محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟
TT

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش... لِمَ لم تُطِل وقتَ زينتك؟

محمود درويش ظاهرة شعرية فريدة لا يمكن تفسير مسالكها وسُبُلها ببساطة. ومحمود درويش هو أبهى ما أعطت فلسطين من شعراء، وهو، فوق ذلك، شوط خاص في سلسلة طويلة من الشعراء الألمعيين من عيار عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وإبراهيم طوقان وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد وراشد حسين وتوفيق زيّاد وحنا أبو حنا ومعين بسيسو وعز الدين المناصرة وغيرهم. واللافت أن الفلسطينيين لم يُجمعوا، طوال تاريخهم المعاصر، على أي أمر أو شأن أو فكرة أو زعيم مثلما أجمعوا على محمود درويش؛ فقد شغفوا به وافتنّوا بشعره فتوّجوه ملكاً على ذائقتهم ووضعوا في كفيه «أحد عشر كوكباً». وهكذا تحوّل محمود درويش قديساً للفلسطينيين، فقدّم لهم الأمل، وأنبأهم أن في إمكانهم أن ينتصروا على المنفى، وأن هناك ما يستحق الحياة على هذه الأرض. فأعاد ترميم جروحهم، وقال لهم إنكم لستم «عابرين في كلام عابر».

محمود درويش شاعر فلسطيني بالمعنى الجغرافي، أي بهوية المكان والولادة. لكنه شاعر القلق، والحائر والباحث عن يقين بالمعنى الوجودي. شعره يخاطب الكوني لا اليومي، ولا سيما حين غادر مرحلة البدايات العاصفة، وذهب إلى الوجود، ومعنى الوجود والموت والاغتراب. وفي هذا الترحل تمكَّن محمود درويش من تحويل قضية فلسطين من قضية سياسية مباشرة إلى مصاف القضايا الإنسانية الكبرى، وحوّل أغاني اللجوء ومواويل المنفى إلى ملحمة مدهشة للعودة المؤجلة. وفي هذه المكابدة صار شعره تحدياً إبداعياً لجميع الشعراء الذين عاصروه أو الذين جاءوا بعده.

ما سِرّه إذن؟

سِرّه أنه صنع في هذا الخلاء العربي أملاً، وزرع في هذا السديم منارة، وأبدع في هذا العماء وعوداً خلابة، فصارت قصائده شراعنا ومنائرنا وتاريخنا المكلوم وحاضرنا الراعب. ومع ذلك لم يكتشف كثير من الفلسطينيين أن نبياً للتيه كان بينهم ولم يعرفوه.

الشعر الصافي وتجارب الزمنقصائده مُشبعة بجماليات الإيقاع، وما انفك في جميع مراحله باحثاً عن أفق جديد لقصيدته، فلم يكن ليطمئن قط إلى أي إنجاز شعري له، لذلك كان كل ديوان جديد يمثل ذروة جديدة في مسيرته الشعرية المتواصلة. وفي غمار تلك المسيرة كانت متناقضاته الشعرية تحمل التوتر إليه في سعيه إلى الاكتشاف، وظهر ذلك في نزوعه الميتافيزيقي إلى التأمل خصوصاً بعد اختبار الموت. وكم حيّرته رحلة المتصوف الكامنة فيه مع اندفاعه الأيروسي، فأضرمت حرائقه الابداعية، واضطرم هو نفسه في ثنائيات متعاكسة كالحب والموت، الوطن والمنفى، الألم والابتسام، الجمال والكآبة، التيه والأمل، المدائن والمنافي، الحيرة واليقين، الحياة واللانهاية. تلك هي العناصر التي أشعلت في شعره عالماً من الألحان الكونية، وباتت قصائده مثل ضوع البخور الهندي في معبد منعزل عند أقاصي الأرض، أو مثل شميم المسك الجاوي في احتفال وثني في العراء.

تجربته الشعرية تمتد على أربع مراحل إذا نظرنا إليها في مسارها الزمني: ما قبل الخروج من فلسطين في سنة 1970، وفيها كتب: «عصافير بلا أجنحة»، «أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «يوميات جرح فلسطيني»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «العصافير تموت في الجليل»، «كتابة على ضوء بندقية». ثم ما قبل الخروج من بيروت في سنة 1982 وفيها كتب: «أحبك أو لا أحبك»، «محاولة رقم 7»، «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق»، «أحمد الزعتر»، «دورة الحزن واكتمال الجرح»، «أعراس»، «حصار لمدائن البحر»، «الكتاب الشجر الليل»، «مأساة النرجس ملهاة الفضة». ثم ما قبل الخروج من الموت في سنة 1998 وفيها كتب: «مديح الظل العالي»، «ورد أقل»، «أرى ما أريد»، «أحد عشر كوكباً»، «لماذا تركت الحصان وحيداً»، «هي أغنية هي أغنية». وآخر المراحل هي مرحلة ما قبل الخروج من الحياة في سنة 2008 وفيها أبدع أبهى دواوينه وهي: «سرير الغريبة»، «جدارية محمود درويش»، «حالة حصار»، «لا تعتذر عما فعلت»، «كزهر اللوز أو أبعد»، «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي».السياسي اللامع

كان محمود درويش ذا حدس سياسي ثاقب، وكانت له رؤية سياسية بارعة، وإن لم يُعرف عنه هذا الضرب من التفكير، على الرغم من أنه شارك في صوغ خطبة ياسر عرفات في الأمم المتحدة في سنة 1974، وعبارة «لا تُسقطوا غصن الزيتون من يدي» مسجلة ليراعه وحده. وهو الذي كتب إعلان الاستقلال الفلسطيني في سنة 1988، وخطبة ياسر عرفات التي ألقاها في حفل تسلمه جائزة نوبل للسلام في عام 1994، وخطبة عرفات أمام اليونيسكو في سنة 1996. وفي عام 1988، أي في معمعان الانتفاضة الأولى، نشر مقالة في جريدة «لوموند» عنوانها «سؤال إلى الضمير اليهودي»، جاء فيها: «لقد آن الأوان لنعلن من دون أن نخشى الاتهام أو الابتزاز أن شرف يهود العالم كلهم ملطخ بوحل الاحتلال الإسرائيلي، وبدم ضحاياه الفلسطينيين ما لم يعلنوا القطيعة مع هذا الاحتلال»، فقامت عليه قوائم المنظمات الصهيونية وحوافرها، ورُفعت ضده دعوى قضائية أمام المحاكم الفرنسية بتهمة إثارة الكراهية ضد اليهود. لكن محكمة الاستئناف في باريس أصدرت في 17/3/1990 حكماً بالبراءة.

مَن عرف محمود درويش من قرب أدرك أنه كان سياسياً خارق الذكاء. ففي إحدى المرات كان محمود في بيروت، واتصل بي المستشار الثقافي الإيراني وأبدى رغبته في مقابلة لأمر ثقافي مهم. ونقلتُ هذه الرغبة إليه فأبدى استعداده لاستقباله، وجرى اللقاء في فندف «كافالييه» حيث ينزل محمود درويش، وكنتُ إلى جانبه في ذلك اللقاء. وكانت الغاية دعوة محمود درويش إلى زيارة إيران. ورحب محمود بالدعوة بعد أن قدم مطالعة مدهشة في الآداب الفارسية وأثرها في الأدب العربي، وأبدى استعداده لتلبيتها، لكنه قال إنه مضطر إلى مغادرة بيروت غداً إلى عمان، وهو غير قادر الآن على تحديد الموعد الملائم للزيارة. فقال له المستشار الثقافي الإيراني: هل ثمة مانع في أن يتابع موضوع الزيارة المستشار الثقافي الإيراني في عمان، فأجابه محمود: لا مانع إطلاقاً. وهكذا اتفقا على ذلك الترتيب. وبعد خروج المستشار ومَن معه رحتُ أحبّب الزيارة لمحمود درويش، خصوصاً أنني زرت إيران مرات عدة، وأخبرته أن دواوينه مترجمة إلى الفارسية، وأن عرب إيران يعشقون شعره. فإذا بمحمود ينظر إليّ بدهشة ويقول لي: وهل تعتقد أنني سأزور إيران حقاً؟ ودُهشت بدوري وقلت له: لكنك وعدته بتلبية الزيارة؟ فقال لي باسماً: يا صقر، عليك التفكير بطريقة سياسية محسوبة. إيران تهاجم ياسر عرفات في هذه الأيام ولا تتوقف عن مهاجمته، وهم سيستغلون زيارتي للنكاية بياسر عرفات، فهل أفعل؟ لا يمكنني أن ألعب مثل هذه الألاعيب. بالطبع أود زيارة إيران لكن ليس في هذه الأحوال. وهنا جحظت عيناي وقلت له: ولكن ماذا ستفعل حين سيتصل بك المستشار في عمان؟ فأجابني: سمعنا منهم كلاماً جميلاً وأجبناهم بكلام جميل، وهذا يكفي. وأنا سأغادر حقاً إلى عمان ثم منها إلى رام الله ثم إلى تونس فباريس... ليلحقوني إذن!. هكذا هو محمود درويش السياسي الحصيف، أما قصائده فكانت، تدعونا دوماً إلى الاحتفال بانتصار الشعر على السياسة، أي إلى إزاحة القبح من درب الجمال، وإلى زحزحة الواقع ولو قليلاً أمام الحلم.

معايشة الموت

قبل خمس عشرة سنة طوى محمود درويش آخر أوراقه، وأدار لنا ظهره، ومضى إلى حيث «رأى ما لا يريد». لم يتحرر من منفاه البتة، ولم يشعر أنه في وطنه حتى حين عاد إلى رام الله. في البدايات كان «مقيماً» في وطنه من دون «مواطنة»، أي بلا جواز سفر. وحين أمسى خارج بلاده ظل يحمل وطنه في منفاه. وبعد عودته صار يحمل المنفى في وطنه. قبل الموت كان خائفاً وَجِلاً من أن تُثقب شرايينه في أي لحظة. ومع ذلك عاش مثل قصبة ثقبتها الريح فصار ناياً شجيّاً.

كان شجاعاً لكن بقلب راعش. غير أنه زهق من معايشة الموت والنوم معه في سرير واحد فصرخ: وداعاً لشعر الألم، ثم رمى زهر النرد من يده ومضى إلى إغفاءته الأخيرة بعيداً عن خبز أمه. ولو كان بيننا الآن لاحتفلنا بميلاده الثاني والثمانين، لكنه مضى كقصيدة أخيرة من دون أن ينظر خلفه، لأنه لو التفت قليلاً إلى الوراء ما كان ليرى غير مناديل تلوّح له بلوعة، وحناجر تصيح به: لمَ لم تُطِل وقتَ زينتك أيها الشاعر البهي؟

* كاتب لبناني


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه الدكتور فضلي زون في جاكرتا الاثنين (وزارة الثقافة السعودية)

السعودية وإندونيسيا لرفع مستوى التعاون الثقافي

أعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، عن اعتزازه بالروابط المتينة التي تجمع بلاده وإندونيسيا، والتعاون القائم بينهما في المجالات الثقافية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.