كنغسولفر تكيف رواية ديكنز مع مكانها وزمانها في «ديمون كوبرهيد»

كتبت روايتها الجديدة في «المنزل الكئيب» الذي أكمل فيه «ديفيد كوبرفيلد»

باربرا كنغسولفر
باربرا كنغسولفر
TT

كنغسولفر تكيف رواية ديكنز مع مكانها وزمانها في «ديمون كوبرهيد»

باربرا كنغسولفر
باربرا كنغسولفر

- تعالج رواية كنغسولفر ثيمات الفقر والبطالة واستغلال الأطفال في بيوت الحضانة والأطفال
في يوم أخمن أنه في أحد الشهرين الأخيرين من 2018، وفي أثناء جولتها لترويج روايتها «بلا مأوى، 2018» في إنجلترا، تدخل الروائية الأميركية باربرا كنغسولفر، بصحبة زوجها، قصر «المنزل الكئيب» - فندق بسرير وإفطار يقع فوق الجرف المطل على مدينة برودستيرز وخليج الفايكنغ في مقاطعة كنت، يعود تاريخ بنائه إلى 1801. كان في الأصل منزلاً لقائد الحصن المحلي إبان الحروب النابوليونية، ويسمى «فورت هاوس». في هذا النزل كتب الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز جزءاً كبيراً من روايته «ديفيد كوبرفيلد، 1850»، وألهمه فكرة روايته «المنزل الكئيب، 1853». كان ديكنز قد استأجر «فورت هاوس» من 1837 إلى 1859 ليقيم فيه مع أسرته. بعد وفاته في 1870 غُيِّرَ اسم النزل إلى «المنزل الكئيب» تكريماً وتخليداً لذكرى الروائي الإنجليزي الكبير.
اكتشاف كنغسولفر لارتباط المكان بديكنز وبروايته «ديفيد كوبرفيلد»، على نحو خاص، هو ما دفعها وزوجها إلى الإقامة فيه، حسب ما ذكرت في بعض حواراتها الصحافية والمتلفزة. وكانا النزيلين الوحيدين أثناء إقامتهما فيه. هناك، وخصوصاً في المكتب الذي أكمل فيه ديكنز روايته «ديفيد كوبرفيلد»، قضت كنغسولفر الليلة الأولى تفكيراً واشتغالاً على مشروع روايتها الجديدة «ديمون كوبرهيد» التي صدرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. كان ديكنز إلى جانبها، كما تقول، طوال الوقت وخلال السنوات التي استغرقتها الكتابة.

تتعدد ماهية وطبيعة علاقة راوية كنغسولفر برواية ديكنز في أحاديث وحوارات الروائية، فمرة تصفها بأنها ترجمة معاصرة لـ«ديفيد كوبرفيلد»، أو تشير إلى أنها مبنية على هيكل روايته، أو أنها تكييف وملاءمة لشكل روايته مع مكانها وزمانها، كما تقول في بداية صفحة العرفان – الامتنان، التي أرفقتها في نهاية الرواية: «إنني ممتنة لتشارلز ديكنز لتأليفه (ديفيد كوبرفيلد)، ونقده المتقد للفقر المؤسساتي وآثاره المدمرة على الأطفال في مجتمعه. هذه المشكلات لا تزال معنا. في تكييف روايته مع مكاني وزماني، ومع العمل لسنوات، مع غضبه وإبداعه وتعاطفه بجانبي، صرت أفكر فيه كصديقي العبقري».
بالإمكان وصف علاقة «ديمون كوبرهيد» برواية ديكنز بأنها علاقة تكييف وملاءمة أو ترجمة أو محاكاة أو استلهام أو استيحاء، أو بأنها كل هذه الأشياء والعلاقات مجتمعة في نص واحد. رواية كنغسولفر نص لا يضمر تعالقاته التناصية مع رواية ديكنز كنص سابق رئيسي، أو هو إعادة كتابة لها. إنه نص سردي ما بعد حداثي تتمثل فيه، على نحو واضح، فحوى ما يقوله غراهام أَلِن في «التناص، 2000»: «لم يعد ممكناً في عصر ما بعد الحداثة... الحديث عن الأصالة أو تفرد العمل الفني، سواء أكان لوحة أم رواية، لأن كل عمل فني هو تجميع من أجزاء وقطع من الفن الموجود بالفعل». والمؤلفون، حسب قوله: «لا يختارون الكلمات من نظام لغة فقط، بل يختارون الحبكات والملامح الأجناسية والشخصيات والصور وأساليب السرد حتى العبارات والجمل من النصوص الأدبية السابقة ومن الموروث الأدبي». تُذَكِّرُ رواية كنغسولفر، مع أخذ الاختلافات بعين الاعتبار، برواية مواطنها مايكل كننغهام «الساعات» بعلاقاتها وتعالقاتها التناصية مع رواية فرجيينا وولف «السيدة دالوي»، وبرواية جون ماكسويل كوتزي «فو-Foe» كإعادة كتابة لرواية دانيال ديفو «روبنسون كروزو»، على سبيل المثال.

تطلب بناء «ديمون كوبرهيد» على هيكل رواية ديكنز، خلق عدد من التوازيات والتناظرات بين النص السابق والنص اللاحق، وعلى أكثر من مستوى وناحية. فمن ناحية النوع والشكل، «ديمون كوبرهيد» هي سيرة ديمون كوبرهيد الذاتية، أي أنها »Bildungsroman» سرد لقصة حياته من الطفولة إلى سن الرشد، يسردها ديمون نفسه بضمير المتكلم؛ وهي في الوقت نفسه، ومن زاوية أخرى، »Kunstlerroman »صورة للفنان في شبابة كما هي رواية ديكنز «ديفيد كوبرفيلد». سأتناول هذه الثنائية الشكلية والنوعية لاحقاً.
وثمة توازيات أخرى بين أسماء ووظائف بعض الشخصيات في الروايتين. والتوازي الآخر الذي يضاهي في الأهمية التناظر الشكلي والأجناسي بين الروايتين يتجسد في الجانب الثيمي - الموضوعاتي، أو البعد «الديكنزي» الذي يشمل الجانب الموضوعاتي والموقف منه.
«ديمون كوبرهيد» سيرة الشخصية المركزية دامون فيلدز، الملقب بديمون كوبرهيد بسبب لون شعره النحاسي، تركز على سيرورة نمو وعيه ونضجه النفسي والأخلاقي خلال السنوات التكوينية إلى بلوغه سن النضج والرشد. يرافق خلالها القارئ ديمون كوبرهيد، وهو يروي قصة حياته منذ اللحظات الأولى بعد مولده إلى النهاية، وهي بداية رحلته إلى المحيط برفقة الفتاة آنغوس وينفيلد. ينظر ديمون من الحاضر، زمن السرد، إلى الماضي، زمن الحدث. يمتزج في سرده التأمل والنقد والاحتجاج على ظروف وأوضاع الفقر والمعاملة السيئة والاستغلال التي يعيشها الأطفال غير المحظوظين أمثاله؛ اليتامى أو من آباؤهم في غياهب السجون أو في مراكز إعادة التأهيل للتعافي من الإدمان، خصوصاً بسبب ما يعرف بوباء المواد الأفيونية الذي انتشر في إقليم أبالاتشيا في التسعينات من القرن العشرين، زمن أحداث الرواية.
وُلِدَ ديمون لأم مراهقة ومدمنة، أغمي عليها أثناء ولادته، وخرج من رحمها وهو لمّا يزل في الكيس، يحاول لكم الكيس ليخرج منه، «مثل ملاكم أزرق صغير» كما تقول جارتهما السيدة بيغوت التي أنقذته وأمه باستدعاء سيارة الإسعاف. ويتذكر ديمون كلام السيدة بيغوت بأن خروجه وهو لا يزال في الكيس «وعد من الرب بأنه لن يغرق». ديمون لم يغرق في الماء، ولكنه غرق في ماء الإدمان، فالطفل الذي يولد لأم مدمنة هو مدمن. هكذا يعلق ديمون في لحظة السرد على ما حدث له ولغالبية أترابه وزملائه في بيوت الرعاية.
باستثناء سنوات الطفولة السعيدة المبكرة التي قضاها مع صديقه مات بيغوت «ماغوت»، والفترة التي عاشها في رعاية السيد وينفيلد مدرب كرة القدم في المدرسة الثانوية، كانت حياة ديمون انتقالات من أسرة حاضنة إلى أخرى، سواء بسبب دخول أمه المتكرر في مركز إعادة التأهيل والعلاج من الإدمان أو بعد وفاتها بجرعة زائدة من الـ«Oxycodone-OxyContin» مخدر الألم القوي المسبب للإدمان، هو ذاته السبب في إدمان ديمون بعد أن وصفه الطبيب له بعد تعرضه لإصابة في ركبته أثناء مباراة لكرة القدم.
تنتهي الرواية، وقد تعافى ديمون وتطهر من إدمانه بعد 3 سنوات ونصف سنة قضاها في مركز إعادة التأهيل، والعمل بعد خروجه في مدينة نوكسفيل بعيداً عن مقاطعة لي كاونتي، مسقط رأسه ومكان الحدث.
يتخلل سرد تفاصيل حياة ديمون ومعاناته وخروجه في النهاية معافى ومتطهراً من إدمانه، حكاية تطوره كفنان بصري، بدءاً بشغفه المبكر بالصور، ومشاهدة أفلام الأبطال الخارقين أو قراءة قصص مغامراتهم في المجلات المصورة، والرسم الكاريكاتيري في دفتره للتسلية أو السخرية من زوج أمه برسمه كشخصية شريرة، ثم تلقيه الرعاية والتشجيع من مُدرسة الفن في المدرسة الثانوية، والرسم الكاريكاتيري في الجريدة المحلية وإبداعه شخصية البطل الخارق «Red Neck»، وانتهاء بنشر حلقات روايته المصورة الأولى» graphic novel» في موقعه على الإنترنت وتلقيه العروض من ناشرين قبل نهاية الرواية. وهو توازٍ آخر مع نظيره في رواية ديكنز. لكن التناظر الآخر الذي لا يقل أهمية عما سبق هو تجلي البعد أو العنصر الديكنزي في رواية كنغسولفر. «ديمون كوبر هيد» رواية ديكنزية »Dickensian»، ليس لأنها مبنية على هيكل رواية ديكنز فحسب، أو بسبب التوازيات والتناظرات التي سلطت الضوء على بعضها، ولكن لتناولها بعض الثيمات والقضايا التي تميزت بها الرواية عند تشارلز ديكنز بشكل عام.
تعالج رواية كنغسولفر ثيمات الفقر والبطالة واستغلال الأطفال في بيوت الحضانة والأطفال الذين تيتموا أو فقدوا آباءهم بسبب الإدمان أو السجن أو بسبب الجرعات الزائدة من المخدرات. وتصور بشكل خاص الآثار الكارثية لوباء المواد الأفيونية الصناعية المخدرة للألم التي روّجتها شركات الأدوية في منطقة أبالاتشيا في تسعينات القرن الماضي، مُدّعِية أنها لا تسبب الإدمان، ولكن اتضح العكس. ولا تزال المنطقة تعاني من ارتدادات وآثار الوباء. فقد ديمون أمه، ثم حبيبته دوري، وكاد يلاقي المصير نفسه، لو لم يدخل مركز إعادة التأهيل بإلحاح وإقناع من الممرضة جون بيغوت، إحدى الشخصيات القليلة في الرواية التي لم تسقط في هاوية الإدمان.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
TT

مبادرة سعودية تشرك المجتمعات المحلية في حماية الهوية العمرانية

تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)
تستهدف المبادرة في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر (واس)

أطلقت السعودية مبادرة نوعية تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من قيادة قاطرة الحفاظ على التراث العمراني في السعودية، من خلال توسيع دائرة دور المجتمعات المحلية في صون وإعادة تأهيل القرى والبلدات التراثية، وتحويلها من مجرد شواهد صامتة على التاريخ إلى روافد اقتصادية وثقافية نابضة بالحياة.

وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها. وقال الوزير خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» في الرياض، الخميس، أن «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها أسهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو 1000 موقع للتراث العمراني».

يُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقاً للمعايير (واس)

نموذج مبتكر لاستدامة السرد التاريخي

وتستهدف المبادرة الجديدة في عامها الأول ترميم مجموعة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وتتوِّج المبادرة التي سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026، شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية.

وقال محمد العمري، الخبير في التراث الشعبي، إن الخطوة التي كشفت عنها وزارة الثقافة ستعزز من دور المجتمعات المحلية في حفظ الهوية العمرانية عبر الأجيال. وتابع العمري، أن السعودية غنية بالتراث العمراني الذي يتعدد حسب زمانه ومكانه، وأضاف: «على قدر اتساع جغرافية السعودية، تملك في المقابل قدراً كبيراً من تنوع وغنى وثراء التجربة التراثية والاجتماعية التي احتفظت بها البلدات والقرى، والتي كانت قديماً تتشكل وفق الوظائف والاحتياجات التي تلبيها لمجتمع سكانها عبر العصور».

وأكد الخبير العمري أن القرى والبلدات التراثية كادت تتعرض للاندثار لولا جهود فردية قام بها أجيال ممن حفظ هذا التاريخ الحيّ وتعاهده بالصيانة والاهتمام، وبقي حتى اليوم ذكرى حيّة على أثر الأجيال الماضية، وشاهداً قائماً للأجيال المقبلة، منوهاً بدور المبادرات التي تبنتها وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة التراث التي رعت هذه الحقبة الجديدة من الاهتمام بتراث مناطق السعودية المتعددة والغنية.‏

أعلنت هيئة التراث مطلع العام تحقيق مستهدف الوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني سعودي (واس)

تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني

منذ عززت السعودية من الانتباه إلى ثروتها من التراث‏ والآثار، وهي تحقق تقدماً في اكتشاف غنى المناطق السعودية وما تحتفظ به من سجلات أثرية تاريخية، ومن ذلك التراث العمراني الذي يمثل شاهداً حيّاً على الحكايات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الماضي، ومساعداً في اتخاذ قرارات واعية بشأن المستقبل، على اعتبار أن كل مبنى عمراني، وطراز هندسي، أو موقع تاريخي، يسهم في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان، وتوجيه سياسات الحماية والترميم.‏

وأعلنت هيئة التراث مطلع هذا العام، عن تحقيق المستهدف المعتمد للهيئة بالوصول إلى تسجيل 50 ألف أصل تراث عمراني على مستوى السعودية، وهو أحد المستهدفات التي وُضعت ضمن خطتها في بداية عام 2025.

يسهم تسجيل المواقع في إعادة تشكيل الإدراك لهوية المكان وتوجيه سياسات الحماية والترميم (واس)

ويأتي تسجيل هذه المواقع ضمن جهود الهيئة المتواصلة لحماية أصول التراث العمراني وتوثيقها وتسجيلها، والعمل على إدارتها بكفاءة عالية، إلى جانب إبراز قيمتها التراثية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، بما يضمن استدامتها موروثاً ثقافياً للأجيال المقبلة.

وتواصل الهيئة جهودها في تسجيل مواقع التراث العمراني استناداً إلى معايير ولوائح نظام الآثار والتراث العمراني التي تهدف إلى تطوير جهود البحث والاكتشاف، وحصر المواقع التراثية وتسجيلها في قائمة التراث العمراني الوطني، وذلك باستخدام أحدث التقنيات والممارسات المعتمدة عالمياً في مجال التراث، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة للمواقع التراثية بهدف الحفظ والتوثيق والحماية.

ويُعد سجل التراث العمراني قائمةً رسمية للمواقع والمباني التراثية التي سُجّلت وفقًا لمعايير ذات أهمية وطنية أو عمرانية أو ثقافية محددة بموجب نظام الآثار والتراث العمراني، حيث تعتمد الهيئة على نظم المعلومات الجيومكانية في إدارة وتخزين وحفظ بيانات هذه المواقع والمباني بدقة؛ بهدف تحديد التدابير الوقائية ومتطلبات الحماية اللازمة لها، بما يضمن صونها للأجيال المقبلة.

ومن بيوت الطين إلى الأحياء القديمة، ومن الأبواب المزخرفة والمشربيات العتيقة، وكثير من صور الإرث المعماري، قطعت السعودية شوطاً كبيراً في العمل على إعادة استكشاف الأماكن، وتوثيق التفاصيل، وتطوير سجلها الوطني للتراث العمراني، الذي انضمت إليه الآلاف من مواقع التراث العمراني، تعزيزاً لحماية هذه المواقع من التعديات أو الإهمال، وضماناً لصونها للأجيال المقبلة.


مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
TT

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)
مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

أعربت الفنانة مايان السيد عن سعادتها بحصولها على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «مالمو للسينما العربية» عن دورها في فيلم «كولونيا»، مؤكدة أن هذه الجائزة تمثل أول تكريم تحصده في مسيرتها الفنية عن دور سينمائي، وهو ما منحها دفعة معنوية للاستمرار في اختياراتها الفنية والبحث عن أدوار أكثر عمقاً وتأثيراً.

وأضافت مايان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تجربة فيلم «كولونيا» كانت من المحطات المهمة في رحلتها، إذ خاضت من خلالها تحدياً جديداً، خصوصاً مع إيمان المخرج محمد صيام بقدرتها على تجسيد الشخصية بشكل مختلف، وحرصها على دراسة الدور من جميع جوانبه، بدءاً من الشكل الخارجي وحتى التفاصيل الدقيقة في الأداء، مما ساعدها على تقديم شخصية ذات أبعاد متعددة تعكس رؤيتها بصفتها ممثلة تسعى إلى التطور.

وأوضحت أن العمل على «كولونيا» أتاح لها مساحة كبيرة للتجريب داخل موقع التصوير، عبر محاولتها التعايش مع الشخصية طوال الوقت، ما ساعدها في الوصول إلى أداء أكثر صدقاً، لافتة إلى أن التعاون مع فريق العمل اتسم بالمرونة والتفاهم، مما خلق بيئة مناسبة للإبداع.

مايان وفريق عمل «ولنا في الخيال حب» في مهرجان «مالمو» (إدارة المهرجان)

وأكدت أن هذه التجربة عزّزت قناعتها بأن قيمة الدور لا تتعلق بحجمه، بل بمدى تأثيره، موضحةً: «هذا ما جعلني أعيد النظر في معايير اختياري للأدوار، إذ أصبحت أكثر اهتماماً بالشخصيات التي تحمل تحدياً فنياً وتمنحني فرصة للتعبير عن قدراتي، بعيداً عن فكرة المساحة أو حجم الظهور، مع سعيي لتقديم أدوار مختلفة تتيح لي استكشاف مناطق جديدة في أدائي».

وانتقلت للحديث عن فيلم «ولنا في الخيال حب»، الذي شارك مؤخراً في مهرجانَي «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي»، موضحة أن ارتباطها بالدور بدأ منذ اللحظة الأولى، إذ شعرت بأن الشخصية قريبة منها وتحمل مشاعر حقيقية. وأضافت أنها تحمَّست للعمل بشكل كبير فور عرضه عليها، ورأت فيه تحدياً يتطلب منها جهداً مضاعفاً، نظراً لطبيعة الشخصية المركبة التي تحتاج إلى تحضير دقيق على أكثر من مستوى، إلى جانب ما يتضمنه الدور من مساحة استعراضية.

وأشارت إلى أن «التحضيرات للفيلم كانت مكثفة، إذ خضع فريق العمل لفترة من التدريب والدراسة قبل بدء التصوير، وقد ساعدني ذلك على التعمّق في عالم الشخصية بشكل أكبر»؛ لافتة إلى أن التصوير داخل أكاديمية الفنون منحها تجربة خاصة، إذ اكتشفت قيمة هذا المكان ودوره في دعم الفنون المختلفة، وهو ما انعكس على إحساسها بالعمل.

ووصفت دورها في «ولنا في الخيال حب» بأنه «من أصعب الأدوار التي قدمتها، لاحتوائه على تفاصيل عدة، سواء من حيث الأداء التمثيلي أو المهارات التي تطلبها، مثل العزف على البيانو، والعمل على لغة الجسد، وطريقة الكلام». وأوضحت أن هذا التحدي شكّل لها فرصة حقيقية لتطوير أدواتها بصفتها ممثلة.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها كانت تتوقع نجاح الفيلم بسبب الشغف الذي صُنع به، لكنها لم تتخيل حجم التفاعل الكبير من الجمهور، خصوصاً مع ارتباط المشاهدين بتفاصيل دقيقة داخل العمل، مشيرة إلى أن هذا التفاعل كان دافعاً للحضور إلى دور العرض ومقابلة الجمهور في أماكن مختلفة، مما منحها إحساساً مباشراً بقيمة ما قدمته.

وأشادت بتجربتها في العمل مع الفنان أحمد السعدني، موضحة أن التعاون بينهما كان سلساً ومليئاً بالدعم، إذ ساعدها ذلك على التركيز والدخول في الحالة سريعاً، مشيدة بالتزامه وتحضيره الجيد للشخصية، مما انعكس إيجاباً على الأداء المشترك بينهما داخل الفيلم.

وأكدت مايان أنها تميل إلى الأعمال التي تتضمن عناصر موسيقية واستعراضية، نظراً لشغفها بالرقص والغناء، وهو ما يجعلها متحمسة لتقديم مزيد من هذه النوعية من الأعمال، لافتة إلى أنها ترى في الفن مساحة واسعة للتجريب، ولا ترغب في حصر نفسها في قالب واحد أو نوعية أدوار محددة.

وتطرقت إلى تفاعل الجمهور والنقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أعمالها الفنية، قائلة: «أرى في هذا التفاعل وسيلة مهمة للتعلم والتطور، وأستفيد من النقد»، لافتة إلى أن هذا التواصل المباشر يمنحها دافعاً للاستمرار وتقديم الأفضل في أعمالها المقبلة.


6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
TT

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)
الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)

في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، أصبحت القدرة على تهدئة النفس مهارة أساسية يحتاج إليها كل شخص بالغ للتعامل مع الضغوط والتوترات اليومية. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن هذه المهارة لا تقتصر على الشعور بالراحة اللحظية فحسب؛ بل تنعكس أيضاً على جودة العلاقات، والقدرة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً ووعياً، حسب مجلة «Real Simple» الأميركية.

وتوضح المعالجة النفسية الأميركية نعومي جرينستون أن تهدئة النفس تساعد الإنسان على فهم الإشارات التي يرسلها الجسد عند التوتر، والتعامل معها بوعي بدلاً من الانسياق وراء ردود الفعل الاندفاعية. وتشير إلى أن المشاعر تمثل معلومات تعكس طريقة استجابتنا لما يحدث حولنا، وأن إدارتها بشكل صحيح تتيح التفكير بهدوء واتخاذ قرارات أكثر عقلانية.

وتضيف المعالجة النفسية الأميركية ماندولين مودي، أن فوائد تهدئة النفس لا تقتصر على اللحظة الحالية فقط، بل تمتد لتشمل تحسين القدرة على حل المشكلات وبناء علاقات صحية. ويؤكد الخبراء أن تهدئة النفس ليست مهارة فطرية بالضرورة، بل يمكن تعلمها وتطويرها مع الممارسة، ما يعزز قدرة الفرد على التعامل مع ضغوط الحياة اليومية بثبات ووعي أكبر.

ويشدد الخبراء على أنه لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع لتهدئة النفس، بل يُفضّل امتلاك مجموعة متنوعة من الأساليب التي يمكن استخدامها حسب طبيعة الموقف والمشاعر المصاحبة له. ومن بين هذه الأساليب:

الاعتراف بالتوتر

بدلاً من تجاهل الشعور بالتوتر، يُنصح بالتوقف للحظة وملاحظة موضعه في الجسد، مثل ضيق الصدر أو شدّ العضلات، مع وضع اليد على هذا الموضع والاعتراف بالمشاعر، وهذه الخطوة البسيطة تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتعزيز الإحساس بالاستقرار.

تنشيط الحواس الخمس

يمكن تهدئة النفس عبر التركيز على ما تراه أو تسمعه أو تشمه أو تلمسه أو تتذوقه، مثل ملاحظة رائحة عطر، أو صوت هادئ، أو ملمس مريح، وهذه الطريقة تعيد الانتباه إلى اللحظة الحالية وتخفف من حدة التوتر.

تغيير مجال الرؤية

يمكن تحريك العينين ببطء من اليمين إلى اليسار، مع مسح البيئة المحيطة، ما يساعد على إرسال إشارات أمان إلى الدماغ، وهذا يقلل من استجابة الخطر ويعيد الشعور بالهدوء.

الضغط بالقدمين على الأرض

الضغط بالقدمين على الأرض أو ضم راحتي اليدين معاً والتركيز على الإحساس الناتج، يساعد على إعادة الاتصال بالجسد وتقليل التشتت الذهني.

حضن الفراشة

تعتمد هذه التقنية على تحفيز جانبي للجسم، من خلال وضع الذراعين بشكل متقاطع على الصدر بحيث تلمس كل يد الكتف المقابل، ثم القيام بربتات خفيفة ومتبادلة بين الجانبين، مع التنفس ببطء وعمق. ويمكن تكرار الحركة مرات عدة مع التركيز على الإحساس الناتج عن اللمس، ما يساعد على تهدئة التوتر وإعادة التوازن للجهاز العصبي. وتُستخدم هذه التقنية في بعض أساليب علاج الصدمات النفسية وتخفيف التوتر السريع.

تحدي الأفكار السلبية

يتم ذلك من خلال مراجعة الأفكار التلقائية السلبية والبحث عن الأدلة التي تدعمها أو تنفيها، وبذلك يمكن إعادة صياغتها بشكل أكثر توازناً وواقعية، ما يخفف من حدة المشاعر السلبية ويعزز التفكير العقلاني.