عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

جهد شارك في جمع مادته فريق من الباحثين المساعدين والمصورين

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر
TT

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة.
ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية. فاز تصميم الشاهد لجناح مصر في بينالي لندن عام 2018 بجائزة البينالي الأولى، كما فار بجائزة الدولة التشجيعية عام 2021 عن كتابه الصادر بالإنجليزية عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة «القاهرة منذ 1900... دليل معماري CAIRO SINCE 1900 AN ARCHITECTURAL».
الكتاب جهد بحثي كبير شارك في جمع مادته فريق الباحثين المساعدين والمصورين يزيد على العشرين شخصاً يشكرهم المؤلف في مقدمته، وقد ساهموا في اختيار النماذج المعمارية التي تضمنها الكتاب لتمثيل مختلف أحياء القاهرة وقاموا بتصويرها والبحث عن وثائقها، في ظل الإهمال وضعف التوثيق المزمن، وصعوبة التصوير المستحدثة أمنيّاً.
قدمت للكتاب الدكتورة مرسيدس فيوليت، التي تتذكر دهشتها عندما سمعت لأول مرة عام 1984 بمجلة العمارة، وبدأت تتصفح أعدادها في دار الكتب. كانت المجلة الأولى في مجالها، التي تصدر باللغة العربية عام 1939، وقدمت نافذة استثنائية لأعمال المعماريين المصريين، وعززت مقترحاتهم العربية والمصرية عندما كانوا في قلب دوائر الحداثة الدولية، وتأسف لأن طلاب كليات الهندسة الكثيرة في مصر لم يسمعوا بوجود تلك المجلة ذات يوم. وتصف كتاب الشاهد بأنه «إعادة بناء قصة الحداثة المعمارية المفقودة في القاهرة». وتلاحظ أن عمارة الخمسينات والستينات أقرب إلى قلب المؤلف من أمثلة أوائل القرن العشرين، لكنه غطى باختياراته عمارة القاهرة على مدار القرن، دون أن يحاول إجبار المدينة على اعتناق عقيدة العمارة الطليعية.
من جانبه، اعتبر الشاهد القاهرة مدينة ملهمة ومقلقة له شخصيّاً، ويقول في مقدمته إنه أقدم على البدء في تأليف الكتاب الذي نشر عام 2020. في فترة عصيبة عليه شخصيّاً، حيث فقد والديه بفارق بضعة أشهر بينهما، في وقت عصيب على القاهرة ذاتها حيث تتخلص بسرعة من طبقات العمارة والعمران، التي بناها وسكنها جيل والديه، آملاً أن ينجح الكتاب في إلهام السكان والزوار نظرة مختلفة إلى عمارة القاهرة الحديثة التي صنعت شخصيتها.
الأثر العاطفي لرحيل الوالدين لم يجعل من دليل القاهرة كتاباً عاطفياً دافعه الفقد والحنين، بل كتاباً معرفياً توثيقيّاً يعيد بناء قصة من المجد المعماري لأكبر مدن الشرق الأوسط، ولم تكن عمارتها منفصلة عن عمارة العالم من الهند إلى البرازيل، ولم تكن منعزلة عن الأحداث العالمية الكبرى، مثل الحربين العالميتين، وإن اختلف تأثيرهما على القاهرة عن الأثر الذي تركتاه على مدن تعرضت للتدمير الكامل، وأتاحت للمعماريين حرية إعادة بنائها بالكامل.
يلتزم الكتاب بتغطية المائة عام الأخيرة، ويقدم صوراً وتحليلات لنماذج من العمارة تُمثل دليلاً على حقبتها التاريخية ومكانها، حيث يتتبع الكتاب أحياء القاهرة من الفاطمية إلى الخديوية الحديثة ومن برجوازية مصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتي إلى حي إمبابة الشعبي ومدينة نصر.
يُنبه الشاهد: «لا ينبغي الاستخفاف بعبء اختيار 226 مبنى لتمثيل ما يقرب من 120 عاماً من التطورات المعمارية في واحدة من أكبر مدن العالم وأكثرها كثافة حضرية». يؤكد أن كتابه - دليله لم يسعَ إلى تقديم مسح شامل، بل إبراز عينات تمثيلية من جميع أنحاء المدينة، لذلك فالمباني المدرجة بالكتاب ليست بالضرورة من الروائع، بعكس ما جرت عليه العادة في اختيار المباني بمثل هذه الأدلة، كما يأخذ على المؤرخين والمرشدين السياحيين أنهم يرسخون بشكل تعسفي القيمة التراثية لهذا المبنى أو ذاك.
ويشير إلى خطورة قانون التراث المعمول به إلى اليوم، إذ لا يعتبر المبنى أثراً إلا عندما يتجاوز عمره المائة عام. هذا الارتكان إلى العمر ليس ظالماً لمبانٍ ذات قيمة لم تبلغ المائة فحسب، بل يجده المؤلف مدمراً كذلك، حيث يمكن فهم التوقيت باعتباره موعداً نهائيّاً للملاك لإتلاف منشآتهم السليمة.
في مقابل ذلك، لا يحقق إدراج المبنى في قائمة التراث أي نفع مادي للملاك، لهذا يعمل الكثير منهم على تسريع انهيار مبانيهم القديمة عمداً قبل أن تكمل المائة عام، سواء بتركها لتتآكل بفعل تسرب المياه أو حقن هياكلها الخرسانية بالأحماض لتفتيتها، وقد أدى ذلك إلى نشوء نشاط تجاري قائم على هذا الإتلاف واستخراج تصاريح الهدم.
كما يشير المؤلف إلى ثغرة إجرائية مهمة، فالتصريح بالهدم بيد السلطات المحلية سريعة الحركة، بينما يتم تسجيل الآثار مركزياً على المستوى الوطني ويشوبه البطء البيروقراطي، الذي لا يستطيع ملاحقة التلاعب.
ويبدو حضور تقاليد العمارة وغناها وحيوية المجتمع المعماري خطاً بيانياً صاعداً من بداية القرن حتى الستينات، وبعد ذلك بدت تقاليد العمارة وكأنها تبخرت!
يشترك في صنع قصة المجد في العمارة القاهرية مهندسون من أحفاد المهاجرين السوريين واللبنانيين، ويهود أوروبا الشرقية، وإيطاليون، وفرنسيون، بالإضافة إلى أبناء البلد الذين سافروا إلى ليفربول وإلينوي وروتردام وزيوريخ وروما لإكمال تعليمهم، وشاركوا بنشاط ضمن الثقافات المعمارية في تلك المناطق ثم عادوا بخبراتهم إلى القاهرة، فلم يكونوا مجرد وكلاء لاستيراد الطرز المعمارية. وبحلول الثلاثينات كانت جامعة القاهرة توفر تعليماً معمارياً بالغ التميز.
نادراً ما كان العمل الذي ينتجه المصريون ملتزماً بأسلوب معماري نقي. كان المهندس الواحد قادراً على الانتقال بمرونة بين الخطوط الفنية والأساليب. وقد عكس هذا المزج مكانة مصر في شرق البحر الأبيض المتوسط كمفترق طرق، جعل منها إسفنجة تمتص النفوذ وتجدده بأشكال جديدة.
ينوه الشاهد بأن الحالة المعمارية الحالية للمباني المختارة في الكتاب هي نتاج سنوات عديدة من الرعاية أو الإهمال، والصيانة للأصل أو التعديلات المقحمة التي تصل أحياناً إلى حد إخفاء الطراز الأصلي للمبنى، مثل تغيير المساحات الداخلية وطمس الطراز من خلال إجراءات مثل تلبيس الأعمدة لإخفاء التيجان الكورنثية من أجل إضفاء طابع حداثة على المبنى، أو بإضافة زخارف على الواجهة كما حدث في تجديد مبنى نادي السيارات.
بالنسبة للقاهريين فإن الاحتياجات الوظيفية وتحولاتها تتقدم قدسية التصميم، لهذا تستمر تحولات العمارة، وكان من الضروري بذل جهد مضاعف لفرز طبقات تغييراتها للوصول إلى إعادة هيكلة المبنى ذهنياً، وصولاً إلى السردية التي قدَّمها الكتاب.
دخل التطوير العقاري القرن العشرين مزدهراً حتى عام 1907. وظهرت عمارة تستعير خطوط العمارة الأوروبية كالروكوكو والكلاسيكية الجديدة وغيرها، بالإضافة إلى خطوط العمارة الإسلامية الحديثة «الفاطمي الجديد» كمبنى وزارة الأوقاف بوسط القاهرة (1898 - 1929 تصميم صابر صبري ومحمود فهمي). وبعد الحرب العالمية الأولى جاءت ثورة 1919 الشعبية فظهرت سمات تناسب طبقة تشكلت في تلك الثورة وتريد إبراز مفاهيم جديدة للطبقة والهوية والحداثة في مساكنها، وفي المنشآت العامة ذهب معماريون إلى ما قبل العمارة الإسلامية وبرز اسم مصطفى فهمي بمحاولاته الصريحة لإحياء أصول العمارة الفرعونية مع تجديد الخامات، مثال ذلك ضريح سعد زغلول (1931) ومحطة قطار الجيزة (نحو 1932) واستراحة الملك فاروق بالهرم عام 1937.
وسيتمثل أثر الحربين العالميتين على عمارة القاهرة في إبعاد وتجميد أموال المهندسين المنتمين لأعداء الإنجليز؛ رعايا الإمبراطورية النمساوية المجرية في الحرب الأولى، والإيطاليون في الثانية.
وقد شهدت الفترة بين الثلاثينات والخمسينات ازدهاراً كبيراً، وبرزت فيها أسماء عملاقة مثل سيد كريم، الذي أصدر مجلة العمارة، وظل فاعلاً حتى أواخر الخمسينات بتخطيط مدينة نصر، التي أصدر عبد الناصر قراراً بإنشائها، لكن النظام الناصري هو الذي سيضع النهاية المهنية لسيد كريم بعد ذلك بسنوات قليلة.
بلغ عدد المهندسين المدربين في قاهرة الستينات، ثمانية عشر ألف مهندس معماري، معظمهم يمارسون العمل كجزء من جهاز الدولة التنموي وليس بأسمائهم كأعلام. وبعد ذلك سيبدو الوضع كأن هذه المدينة لم تعرف التقاليد المعمارية مطلقاً، وكأن المهندسين المصريين الذين كانوا معروفين في العالم ولهم بصماتهم في مدن المنطقة العربية قد تبخروا في الهواء، ورغم وجود ميراثهم المعماري في المدينة فإنه مغيب عن الصورة تماماً. ومنذ ذلك الحين يتعرض التراث المعماري للمدينة لخسائر كبيرة، وخاصة الإنشاءات الحديثة، التي يُنظر إليها على أنها تمتلك القليل من القيمة الثقافية، مقابل محو العديد من المباني دون توثيق.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق «تقنيات الكتابة الروائية»

«تقنيات الكتابة الروائية»

صدر حديثاً عن «دار كنعان» كتاب «تقنيات الكتابة الروائية»، من إعداد الناقد الأميركي أبراهام شاول بوراك. نقلته إلى العربية إيفا شاهين، وصمم غلافه باسم صباغ. يقدم الكتاب، وفقاً للناشر: «نهوجاً مختلفة في كتابة الرواية لدى أربعين روائياً ناجحاً، جمعيهم يبرهنون أنه لا يوجد نهج واحد لكتابة الرواية. ففي الحقيقة، كل روائي من هؤلاء يستخدم تقنية مختلفة. بعضهم يبدأ روايته بشخصية أو مكان، فيما يميل بعض آخر إلى بدئها بحبكة، أو موضوع، بينما يقدّم آخرون موجزاً عاماً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».