عرفات: لن أعطي القيادة السورية انتصار صمودنا في بيروت

"الشرق الأوسط" تنشر شهادات من صيف الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 (الحلقة الأخيرة)

TT

عرفات: لن أعطي القيادة السورية انتصار صمودنا في بيروت

عرفات على الخط الأمامي للقتال في ضاحية بيروت الجنوبية (غيتي)
عرفات على الخط الأمامي للقتال في ضاحية بيروت الجنوبية (غيتي)

في صيف 1982 تكاثرت المشاهد والمنعطفات. لم يكن أمام المقاومة الفلسطينية غير الخروج من بيروت التي يطوّقها الجيش الإسرائيلي. رأى ياسر عرفات أن مرحلة كاملة قد طُويت. قرر المغادرة بحراً رافضاً سلوك طريق بيروت - دمشق. في العقد التالي، سيعيد القضية إلى ترابها. إلى أرض فلسطين. أعاد الربط بين المصيرين الإسرائيلي والفلسطيني. لن تنعم إسرائيل بالاستقرار ما لم يعش الفلسطينيون في دولتهم. وفي ذلك الصيف، أطلق جورج حاوي ومحسن إبراهيم نداء المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) من منزل كمال جنبلاط في المصيطبة في 16 سبتمبر (أيلول) 1982. وقبلها انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية في 23 أغسطس (آب) 1982، ثم اغتيل في 14 سبتمبر قبل الإمساك رسمياً بالقصر، وتلا ذلك وقوع مجازر صبرا وشاتيلا. بعد أربعة عقود، يقاتل الفلسطينيون على أرضهم في معركتهم المفتوحة من أجل قيام دولتهم. في المقابل، سقط اللبنانيون في امتحان الدولة رغم نجاحهم في تحرير أرضهم من الاحتلال. شهد لبنان من الانتفاضات والوصايات والاغتيالات ما يفوق قدرته على الاحتمال. يقيم حالياً تحت ركامه. بيروت التي كانت شرفة تكاد تشبه معتقلاً. حزينة. مكسورة. معتمة. منهوبة. كسفينة يتيمة التهمها القراصنة وقرروا إغراقها لإخفاء بصماتهم. المدينة التي عاندت صيف الغزو الإسرائيلي تضج بالفقراء والخائبين والخائفين. لا يتفق اللبنانيون على تاريخهم ولا يتفقون على مستقبلهم. جزر متنافرة الأحلام والأوهام والقواميس والمرجعيات. لنترك هذه الجروح الآن علّنا نزورها لاحقاً. لنرجع إلى صيف المشاهد والمفترقات.

قوات إسرائيلية على طريق بيروت - دمشق إبان الاجتياح (غيتي)

سألت رئيس الوزراء اللبناني إبان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت شفيق الوزان عن ذلك الصيف القاتل ففتح باب الذكريات. في أواخر يونيو (حزيران) 1982 عرف من ياسر عرفات أن المقاومة الفلسطينية مستعدة للخروج من بيروت. يعتقد الوزان أن القيادة الفلسطينية «أدركت منذ الساعات الأولى لحصار بيروت حدود العمل العسكري الذي تستطيع القيام به، وصار همها توظيف فترة الصمود الممكنة في تحقيق مكاسب دبلوماسية وسياسية». والواقع أن المنظمة لم تكن قادرة على السير إلى ما لا نهاية في معركة بلا أفق.

بعد أسابيع من بدء الغزو، ظهر أن الاتحاد السوفياتي ليس في وارد القيام بأي خطوة دراماتيكية، وأن مجلس الأمن لن يستطيع التحرك بحرية. ولم يبق إلا الجانب الأميركي الذي يستطيع ممارسة ضغوط على الجانب الإسرائيلي طبعاً في مقابل ثمن لا بد من دفعه، وهو الموافقة على بعض الشروط. لم يكن باستطاعة أحد اتخاذ قرار بتدمير بيروت تدميراً كاملاً، فضلاً عن أن نهاية القيادة الفلسطينية في معركة من هذا النوع سترتب انعكاسات بالغة السلبية على القضية نفسها.

أبلغ الوزان المبعوث الأميركي فيليب حبيب في 3 يوليو (تموز) أن منظمة التحرير وافقت على خروج قواتها. يتذكر أن حبيب التفت إليه وقال: «هل لديك في خزانتك مستند يثبت تعهدهم بالخروج؟». أجاب الوزان أنه لم يخطر بباله الحصول على مستند ولم يطلب شيئاً من هذا النوع، فأتاه رد المبعوث: «أنا متأكد أن الإسرائيليين يصرون على تعهد خطي بالمغادرة. سبق أن طلبوا مني ذلك لأن ثقتهم بالقيادات الفلسطينية قليلة». وحين نقل الوزان رسالة حبيب إلى القيادة الفلسطينية «حصلت خضة كبيرة».

صائب سلام مجتمعاً مع ياسر عرفات (أرشيف صائب سلام)

يروي رئيس الوزراء الأسبق أن القيادة الفلسطينية كانت تحاول تفادي إعطاء تعهد خطي. يقول: «خلقت المطالبة بالتعهد حالة من الغضب والإرباك». أذكر أن حواراً ساخناً دار في اجتماع عقد في دارة الرئيس صائب سلام (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق). تحدث عرفات وكأن اللبنانيين، وأهل بيروت خصوصاً، تخلوا عن المقاومة. لم يستطع صائب سلام أن يتحمل مثل هذا الكلام، وقال له: «بعد كل الذي قدمته بيروت تقول مثل هذا الكلام. وبعد الذي قدمه لبنان نسمع مثل هذا الكلام. ألا ترى الخراب الذي لحق بالبلد. أنت لا تستطيع النوم في مكان واحد وتذهب من هنا إلى هناك. هل تريد أن تتهدم بيروت نهائياً ويتشرد أهلها؟». انفعل صائب سلام وفتح الباب ونادى الصحافيين وقال لهم: «اكتبوا على لساني: نحن نريد قتل الفلسطينيين وتشريدهم ونحن...». سارع أبو عمار (عرفات) إلى الصحافيين وطلب منهم عدم نشر أي شيء من هذا الكلام وأخذت من الصحافيين أشرطة التسجيل.

الحقيقة أن الرئيس تقي الدين الصلح (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق) طرح في اجتماع سؤالين على القيادة الفلسطينية: «هل لديكم سلاح لم تستخدموه حتى الآن في هذه الحرب؟ إن كان لديكم فنحن معكم ونضحي معكم. هل وعدتكم دول بأن تدخل الحرب إلى جانبكم وأن تدخلها سيجعل النصر شبه حاصل؟ فإذا كان لديكم مثل هذا الوعد نحن معكم. أما إذا لم يكن لديكم ذلك السلاح وذلك الوعد فحرام يا أبو عمار أن تتدمر بيروت التي أعطت وتعطي». في النهاية، وافق الفلسطينيون على الخروج ومسستلزماته. كل ذلك كان مؤلماً لي، والكلام لا يزال للوزان. كانت المقاومة الفلسطينية هي الأصل بالنسبة لنا، وقد دعمناها ووقفنا إلى جانبها وأحياناً إلى حد تجاهل بعض أخطائها والحساسيات اللبنانية.

عرفات وسلام... صدام انتهى بهدية

صائب سلام (يسار الصورة) وعرفات وبيار الجميل وكمال جنبلاط خلال مناسبة رسمية في بيروت في مطلع السبعينات (غيتي)

حين بدأ الغزو الإسرائيلي، قرر مجلس الوزراء اللبناني وضع كل الإمكانات تحت تصرف الجيش اللبناني. لكن كان هناك نوع من التسليم الكامل أن تصديه للآلة العسكرية المدمرة سيعرضه لعملية سحق كاملة، مما قد يؤدي إلى تقسيم البلاد، خصوصاً في ظل وجود ميليشيات متناحرة. وعندما اقترب الجيش الإسرائيلي من بيروت وطوّقها، راودت الوزان رغبة في الاستقالة. اعتبر الرئيس صائب سلام أن المرحلة لا تسمح بانقسام الحكم أو شلّه، فقدم للوزان دعماً كاملاً أقنعه بصرف النظر عن الاستقالة. وسيكون موقف سلام في تلك المرحلة موضع إشادة من خصومه، وبينهم محسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي وجورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي.

تذكر سلام تلك الأيام. كان آرييل شارون في 1982 يريد هدم بيروت على رأس الفلسطينيين ورأسنا معاً. بذلت جهوداً حثيثة وكان همي أن تسلم المقاومة الفلسطينية ويسلم بلدنا. تعالت أصوات آنذاك تقول إنه رمانا في الخارج من أجل إنقاذ بلده. هذا غير صحيح. لقد خرجوا بسلاحهم معززين وهم يرفعون شارة النصر وقمت بوداعهم على المرفأ وتوجهوا إلى أماكن أخرى لمتابعة العمل من أجل قضيتهم. كانت هجمة شارون ضارية. وكنت أطل من منزلي فأرى اللهب من البر والبحر والجو.

حصلت صدامات عدة مع أبو عمار. وخرجت غاضباً ذات يوم لكنني رفضت أن ينشر التلفزيون الصورة لأنني أردت عدم تهييج المشاعر. مع ذلك جاء عرفات قبل أن يغادر وودعني. كان يحمل تحت إبطه «عصا المارشالية». أصر على تقبيل يد زوجتي تميمة وقال هذا أثمن ما عندي أقدمه لك عرفاناً بالجميل. وترك معظم أغراضه عندنا.

مواقف لبنانية - فلسطينية من الاجتياح

استعاد جورج حاوي المواقف في بيروت بعد قيام الجيش الإسرائيلي بتطويقها وإمطارها بقصف متواصل. في قيادات الثورة الفلسطينية وعلى الصعيد الوطني اللبناني كانت هناك ثلاثة مواقف بشكل عام. الأول تخاذلي يرى أنه لا جدوى ولا طائل من استمرار القتال ويجب البحث بسرعة عن حل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان لهذا الموقف رموز عدة في القيادة الفلسطينية، ما يسمى باليمين الفلسطيني، أكثر من مرة كانت وجهات نظر الأخ هاني الحسن شديدة المرونة في هذا السياق. الموقف الثاني كان رمزياً نظرياً ورومانسياً وتحدث عن تحويل بيروت إلى ستالينغراد مثل موقف الدكتور جورج حبش (الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وكنت في الشهر الأول من هذا الرأي. أبو جهاد (القيادي الفلسطيني أحد مؤسسي حركة «فتح» خليل الوزير) تميز بأنه لا يعطي رأياً، بل يمارس على الأرض، أي أنه يمارس على أساس ستالينغراد من دون أن يعلن. التيار الثالث هو التيار الواقعي وكان يعرف أن المعركة محدودة، وأن هدف القتال هو تحسين شروط الحل السياسي. وقد قوي هذا التيار بعدما تبين أنه لا فرصة لموقف دولي يوقف آلة الحرب الإسرائيلية.

عرفات على الخط الأمامي للقتال في ضاحية بيروت الجنوبية (غيتي)

ليس صحيحاً أنني تسببت مع محسن إبراهيم في إطالة الحرب بذريعة انتظار الموقف السوفياتي. كان محسن مثلنا متشدداً في الشهر الأول، لكنه سلك طريق الواقعية لاحقاً. وكان هذا موقف وليد جنبلاط أيضاً. والحقيقة هي أن عرفات كان الأكثر واقعية بيننا. كان يهزأ بادعاءات تعد بتغييرات عربية وعالمية ولكنه كان يبالغ أحياناً في تصوير الخلل الفاضح في نسبة القوى وفي استصغار عامل الصمود الداخلي، الأمر الذي كان يجعلنا نخشى من أنه يمهد لتنازلات غير مبررة.

سألت حاوي عمن عارض الخروج من بيروت، فأجاب: «فعلياً لا أحد. لا من الفلسطينيين ولا من اللبنانيين. كانت الأمور تبحث حول الخروج وظروف الخروج».

عرفات يرفض منح هدية لحافظ الأسد

لا تتفق رواية أحمد جبريل الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» مع روايات الآخرين. سألته ذات مرة في دمشق عن الصيف الحار وتركته يروي.

شعر ياسر عرفات أن الموقف الفلسطيني صلب في موضوع الخروج من بيروت فدعا إلى اجتماع للقيادة بحضور القيادات اللبنانية مثل وليد جنبلاط وإبراهيم قليلات ومحسن إبراهيم وعبد الرحيم مراد وتوفيق سلطان. تحدث أبو عمار أنه تلقى عرضاً يتعلق بخروج الفلسطينيين وأنه رد بعدم قدرته على الإجابة قبل معرفة رأي الفلسطينيين واللبنانيين. تحدث محسن إبراهيم وإبراهيم قليلات وعبد الرحيم مراد. كان موجز كلامهم: لقد أعطيناكم كل لبنان فاعطونا بيروت. ظل وليد جنبلاط ساكتاً ولم يتكلم لا سلباً ولا إيجاباً. وكان نبيه بري (رئيس حركة «أمل» اللبنانية) حاضراً ولا أذكر ماذا قال لكنني شعرت أن مشاعر نبيه هي «الله معكم ومع السلامة»، أي مؤيد للخروج. بعضهم راح يلمح إلى أنكم لم تقاتلوا في الجنوب فلماذا تقاتلون في بيروت؟

كان الاجتماع الذي عُقد في منطقة المزرعة عاصفاً فعلاً... عندما طرحنا فكرة طرح اجتماع جديد لم نلمس حماسة من الإخوان. كان موقف «الحزب السوري القومي الاجتماعي» صلباً. جنبلاط لم يتحدث سلباً. الشيوعيون ومحسن إبراهيم ونبيه بري وقليلات كانوا مع عرفات. كان الاجتماع بمثابة طعنة في الظهر. آخر ما كان يتخيله المرء هو أن ينسحب البساط من تحت قدميه بهذه الطريقة. بعدها قاطعت الاجتماع وكلفت طلال ناجي الأمين العام المساعد أن يتابع الاجتماعات. قاطعت لأننا صرنا في موقعين وبدأت المواقف الحادة.

عرفات يزور أحد مواقع مقاتليه ببيروت في 26 يونيو 1982 (غيتي)

فتحت أسئلتي جروح الكراهية بين عرفات وجبريل، فاسترسل الثاني. قرر عرفات المغادرة لكنه كان يبحث عن عذر لعدم المغادرة عبر سوريا. سألناه عن السبب الذي يدفعه إلى تشتيت القوات وإرسال بعضها إلى تونس والجزائر فرد أنه غير واثق من موافقة سوريا على استقبالهم. كتبت مع جورج حبش ونايف حواتمة رسالة إلى عبد الحليم خدام، وكان وزير الخارجية (السوري) آنذاك. بعد أربع وعشرين ساعة جاءنا الجواب عبر اللاسلكي. اجتمعت القيادة القطرية لحزب «البعث» برئاسة الرئيس حافظ الأسد ووافقت على استقبال من يريد من الفلسطينيين بما في ذلك «جبهة التحرير العربية» التابعة للعراق. قرأت لعرفات نص البرقية فأجاب: «أنا لا أتعامل بالبرقيات. المفروض أن تصدر الحكومة السورية بياناً رسمياً».

اصطدمنا. قلت لعرفات: «مضت ثلاثة أشهر وأنت لا تترك فرصة إلا وتستغلها لانتقاد سوريا مواربة وتلميحاً، سواء مباشرة أو عبر جماعتك. سوريا تخوض المعركة معنا ودفعت 90 طائرة وآلاف الدبابات والعربات المدرعة والجنود وأنت تتصل هنا وهناك في العالم العربي. لو كانت النجدات ستصلنا سيراً على الأقدام لوصلت. هل تترك حليفك الموجود في حمانا وبعض جنوده في بيروت وتروح تهاجمه؟ هل مطلوب منك أن تصطدم مع سوريا؟»، تكهرب الجو وانتهى الاجتماع.

اتصلنا مجدداً بدمشق. وبعد ساعتين تلقينا برقية تطلب منا الاستماع إلى نشرة الأخبار في الإذاعة السورية. أذيعت الموافقة وسجلنا. دعونا إلى اجتماع للقيادة وأسمعنا عرفات التسجيل، فخاطبني قائلاً: «يا أبو جهاد، انتصار ثلاثة أشهر صمود في بيروت هل أعطيه للقيادة السورية؟ لا، أنا معطيهوش (لا أعطيه) وأنا لا أضع كل البيض في سلة واحدة». هاني الحسن نفسه قال في تلك الأيام: «لقد زرعنا والآن وقت الحصاد. انتهى موضوع الكفاح المسلح وليس أمامنا إلا أن نقطف ما زرعنا وإلا أكلته الرياح». بعد عام عاد عرفات إلى طرابلس لاستفزاز سوريا. حاصرناه لكنه خرج في النهاية. ولاحقاً سيقول لي أبو حازم (حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش السوري) ليتك أنهيته هناك وأرحت الجميع منه.

ذهبت الكراهية أبعد. قال جبريل وقت لقائنا: «استمع كل صباح إلى الإذاعة علّها تزف لنا نبأ قيام إسلامبولي فلسطيني على غرار ما حصل مع السادات (في إشارة إلى اغتيال الضابط المتطرف خالد الإسلامبولي الرئيس المصري الراحل أنور السادات)». سألته إن كان أرسل شخصاً مكلفاً باغتيال عرفات، فنفى. لكنه قال إنه واثق أن الإسلامبولي الفلسطيني سيطل.

حبش والخروج ودمشق

وفي دمشق أيضاً، حملت أسئلة كثيرة إلى جورج حبش. استجمع ذاكرته وحكى. قرار الخروج من بيروت شاركت في اتخاذه الغالبية الساحقة من قيادة المقاومة وأنا واحد منهم. ما بلور قرار الخروج هو الواقع، خصوصاً بعد اشتداد الحصار، إذ أصبح لا بد من أخذ حالة الجماهير اللبنانية في الاعتبار، وكذلك موقف الحركة الوطنية اللبنانية. بالطبع اخترت الذهاب إلى دمشق لأنني مدرك أنني أستطيع عبرها الاستمرار في ممارسة الكفاح المسلح وإعادة بناء الجسم العسكري للجبهة وكذلك أستطيع المشاركة بفاعلية في أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

كانت في ذهني المساومة السياسية التي سيدخل فيها أبو عمار بعد الخروج من بيروت، وذلك بوضعنا جميعاً أمام الأمر الواقع عبر مقولة إنه لم يعد أمامنا سوى القبول بما هو مطروح علينا من مبادرات أميركية لحل القضية الفلسطينية. لأن الصراع مع إسرائيل وفق رؤية أبو عمار لم يعد ممكناً بعد خسارة الساحة اللبنانية.

أبو إياد وخسارة بيروت

في ليل تونس كان القيادي الفلسطيني البارز صلاح خلف (أبو إياد) حزيناً. خلال حصار بيروت لم تكن علاقته بعرفات في أفضل حالاتها. ومن عادة الرحلات الطويلة المشتركة أن تترك خدوشاً في العلاقات. لكن أبو إياد كان حريصاً على القول إن قرار الخروج أملته اعتبارات عديدة عسكرية وسياسية وإنسانية.

عندما بدأ الاجتياح كان قرار المواجهة والتصدي شاملاً في الصفوف الفلسطينية وفي صفوف الحركة الوطنية اللبنانية. والأمر نفسه حين طوق جيش الاحتلال بيروت. كانت قدرة الجيش الإسرائيلي التدميرية عالية وكان من المستحيل كسر الحصار بهجوم ينطلق من الداخل، ولم يكن متوقعاً تلقي مساعدة لكسره من الخارج. قاتل الجيش السوري ببسالة في البدايات وتكبد خسائر كبيرة لكن سوريا كانت غير قادرة أو غير راغبة في تحريك جبهة الجولان والتسبب في حرب واسعة.

لم تكن المقاومة الفلسطينية تقاتل على أرضها وكان عليها أن تأخذ في الاعتبار حاجات الناس ومخاوفهم على أنفسهم وأرزاقهم. ثم إنه لم يكن هناك أي رهان جدي على مجلس الأمن وبعده على الاتحاد السوفياتي نفسه. لا يمكن في ظرف من هذا النوع اتخاذ قرارات انتحارية. هكذا تحول الخروج خياراً إلزامياً.

لم نعثر بعد الخروج من بيروت على بديل لها. لا بديل لهذه المدينة التي أعطت الثورة الفلسطينية الكثير والكثير. المدينة التي تشاركنا مع اللبنانيين في ارتكاب الأخطاء بحقها ولو من دون قصد. ليتنا كنا أقدر خلال وجودنا في لبنان على فهم مخاوف خصومنا وأوضاع حلفائنا. بعد بيروت لم يعد هناك غير الالتفات إلى الداخل وهو ما فعلناه. لا أبالغ إن قلت لك إننا كنا مجرمين في حق بيروت. كيف تسببنا في ضياع هذه الجوهرة. أستغرب كيف سمح اللبنانيون بتدهور بيروت إلى هذا الحد. شاركوا في الجريمة ومن دون قصد أيضاً. كان لخسارة بيروت ثمن لا بد من دفعه.

عباس والمحطة التونسية

لم يكن محمود عباس (أبو مازن) حاضراً في صيف بيروت الحارق. إقامته كانت أصلاً في دمشق رغم عدم اتفاقه في أحيان كثيرة مع علاقاتها الفلسطينية. سألت الرئيس الفلسطيني الحالي ذات يوم عن قصة تونس فاستعاد ما حصل.

أنا أول من وصل إلى تونس قبل أن تصل المقاومة وتقرر الإقامة فيها. اتخذت قراري بالمجيء إليها حين أحكم الإسرائيليون الطوق حول بيروت. شعرت بأن الوضع في لبنان انتهى لجهة وجود الثورة الفلسطينية فيه، وأنها ستنتهي أيضاً إذا ذهبت إلى دمشق. قررت ألا أبقى في دمشق وألا أكون جزءاً من القيادة إذا قررت البقاء فيها. جئت إلى تونس واستأجرت منزلاً ورتبت أموري العائلية على أساس الإقامة في تونس أياً كانت نتائج الحرب وفي كل الظروف.

كانت الخيارات بعد إحكام الطوق على بيروت الآتية: إما أن تنتهي القيادة في بيروت وتنتهي الثورة، وأنا لم أكن مستعداً للاستمرار في إطار أي مجموعة موجودة في دمشق، وإما أن تخرج القيادة إلى دمشق وفي هذه الحالة ستكون أسيرة القرار السوري. قلت أجلس في تونس وأنتظر. إذا كان لي أن ألعب دوراً في المستقبل فسألعبه وإن لم يكن لي دور فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أرسلت إلى أبو عمار أن عليه أن يبحث عن مكان غير دمشق. في هذا الوقت بالذات جاءتنا رسالة من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وكانت من شقين: الأول شيك بخمسة ملايين دولار مساعدة للفلسطينيين والثاني دعوة رسمية من الحكومة التونسية لكل القيادات الفلسطينية والكوادر كي تأتي إلى تونس إذا رغبت. كان الأمر بمثابة منجاة. أرسلت إلى أبو عمار أقول له: «جاءك الفرج وتستطيع أن تذهب أنت وقيادتك إلى تونس». الحقيقة أنها كانت مبادرة تونسية لا يمكن نسيانها.

قوات إسرائيلية على طريق بيروت - دمشق إبان الاجتياح (غيتي)

جاء أبو عمار إلى تونس. كان يشعر بنوع من الغربة والتمزق نتيجة للضغوط التي كان يتعرض لها من إخوانه سواء أعضاء قيادة «فتح» أو القيادات الفلسطينية الأخرى. كان هناك من يحمل عليه ويقول له لقد هربت وابتعدت عن خطوط التماس، ولا يمكن أن تكون مناضلاً على بعد أربعة آلاف ميل، وإنك أصبحت في منفى بعيد. هذا كان يؤلمه كثيراً كما كان يؤلمنا ويزعجنا جميعاً. وكان عرفات يرد أن المسألة ليست مسألة جغرافيا وليست مسألة مسافة. أنا هنا ربما أملك قراري وأستطيع أن أفعل ما أريد، لكنني في دمشق لا أستطيع أن أملك قراري، وبالتالي لا قيمة لوجودي حتى ولو كنت على الحدود. وثبت لاحقاً أن هذا صحيح.

فكرة أخرى راودت أبو مازن قبل المحطة التونسية. كان فاروق القدومي (أبو اللطف) عضو قيادة «فتح» يستعد لزيارة اليونان. طرح عليه أبو مازن فكرة استئجار جزيرة يونانية بانتظار العثور على مقر آخر. إنها فكرة مجنونة وغير واقعية. عرض القدومي الفكرة على رئيس الوزراء اليوناني فلم يتقبلها بأي شكل من الأشكال.

الشاعر والقائد

في بداية التسعينات زار عرفات تشيكوسلوفاكيا التي سارعت إلى خلع ردائها السوفياتي، قبل أن تنشطر. أجرى محادثات مع الرئيس فاتسلاف هافل وكأنه يتدرب على العالم الجديد الذي ولد من انهيار جدار برلين وما تلاه. كان شهر رمضان. طرق مساعدون لعرفات على الأبواب ودعونا - كصحافيين مشاركين في تغطية الزيارة - لتناول السحور مع «الختيار».

عرفات متوسطاً أسامة الباز (يمين) ومحمود درويش في مؤتمر صحافي بالقاهرة عام 1989 (غيتي)

استوقفني في السحور حجم الود المتبادل بين محمود درويش وياسر عرفات. بين الشاعر والقائد. كان درويش يقشر الخيار ويقدمه للرئيس الفلسطيني الذي كان يحيطه بنظرات تعكس عمق العلاقات. عاش درويش الصيف اللبناني اللاهب. لم يغادر مع من غادروا لكن اجتياح القوات الإسرائيلية بيروت إثر اغتيال بشير الجميل ومجازر صبرا وشاتيلا وضعه على طريق منفى جديد في تونس ثم باريس.

سألت صديق الرمزين الفلسطينيين ياسر عبد ربه أمين السر السابق للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عن العلاقة بين الرجلين وتركته يروي.

محمود درويش كان الصوت العلماني الثقافي المتنور والواقعي والحالم للثورة الفلسطينية. كان بالنسبة إلى عرفات مثلما كان المتنبي لدى سيف الدولة مع الأخذ في الاعتبار اختلاف العصر بالتأكيد واختلاف نمط العلاقات بين القائد والشاعر أو السياسي والشاعر بين عصر وآخر. وإذا وضعنا مدائح المتنبي لسيف الدولة جانباً، بقية العلاقة قد تكون متشابهة ومتطابقة، لأن أهم الوثائق التي تؤرخ لنضال ياسر عرفات والثورة الفلسطينية المعاصرة وضعها محمود درويش، من الخطاب الأول لعرفات في الأمم المتحدة الذي أطل فيه على العالم بلغة جديدة قائلاً: «لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي».

كان محمود رقيقاً وناعماً في التعامل وكان يحب عرفات. كان يعرف نواقصه وأخطاءه. يعرفها بدقة وعمق. ومن يقرأ رسالة محمود إلى عرفات يرى بين السطور أنه لم يكتب مديحاً مجانياً له، إنما كان يحب فيه رمزيته، بمعنى أن محمود كان يرى أن عرفات قادر على تمثيل الرمز الفلسطيني في شكل متقدم جداً. ثم إنه كان معجباً ببراغماتية عرفات ودهائه السياسي وقدرته على التعاطي مع الأحداث. كان عرفات يسأل دائماً عن محمود إذا غاب مدة عنه. وكان محمود يتحمل دعوات عرفات إلى العشاء لأن عشاء عرفات كان متقشفاً ومن لون واحد ويفتقد أن يكون عشاء شهياً أو فيه الحد الأدنى مما يمكن تسميته شهياً.

كل المحطات الكفاحية الأكثر إضاءة لياسر عرفات سجلها محمود درويش. «مديح الظل العالي» هو ملحمة بيروت التي كان عرفات يعتبرها جوهرة التاج بالنسبة إليه والمأثرة الكبرى في حياته، مأثرة الصمود الملحمي الطويل الأمد في وجه القوة الإسرائيلية الغاشمة. في اعتقادي أن عرفات كان يشعر بأنه يدخل التاريخ المدون والمكتوب من خلال قلم درويش، لهذا كانت مكانة محمود عنده هائلة جداً.

قال عبد ربه إنه كان يطلع درويش على ما يجري في قناة التفاوض التي أدت إلى «اتفاق أوسلو» ويستمع إلى ملاحظاته. بعد الاتفاق حاورت درويش في تونس فأطلق عبارته الشهيرة: «أخاف النظر إلى الخريطة». وكان يقصد أن الجانب الفلسطيني اضطر إلى القبول ببعض الأرض. في موعد لاحق في باريس قال إن عرفات راهن على إعادة القضية إلى التراب الذي يمكن أن تبقى فيه حية بعد رحلة طويلة في المنافي، ولعله كان يراهن على عامل الوقت.

وسألت محسن إبراهيم عما إذا كان هناك خيط يربط بين خروج عرفات من بيروت وموافقته على «اتفاق أوسلو» فحكى. في بيروت خسرت منظمة التحرير آخر موقع لها على خط الاشتباك المباشر مع إسرائيل. يجب أن نضيف إلى ذلك تطورات كثيرة. الغزو العراقي للكويت وانعكاساته على أوضاع المنظمة وعلاقاتها وانهيار الاتحاد السوفياتي واختلال التوازن الدولي. يمكن أن نلتفت أيضاً إلى خوف عرفات من زحف المستوطنات التي راحت تلتهم الأراضي الفلسطينية وغياب إرادة دولية توقف هذا الاتجاه. ويجب ألا ننسى أن عرفات كان يحلم باستعادة أرض فلسطينية، وأن تقوم عليها نواة دولة مع علم وجواز سفر، أن يكون للفلسطينيين بيت على أرضهم. ولا تستبعد أن يكون حلمه أن يوارى في تراب فلسطين.

وعن خروج عرفات بحراً من بيروت، قال إن العلاقة بين عرفات وحافظ الأسد كانت صعبة دائماً وتتميز بشكوك متبادلة. كان الأسد يعتقد أن عرفات لا يقر لسوريا بالدور الأول في الموضوع الفلسطيني ويبحث عن فرصة لإبرام تسوية. وكان عرفات يعتقد أن الإمساك بالورقة الفلسطينية كان من أبرز الأسباب التي دعت سوريا إلى إدخال قواتها إلى لبنان بعدما ساهمت في زعزعة استقراره ليتحول وجودها العسكري فيه لحاجة ماسة. ولاحظ أن عرفات كان يشكل عائقاً أمام رغبة سوريا في الإمساك بالورقة الفلسطينية كما شكّل كمال جنبلاط ذات يوم عائقاً أمام إمساكها الكامل بالورقة اللبنانية.

 


مقالات ذات صلة

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

المشرق العربي دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

تحوّلت بنت جبيل والخيام إلى مركز الثقل في المشهد الميداني جنوب لبنان، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية على إيقاع مختلف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

كشف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري عن وجود مسعى أميركي لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

أعلنت الرئاسة الفرنسية الأحد أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

الخوف يدفع سكان جنوب لبنان إلى «نزوح معاكس»

لم تمض ساعات على سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله» والعودة السريعة لأبناء الجنوب اللبناني إلى قراهم، حتى برزت ظاهرة «النزوح المعاكس» من الجنوب نحو بيروت.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

عودة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ليل السبت إلى بيروت تفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد واشنطن للتجاوب مع رغبة الرئيس اللبناني جوزيف عون بتمديد الهدنة

محمد شقير (بيروت)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين بالضفة إلى النزوح

امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين بالضفة إلى النزوح

امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

قال خبراء قانونيون وفي مجال حقوق الإنسان إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون العنف القائم على النوع الاجتماعي والاعتداء والتحرش الجنسي، لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم في الضفة الغربية المحتلة.

وقد أبلغ رجال ونساء وأطفال فلسطينيون عن تعرضهم لاعتداءات جنسية، وإجبارهم على التعري، وتفتيش جسدي مهين ومؤلم، وقيام إسرائيليين بكشف أعضائهم التناسلية، بما في ذلك أمام قاصرين، وتهديدهم بالعنف الجنسي.

وسجل باحثون من تحالف حماية الضفة الغربية، 16 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو رقم يُرجح أنه أقل من الواقع بسبب العار والوصمة الاجتماعية التي يواجهها الناجون، حسبما أوردت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وقالت مجموعة المنظمات الإنسانية الدولية، في تقرير لها نشرته الوكالة النرويجية للاجئين: «يُستخدم العنف الجنسي للضغط على المجتمعات، والتأثير على قراراتهم بشأن البقاء في منازلهم وأراضيهم أو مغادرتها، وتغيير أنماط حياتهم اليومية».

تُفصّل دراسة بعنوان «العنف الجنسي والتهجير القسري في الضفة الغربية» روايات عن تصاعد الاعتداءات الجنسية والإذلال الذي يتعرض له الفلسطينيون في مجتمعاتهم وداخل منازلهم منذ عام 2023.

وتشمل أشكال العنف الأخرى المُبلّغ عنها التبول على الفلسطينيين، والتقاط صور مُهينة لأشخاص مُقيّدين وعارين ونشرها، وملاحقة النساء في أثناء استخدامهن المراحيض، والتهديد بالعنف الجنسي ضد النساء. وقد تمّ إخفاء هوية أصحاب الحالات في الدراسات بسبب وصمة العار المُحيطة بالعنف الجنسي.

امرأة فلسطينية في مسيرة بنابلس في الضفة الغربية المحتلة (إ.ب.أ)

ووفقاً للتقرير، فإنّ الاعتداءات الجنسية تُسرّع نزوح الفلسطينيين. وأشار التحالف إلى أنّ أكثر من ثلثي الأسر التي شملها الاستطلاع عدّت تصاعد العنف ضد النساء والأطفال، بما في ذلك التحرش الجنسي الذي يستهدف الفتيات، نقطة تحوّل في قرارها بالرحيل.

وذكر التقرير أنّ «المشاركين وصفوا التحرش الجنسي بأنه اللحظة التي تحوّل فيها الخوف من مُزمن إلى لا يُطاق. وتحدثوا عن مشاهدتهم النساء والفتيات وهنّ يُعانين الإذلال، وعن حساباتهم لما قد يحدث لاحقاً».

وأفاد التقرير بأن إحدى النساء تعرضت لتفتيش «داخلي» مؤلم على يد جنديتين دخلتا منزلها برفقة مستوطنين، ثم أمرتاها بخلع ملابسها لتفتيشها تفتيشاً دقيقاً. وذكر التقرير: «وصفت المرأة كيف أُمرت بفتح ساقيها بطريقة مؤلمة، كما وصفت كيف تعرضت لتعليقات مهينة ولمس مناطق حساسة من جسدها».

غطت متظاهرة وجهها بكوفية خلال مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني احتجاجاً على إقرار إسرائيل قانون عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين أول من أمس (أ.ف.ب)

وكان الرجال والفتيان أيضاً هدفاً للاعتداء والتحرش الجنسي. ففي الشهر الماضي، جرد مستوطنون إسرائيليون قصي أبو الكباش، البالغ من العمر 29 عاماً، من سكان قرية خربة حمصة شمال وادي الأردن، من ملابسه، وقيدوا أعضاءه التناسلية برباط بلاستيكي، وضربوه أمام أبناء قريته ونشطاء دوليين، حسب شهود عيان.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جرّد مستوطنون وجنود فلسطينيين من قرية وادي السيق من ملابسهم، وقيدوهم بالأصفاد، وضربوهم، وتبولوا عليهم، وحاولوا اغتصاب إحدى الفلسطينيات بمقبض مكنسة، والتقطوا صوراً لهم عراة ونشروها على الملأ.

كان للعنف والتحرش الجنسيين آثار وخيمة حتى في غياب التهجير القسري للمجتمعات، وتأثرت النساء والفتيات بشكل خاص. وللحد من احتمالية احتكاكهن بالإسرائيليين الذين قد يعتدون عليهن أو يتحرشون بهن، تركت الفتيات المدارس وتوقفت النساء عن العمل، وفقاً للتقرير.

كما أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات الزواج المبكر، حيث سعى الآباء بدافع اليأس لحماية بناتهم إلى إيجاد سبل لإبعادهن عن المخاطر. وقد رتبت ست عائلات على الأقل، ممن أُجريت معهم مقابلات لإعداد التقرير، حفلات زفاف لفتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عاماً.

كما وثّق مركز رام الله للمساعدة القانونية والاستشارات النسائية (WCLAC) استخدام العنف والتحرش الجنسيين ضد النساء والفتيات الفلسطينيات لتفتيت المجتمعات وتهجيرها.

أفاد مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي (WCLAC) بأن نساءً في الضفة الغربية المحتلة أبلغن عن تعرضهن لاعتداءات جنسية، بما في ذلك اغتصابهن في أثناء عمليات التفتيش، وإساءة معاملتهن، بما في ذلك قيام جنود إسرائيليين بالتعري أمام الفتيات عند نقاط التفتيش والتحرش بهن أثناء عمليات التفتيش. وأضافت أن الإذلال شمل السخرية من الفتيات في أثناء فترة الحيض.

وقالت رئيسة قسم الأراضي الفلسطينية المحتلة في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل، ميلينا أنصاري، إن تصاعد العنف والتحرش الجنسي في الضفة الغربية المحتلة يحدث في ظل ثقافة أوسع للإفلات من العقاب على الاعتداءات على الفلسطينيين.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على أسئلة الصحيفة البريطانية حول مزاعم الاعتداء الجنسي من قِبل جنوده.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مستوطن يدهس طفلاً فلسطينياً في الضفة الغربية

جنديان إسرائيليان خلال دورية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
جنديان إسرائيليان خلال دورية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
TT

مستوطن يدهس طفلاً فلسطينياً في الضفة الغربية

جنديان إسرائيليان خلال دورية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
جنديان إسرائيليان خلال دورية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

قتل طفل فلسطيني، اليوم (الثلاثاء)، بعد أن دعسه مستوطن أثناء توجهه إلى مدرسته شمال الخليل في جنوب الضفة الغربية.

وذكرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، أن «الطفل محمد مجدي الجعبري (16 عاماً) استشهد، صباح اليوم، بعد أن دعسه مستعمر، أثناء توجهه إلى مدرسته شمال الخليل».

ونقلت الوكالة عن مصادر أمنية قولها إنه «في نحو الساعة السادسة صباحاً، وبينما كان الجعبري يقود دراجته الهوائية في طريقه إلى مدرسته، دعسه مستعمر كان يقود مركبة تتبع لطاقم الحماية الخاص بأحد وزراء حكومة الاحتلال، المقيمين في مستعمرة بمنطقة الخليل، وذلك على طريق التفافي مؤدٍ إلى مستعمرة كريات أربع، عند مفترق بيت عينون قرب الخليل، ما أدى إلى استشهاده على الفور».

وعلى صعيد آخر، أشارت مصادر طبية لـ«وفا» إلى «استشهاد الطفل عبد الله دواس، اليوم، متأثراً بجروح كان قد أصيب بها قبل أيام برصاص قوات الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا شمال قطاع غزة». وقالت المصادر إن «الطفل دواس فارق الحياة في أحد المستشفيات، متأثراً بإصابته البالغة التي تعرض لها خلال اعتداءات الاحتلال في المخيم».


مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)
TT

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

قال مسؤولون في قطاع الصحة الفلسطيني إن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن خمسة فلسطينيين في وقائع منفصلة في قطاع غزة أمس الاثنين، في حين قال شهود لوكالة «رويترز» للأنباء إن مقاتلين من حركة «حماس» اشتبكوا مع أفراد جماعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

وقال مسعفون إن رجلا قتل في غارة جوية إسرائيلية على مخيم البريج في وسط القطاع الفلسطيني، في حين أسفرت غارة أخرى عن مقتل شخص وإصابة آخرين في مدينة غزة.

وفي وقت لاحق أمس (الاثنين)، قال مسؤولون من قطاع الصحة في مستشفى ناصر إن غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص في غرب خان يونس جنوب غزة.

ومقتل الخمسة هو أحدث أعمال العنف التي تلقي بظلالها على اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بعد حرب شاملة بين إسرائيل و«حماس» استمرت عامين. وتوقف إحراز تقدم في تنفيذ أجزاء من الاتفاق تشمل نزع سلاح «حماس»، وانسحاب الجيش الإسرائيلي. ولم يعلق الجيش الإسرائيلي بعد على أي من الوقائع.

وأدى وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر إلى استمرار سيطرة القوات الإسرائيلية على منطقة خالية من السكان تشكل أكثر من نصف قطاع غزة، في حين تسيطر «حماس» على الشريط الساحلي الضيق المتبقي.

ويقول مسعفون في قطاع غزة إن أكثر من 750 فلسطينياً قتلوا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في حين تقول إسرائيل إن مسلحين قتلوا أربعة من جنودها. وتتبادل إسرائيل و«حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

وتقول إسرائيل إنها تهدف إلى إحباط هجمات «حماس» والجماعات المسلحة الأخرى.

توغل «جماعات مسلحة»

أفاد سكان ومصادر مقربة من حركة «حماس» بأن أعضاء جماعة مسلحة مدعومة من إسرائيل تنفذ عمليات في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية اشتبكوا مع مقاتلين فلسطينيين بعد توغلهم إلى منطقة تديرها «حماس» شرقي خان يونس.

وقال بعض السكان ومصدر من الحركة إن مقاتلاً من «حماس» ألقى قنبلة مضادة للدبابات على مركبتهم في أثناء محاولة أفراد الجماعة المسلحة الانسحاب. وسمع دوي انفجار، لكن لم ترد أنباء عن سقوط قتلى أو جرحى.

وأظهر مقطع فيديو مسلحين من الجماعة المسلحة فيما يبدو يرتدون زيا أسود ويحملون بنادق هجومية من طراز (إيه كيه) وهم يصلون إلى منطقة تديرها «حماس» في شرق خان يونس قبل سماع دوي إطلاق النار.

وفي مقطع فيديو قال حسام الأسطل، زعيم الجماعة المسلحة التي عبر أفرادها إلى الأراضي التي تسيطر عليها «حماس»، إنهم كانوا في مهمة لتوزيع الطعام والسجائر على سكان خان يونس قبل أن يفتح مقاتلو «حماس» النار عليهم. وذكر الأسطل أن أحد رجاله قتل، وهدد «حماس»، التي تصف الجماعات المشابهة لجماعته بأنها متواطئة مع إسرائيل، بمزيد من التوغلات للسيطرة على أراضٍ.

وقال مسؤول أمني في «حماس» إن المقاتلين واجهوا مسلحي الأسطل بعد أن اقتحموا مناطق مدنية شرقي خان يونس، مما عرض حياة النازحين للخطر.

وأدى ظهور هذه الجماعات، على الرغم من أنها لا تزال صغيرة وتنتشر في مناطق بعينها، إلى زيادة الضغوط على «حماس»، وقد يعقد الجهود الرامية إلى استقرار قطاع غزة المنقسم وتوحيده.

ولا تحظى هذه الجماعات بقبول شعبي، لأنها تعمل تحت سيطرة إسرائيل.