معظم الشركات اليوم، يتعايش واقعان: من جهة، يستخدم الموظفون أدوات مثل «تشات جي بي تي» باستمرار. فهم يصيغون ويلخصون ويبتكرون ويسرّعون عملهم بطرق تبدو طبيعية وفعالة.

من جهة أخرى، تكافح مبادرات الذكاء الاصطناعي الرسمية في المؤسسات للتوسع خارج نطاق المشاريع التجريبية الخاضعة لرقابة دقيقة. يصف التحليل نفسه المتعلق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فجوةً متزايدةً في «التعلم»: يجد الأفراد فائدة وقيمةً بسرعة، لكن المؤسسات تفشل في دمج هذه القيمة في سير العمل ذي الأهمية. والنتيجة هي ما يشبه «الذكاء الاصطناعي الخفي»: يستخدم الأفراد ما يُجدي نفعاً، بينما تستثمر الشركات فيما لا يُجدي.

الخطأ الأساسي: التعامل مع نموذج اللغة كنظام تشغيل

تركز معظم تفسيرات هذا الفشل على التنفيذ: بيانات غير دقيقة، حالات استخدام غير واضحة، نقص في التدريب. كل هذا صحيح، لكنه ثانوي.

المشكلة الحقيقية أبسط وأكثر جوهرية: نماذج اللغة الكبيرة مصممة للتنبؤ بالنصوص. هذا كل شيء. كل شيء آخر، من الاستدلال إلى التلخيص والمحادثة، إلخ، هو خاصية ناشئة عن هذه القدرة.

الأدوات الذكية التوليدية لا تعمل ضمن الواقع

لكن الشركات لا تعمل كسلاسل من النصوص. إنها تعمل كأنظمة متطورة ذات حالة وذاكرة وتوابع وحوافز وقيود... هذا هو التناقض. كما ذكرتُ سابقاً، هذا هو العيب البنيوي الأساسي للذكاء الاصطناعي: نماذج اللغة لا «ترى» العالم. فهي لا تحتفظ بحالة مستمرة. ولا تتعلم من ردود الفعل الواقعية إلا إذا صُممت خصيصاً لذلك... إنها تُنتج لغة مقنعة عن الواقع، لكنها لا تعمل ضمنه.

إجابات متميزة منفصلة عن النظام الفعلي

لا يمكنك إدارة شركة بناءً على تنبؤات الكلمات.اطلب من نموذج اللغة ما يلي:

-«زيادة مبيعاتي»

-«تصميم استراتيجية دخول السوق»

- «تحسين أداء الفريق»

وستحصل على إجابة. غالباً ما تكون جيدة جداً. إجابة منظمة، بليغة، ومقنعة. ولكنها منفصلة تماماً تقريباً عن النظام الفعلي الذي من المفترض أن تؤثر فيه.

وذلك لأن نموذج اللغة لا يستطيع تتبع مسار المبيعات، أو إدارة الحوافز، أو دمج بيانات إدارة علاقات العملاء، أو التكيف بناءً على النتائج. إذ يمكنه وصف استراتيجية، لكنه لا يستطيع تنفيذها.

وتؤكد نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذه النقطة: أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي فعّالة في المهام الفردية المرنة، لكنها تعجز عن العمل في بيئات المؤسسات التي تتطلب التكيف والتعلم والتكامل. وبعبارة أخرى: يمكن للأداة الذكية كتابة المذكرة، لكنها لا تستطيع إدارة الشركة.

زيادة قدرات الحوسبة لن تحل المشكلة

كان ردّ فعل القطاع حتى الآن متوقعاً: بناء نماذج أكبر، ونشر بنية تحتية أوسع، وتوسيع نطاق كل شيء. لكن التوسع لا يُصلح خللاً في التصميم. إذا كان النظام يفتقر إلى أساس واقعي، فلن تُوفّر له المزيد من المعايير هذا الأساس. وإذا كان يفتقر إلى الذاكرة، فلن تُوفّر له المزيد من الرموز الذاكرة. وإذا كان يفتقر إلى حلقات التغذية الراجعة، فلن تُنشئها المزيد من مراكز البيانات.

يُضخّم التوسع ما هو موجود، لكنه لا يُنشئ ما هو مفقود. وما هو مفقود هنا ليس المزيد من اللغة، بل المزيد من العالم.

المرحلة المقبلة... نظم ذكية ضمن بيئات حقيقية

لن تُحدّد المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي بواجهات دردشة أفضل أو نماذج لغوية أكثر قوة، بل ستُحدّد بشيء آخر تماماً: أنظمة قادرة على الحفاظ على الحالة، والاندماج في سير العمل، والتعلم من النتائج، والعمل ضمن قيود.

أنظمة لا تُولّد نصوصاً فحسب، بل تعمل ضمن بيئات حقيقية. لهذا السبب؛ لن يُبنى مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات على نماذج اللغة وحدها، بل على بنى تُدمجها ضمن نماذج أكثر ثراءً للواقع.

أقول ما يعرفه الكثيرون بالفعل... ولكن نادراً ما يقولونه: هناك زخم كبير، واستثمارات ضخمة، وسرديات كثيرة مبنية على فكرة أن توسيع نطاق نماذج اللغة سيحل كل شيء في النهاية. هذا لن يحدث.

فرصة حقيقية

هذه ليست نهاية الذكاء الاصطناعي المؤسسي، بل هي نهاية مفهوم خاطئ. فنماذج اللغة ليست بنية مؤسسية، بل هي طبقة واجهة. طبقة قوية، لكنها غير كافية بمفردها. الشركات التي تُدرك هذا أولاً لن تُحسّن فقط من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل ستُنشئ شيئاً مختلفاً جذرياً.

مجلة «فاست كومباني»


الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل
TT

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

يتنافس الموظفون على تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير جديد، فإنهم يستخدمونه أيضاً لتعزيز تعلمهم، سواءً كان ذلك لطلب مساعدة إضافية منه لتوضيح المفاهيم وحل المشكلات، أو لاكتساب مهارات جديدة، كما كتبت سارة بريغل (*).

تحسين المهارات

يستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «فراكتل» لصالح الكلية الأميركية للتعليم (ACE)، شمل أكثر من 1000 موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي.

وكما هو متوقع، تستخدم نسبة كبيرة من الموظفين الذكاء الاصطناعي لتحسين مهاراتهم. فقد أفاد 63 في المائة منهم بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات لم يتلقوا تدريباً رسمياً عليها من مؤسساتهم.

القلق من دقة المعلومات

ومع ذلك، أعرب 65 في المائة منهم عن قلقهم بشأن دقة الذكاء الاصطناعي. إلا أن 23 في المائة من الموظفين لا يزالون يعدّون الذكاء الاصطناعي خيارهم الأول عندما يحتاجون إلى تعلم شيء جديد.

فوائد سرعة الإجابات

قد يعود جزء من ذلك إلى سرعة توفير الذكاء الاصطناعي للإجابات: إذ قال ما يقرب من نصف الموظفين (46 في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن الإجابات لأنه أسرع من طلب المساعدة.

التعلّم سراً لتفادي الاتهامات بالجهل

وربما الأهم من ذلك، أن استخدام هذه التقنية يعني أيضاً أن الموظفين لا يضطرون إلى الاعتراف بجهلهم بشيء ما. فقد قال ما يقرب من ثلثهم (29في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة دون الإفصاح عن ذلك. ويُعدّ المديرون أكثر عرضةً لهذا الأمر: إذ اعترف 32 في المائة منهم بأنهم يتعلمون سراً.

وبشكل عام، قال 69 في المائة من الموظفين إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم، وقال أكثر من 55 في المائة إنه ساعدهم على الشعور بمزيد من الثقة في وظائفهم.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

ومع ذلك، فبينما يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بوضوح لسدّ فجوة ما، فإنهم ليسوا راضين تماماً عن قدراته التعليمية. فقد قال 7 في المائة فقط من الموظفين إنهم يشعرون بأن تعلم المهارات من الذكاء الاصطناعي كافٍ، وقال 39 في المائة إنهم يعدّون التدريب الذي يحصلون عليه من الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق لمزيد من التعلم.

الذكاء الاصطناعي يحفّز للانخراط في دورات تدريبية

أفاد ما يقارب نصف المشاركين (48 في المائة) بأنهم التحقوا بدورات تدريبية بعد أن عرّفهم الذكاء الاصطناعي على مواضيع معينة رغبوا في استكشافها بتعمق. والأكثر إثارة للإعجاب، أن 80 في المائة من العاملين أكدوا استمرارهم في التعلم بشكل أو بآخر بعد تعلمهم شيئاً ما باستخدام الذكاء الاصطناعي.

مع أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل التدريب العملي تماماً، فإنه يمثل حالياً نقطة انطلاق لغالبية العاملين الساعين لاكتساب مهارات جديدة.

* مجلة «فاست كومباني»


لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
TT

لسانك لا يكذب… «بصمة تنبئية» للأمراض

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي ما لا تراه العين

في حضارات وادي الرافدين، حيث تشكّلت البدايات الأولى للطب المنهجي، لم يكن التشخيص يعتمد على أجهزة، أو تحاليل مختبرية، بل على ملاحظة الجسد نفسه. كان الطبيب ينظر، ويتأمل التفاصيل التي قد تبدو عابرة، ومن بينها اللسان.

حين كان اللسان مفتاح التشخيص

معاينة اللسان

لم يكن طلب الطبيب من المريض أن يمد لسانه إجراءً شكلياً، بل خطوة أساسية في قراءة ما يجري داخل الجسد: تغيّر اللون، جفاف السطح، أو ظهور طبقة غير طبيعية؛ كلها إشارات ذات دلالة تُفسَّر ضمن فهم مبكر للصحة والمرض.

اليوم، يعود هذا المشهد القديم بصيغة مختلفة تماماً. فبدل أن يقف الطبيب وحده أمام المريض، تقف معه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتحلل صورة اللسان بدقة رقمية، وتبحث عن أنماط قد لا تراها العين البشرية. فهل يمكن أن يعود التشخيص القديم... عبر أكثر أدوات العصر تطوراً؟

خريطة بيولوجية مصغّرة

يُعد اللسان من أكثر أعضاء الجسم ثراءً بالمعلومات البيولوجية، فهو يعكس حالة الدورة الدموية، ومستوى الترطيب، والتوازن البكتيري في الفم، بل وحتى بعض الاضطرابات الجهازية. فاللون الشاحب قد يرتبط بفقر الدم، والاحمرار الزائد بالالتهاب، في حين أن الطبقة البيضاء أو الصفراء قد تعكس تغيّرات في الميكروبيوم الفموي، ذلك العالم المجهري الذي يعيش على سطح اللسان.

بهذا المعنى لم يعد اللسان مجرد عضو للكلام، أو التذوق، بل نافذة حيوية على توازن داخلي معقّد.

حين يلتقي الميكروبيوم بالخوارزمية

في السنوات الأخيرة بدأ الباحثون ينظرون إلى اللسان باعتبار أنه نظام بيئي متكامل يرتبط فيه الميكروبيوم الفموي بعدد من الأمراض المزمنة... من السكري وأمراض القلب، وصولاً إلى اضطرابات أيضية معقّدة.

اضطرابات الكبد والأمراض المزمنة

في هذا السياق أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «Chinese Medicine»، بقيادة فريق بحثي من الصين، أن تحليل صور اللسان باستخدام الذكاء الاصطناعي وربطها بتركيب الميكروبيوم يمكن أن يكشفا أنماطاً دقيقة مرتبطة باضطرابات في وظائف الكبد، مع قدرة لافتة على التمييز بين الحالات المرضية.

وفي تطور أحدث، طرح باحثون عام 2026 مفهوماً جديداً عُرف بـ«عمر اللسان» (Tongue Age)، يجمع بين تحليل مظهر اللسان وتركيب الميكروبيوم، لتقدير العمر البيولوجي، ومخاطر الإصابة بأمراض مزمنة.

اللسان «بصمة تنبئية»

وتشير هذه الأبحاث إلى أن اللسان قد يحمل بصمة تنبئية لصحة الإنسان تتجاوز الفحص الظاهري التقليدي. وأظهرت أبحاث حديثة من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف الأمراض قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، بل بلغة الأنماط الخفية، أنماط لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

حين ينتقل التشخيص إلى الهاتف

من الملاحظة إلى النمط

الفرق بين الطبيب القديم والخوارزمية الحديثة ليس في المبدأ، بل في الاتساع. الطبيب يرى إشارة واحدة، ويؤولها ضمن خبرته، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يرى آلاف الإشارات في اللحظة نفسها، ويربط بينها داخل شبكة معقّدة من العلاقات.

وبينما كان التشخيص قائماً على الملاحظة المدعومة بالحدس، أصبح اليوم قائماً على البيانات المدعومة بالخوارزميات.

من العيادة إلى الهاتف... حين يصبح التشخيص مستمراً

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات. فقد بدأت نماذج تحليل صور اللسان تنتقل إلى أدوات أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. وفي هذا النموذج الجديد قد يتحول فحص اللسان من إجراء يتم داخل العيادة إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، وترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير معنى التشخيص نفسه. لم يعد حدثاً مؤقتاً، بل عملية ديناميكية لا تتوقف...

حدود الفهم... وحدود الثقة

رغم هذا التقدم، يبقى هناك فرق جوهري بين «الرؤية» و«الفهم». فالذكاء الاصطناعي قادر على اكتشاف الأنماط، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الذي يمنح هذه الأنماط معناها.

قد يشير تغيّر في اللسان إلى مرض كامن، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة غذاء معيّن، أو حالة عابرة. وهنا يظل دور الطبيب محورياً، ليس في رؤية العلامة فقط، بل في فهمها، وتفسيرها ضمن سياق الإنسان الكامل.

بين وادي الرافدين والذكاء الاصطناعي

إذا عدنا إلى الوراء، نجد أن أطباء وادي الرافدين أدركوا أن الجسد يرسل إشارات خفية، وأن مهمة الطبيب هي قراءتها. اليوم يعيد الذكاء الاصطناعي إحياء هذه الفكرة، لكن بدقة أعلى، ونطاق أوسع. ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري كما كان: من يقرأ الإشارة... ومن يفهمها؟

الخلاصة: ما الذي لم نتعلم قراءته بعد؟

في زمن أصبح فيه الهاتف قادراً على تحليل صورة اللسان، لم يعد التشخيص حكراً على العيادة. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً أعمق: هل أصبحنا نرى أكثر... أم نفهم أقل؟

فاللسان، كما كان قبل آلاف السنين، لا يكذب. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يكشفه، بل في قدرتنا على تفسيره. ولهذا، لم يعد السؤال: ماذا يخبرنا اللسان؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فيه... ولم نتعلم بعد كيف نقرأه نحن؟