حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

بعد الانتخابات العامة الأخيرة التي سلّمت السلطة إلى اليمين

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
TT

حقبة تاريخية جديدة في مسيرة فنلندا «غير محايدة»

مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)
مبنى البرلمان الفنلندي في هلسنكي (أ.ب)

خلال يومين فقط، شهدت فنلندا تغيرات محورية في سياستها. التغير الأول تمثل باتجاهها من اليسار إلى اليمين بعدما خسر الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) بزعامة رئيسة الحكومة سانا مارين الانتخابات يوم الأحد الماضي؛ إذ اختار الناخبون عوضاً عنه، حزبي يمين الوسط واليمين المتطرف اللذين حصل كل منهما على أصوات أكثر من الاشتراكيين. وعلى الرغم من شعبية مارين على الساحة العالمية، وقيادتها فنلندا بكفاءة إبان أزمة «كوفيد - 19»، والحرب في أوكرانيا - وقرارها التاريخي بإنهاء عقود من الحيادية لصالح الانضمام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» - فإنها لم تستطع الحفاظ على منصبها في وجه أزمة اقتصادية متصاعدة يبدو أنها ما دفع الناخبين للابتعاد عن معسكر يسار الوسط. ولكن التغير الأهم الذي طرأ على توجهات هذه الدولة الأوروبية الشمالية المحاذية لروسيا، يبقى تخلّيها رسمياً عن عقود من الحيادية، وانضمامها إلى «ناتو» في خطوة تاريخية يوم الثلاثاء الماضي، لتغدو الدولة العضو الـ31 في الحلف. وهكذا، لم تعد فنلندا «الدولة الوسيط» بين روسيا والولايات المتحدة، كما فعلت في الماضي، خصوصاً عندما استضافت عاصمتها هلسنكي عام 2018 القمة الشهيرة التي جمعت بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أوج التوتر بين الدولتين العظميين على خلفية اتهام واشنطن لموسكو بالتدخل في الانتخابات.
في وسط العاصمة الفنلندية هلسنكي، وبالذات، في ساحة كزارميتوري أمام مقر وزارة الدفاع، يقف نصب تذكاري لـ«حرب الشتاء»، التي خاضتها فنلندا مع الاتحاد السوفياتي عام 1939.
لم تدم تلك الحرب طويلاً؛ ذلك أنها انتهت بعد 105 أيام فقط، غير أن آثارها كانت كبيرة وطويلة الأمد، والحقيقة أن نتائج تلك الحرب شكلت أساساً لسياسة الحياد التي اعتمدتها البلاد منذ ذلك الحين.

الزعيم اليميني المنتصر أوربو يحيي مناصريه (أ.ب)

الحرب التي اندلعت يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1939 كانت شرسة ودموية للطرفين، ولقد خاضها الجيشان الفنلندي والسوفياتي في درجات حرارة وصلت إلى ناقص 43 درجة مئوية، وانتهت بعد قرابة ثلاثة أشهر في منتصف مارس (آذار) من عام 1940. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي ألحقتها الجيش الفنلندي بغريمه السوفياتي القوي، فإن القيادة الفنلندية في العاصمة هلسنكي اضطرت في نهايتها إلى التخلي عما يقارب الـ10 في المائة من مساحة أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي.
ومنذ ذلك الحين، ظلت آثار هذه الحرب حاضرة في فنلندا، ليس فقط في سياستها الخارجية بل أيضاً الدفاعية؛ فلدى فنلندا جيش احتياط ضخم من القوات القادرة على الدفاع عن أراضيها، أنشئ من خلال التجنيد الإلزامي العام وعقيدة الدفاع عن الأرض المزروعة في أذهان الفنلنديين. وراهناً لدى فنلندا جيش نظامي قوامه 280 ألف عنصر، تضاف إليهم قوات الاحتياط التي تضم قرابة الـ900 ألف فرد مدربين على القتال، ما يجعله بالتالي واحداً من أكبر جيوش دول التحالف الغربي.
ومن جهة ثانية، امتدت هذه العقيدة الدفاعية أيضاً إلى البنية التحتية للبلاد الجاهزة لحماية السكان في حال تعرض البلاد لضربة نووية؛ فقد أنشأت الحكومات الفنلندية المتعاقبة منذ نهاية «حرب الشتاء» نظام ملاجئ ضخماً يمكنه تأمين حماية قرابة الـ4 ملايين شخص من أصل 5 ملايين ونصف المليون، يشكلون عدد سكان فنلندا. ويمكن لهذه الملاجئ التي تمتد تحت المدن الكبيرة وتستخدم حالياً إما كمحطات مترو، وإما صالات رياضية ومتاحف وغيرها، أن تؤمن حماية من أسلحة نووية تصل زنتها إلى 100 كيلوطن.
- سياسة الحياد
ومقابل تعميق دفاعاتها، بقيت فنلندا معتمدة في السنوات التي تلت خسارتها للحرب، على سياسة الحياد وعدم الانحياز، ونجحت في الحفاظ عليها طوال «الحرب الباردة». ومع مطلع الستينات، باتت فنلندا «دولة موثوقاً بها» لدى الغرب والاتحاد السوفياتي على أنها دولة حيادية فعلاً وعملاً. ويُعد الرئيس الفنلندي الأسبق جوهو كوستي باسيكيفي «عرّاب» سياسة الحياد تلك، التي عمل عليها منذ عام 1946. ولاحقاً، طور السياسة تلك خليفته الرئيس الأسبق أورهو كيكوكن عند تسلمه منصبه عام 1956، الذي وقّع مع الاتحاد السوفياتي اتفاقاً عام 1948 ثبّت حياد فنلندا رسمياً، واستحق كيكوكن بذلك «جائزة لينين للسلام»، التي منحه إياها الاتحاد السوفياتي عام 1979. وعبر السنوات، ربطت فنلندا بين حيادها والسلام في أوروبا، وعملت على الترويج لذلك طوال العقود الماضية التي بقيت ملتزمة فيها بمبدأ الحياد والتعامل السلمي.

رئيسة الحكومة الاشتراكية الخاسرة سانا مارين (أ.ف.ب)  -   زعيمة اليمين المتطرف رييكا بورا (أ.ب)

هذه كانت الحال طوال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، ومعه ترسخت كاملة قناعة في هلسنكي بضرورة المحافظة على مبدأ الحياد كوسيلة مثلى للتعايش مع جار أكبر وأقوى منها للحفاظ على استقلالها، بل إن سياستها تلك بات لها تعبير هو «الفلدنة» أو «الفنلدة»، الذي صار يطلقه البعض بشكل ازدرائي على ممارسة الدول التي ترفض اتخاذ مواقف سياسية من جارتها الأقوى مقابل الحفاظ على استقلالها. ولكن بالتوازي، رغم حفاظ فنلندا على مبدأ الحياد، بدأ نقاش حقيقي حول مدى استمرار هذا الحياد وجدواه فعلاً منتصف التسعينات، بعد توقيع هلسنكي على اتفاق تعاون مع حلف شمال الأطلسي في عام 1994، وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في العام الذي تلاه أي عام 1995. وسمح اتفاق التعاون مع الحلف آنذاك، بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع دول «ناتو» على الحدود مع روسيا.
غير أنه مع انهيار عقد السلام في أوروبا خلال فبراير الماضي على إثر غزو روسيا لأوكرانيا، انهارت كذلك مسوّغات الحياد الفنلندي التي كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلام بين روسيا وجيرانها، ونابعة من ثقتها بأن حيادها سيحميها.
لقد غيّرت الحرب الروسية في أوكرانيا هذه الذهنية، والصدمة التي شكلتها الحرب لدى الفنلنديين دفعتهم، بشكل واسع لتأييد دعوة حكومتهم للانضمام لـ«ناتو»؛ فالحرب أعادت مخاوف تكرار «حرب الشتاء»، ودفعت بالسياسيين للاستنتاج سريعاً خلال مايو (أيار) الماضي، بأن فنلندا ليست جاهزة للدفاع عن نفسها في وجه أي اعتداء روسي شبيه لما حصل لأوكرانيا. وأنها، بالتالي، لا تستطيع أن تحافظ على حيادها في وجه ما رأته تهديداً متزايداً من روسيا. وهكذا، اتخذت القيادة الفنلندية القرار التاريخي بالتخلي عن حيادها على ضوء العملية العسكرية الروسية، والانضمام إلى الحلف الغربي. وهكذا بات الحلف هو المرجعية المسؤولة عن حماية استقلال فنلندا في مواجهة أي تهديد من روسيا التي تشاركها حدوداً طويلة جداً، تمتد على مسافة 1340 كيلومتراً. وغدت فنلندا تتمتع بحق الحماية من جميع دول «ناتو» في حال تعرضها لأي اعتداء خارجي بموجب المادة الخامسة من آلية الدفاع الجماعي للتحالف.
- عضوية «ناتو» والمتاعب المرتقبة
مع هذا، فإن هذا الانضمام الذي أصبح رسمياً خلال الأسبوع الماضي يحمل معه متاعب جديدة لفنلندا ولـ«ناتو» أيضاً. تلك الحدود بين دول «ناتو» وروسيا توسعت بشكل كبير، وبات على الحلف تأمين هذه الحدود الجديدة مع روسيا. وبالنسبة لفنلندا، ستوجب العضوية عليها مراجعة سياستها النووية بشكل سريع بعد انضمامها رسمياً لحلف هو نووي بالأساس. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت فنلندا لإنشاء «منطقة خالية من الأسلحة النووية» في شمال القارة الأوروبية، بيد أن طموحها اصطدم في ذلك الوقت بانضمام كل من الدنمارك والنرويج إلى «ناتو» الذي يعد المظلة النووية أساسية في منظومته الدفاعية. وفي النتيجة، بقيت فنلندا إلى جانب السويد - التي اعتمدت نفس سياسة جارتها بالحياد وعدم الانحياز - مصرة على خلق هذه المنطقة الخالية من الأسلحة النووية. وكانت، في الواقع، الدولة الأولى التي توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1968. وحسب قوانين فنلندا الوطنية، فهي تمنع أيضاً حيازة وتجربة الأسلحة النووية على أراضيها.
ومن ناحية ثانية، قبل الانضمام رسمياً إلى «ناتو»، رفضت فنلندا إعطاء موقف واضح حول إمكانية نشر أسلحة نووية للحلف على أراضيها، بل حتى بُعيد تقديم فنلندا طلب الانضمام للحلف قبل سنة، اكتفى الرئيس الفنلندي سولي نينستو بالقول عندما سئل عن ذلك، إن فنلندا ستنضم إلى «ناتو» بناءً على شروطه و«إن الوقت مبكر للبحث بمسألة نشر أسلحة نووية على أراضيها». ولكنه عاد لاحقاً لينفي وجود أي نية لدى الحلف أو لدى دولته لاتخاذ خطوة مماثلة.
وبالفعل، قد يكون النقاش حول نشر أسلحة نووية في فنلندا لا يزال بعيداً، لا سيما أن الحلف لا ينشر أسلحة نووية على حدوده مع روسيا، بل يبقيها محصورة في الدول الأوروبية الغربية (ألمانيا وبلجيكا وهولندا) ومعها تركيا. ولقد أكد ذلك تقرير نشره الحلف عن طريق الخطأ قبل سنتين؛ كون موضوع أماكن نشر الأسلحة النووية يُعد موضوعاً سرياً، وليس من المعتاد الكشف عنه. ولكن، مع ذلك، فإن العقيدة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية في فنلندا يجب أن تتغير بعد انضمامها الآن إلى حلف نووي بالأساس. وهي منذ انتمائها رسمياً، بات لديها مجال الوصول إلى معلومات نووية لم تكن متاحة لها في السابق، كما أنها أصبحت جزءاً من القرار الذي تتخذه دول الحلف حول دفاعاتها النووية. وإن كانت عقيدتها حول الأسلحة النووية تتعارض مع كل ذلك لغاية الآن.
- التحوّل إلى اليمين
في خضم كل هذا التغيير الدفاعي الذي تشهده فنلندا، اختار ناخبوها خلال الانتخابات العامة الأخيرة إقصاء حكومتهم الاشتراكية والرهان على اليمين بديلاً حاكماً؛ فقد خسرت رئيسة الحكومة سانا مارين، التي كانت حكومتها الائتلافية الاشتراكية قد تقدمت بطلب عضوية الانضمام إلى «ناتو»، الانتخابات التي شهدتها البلاد الأحد الماضي. وحل الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي قادته في المرتبة الثالثة بعدما حصل على 19.9 في المائة فقط من أصوات الناخبين. إذ جاء في المرتبة الأولى خلال المعركة الانتخابية حزب «الائتلاف الوطني» اليميني الوسطي بزعامة بيتيري أوروبو بحصوله على 20.8 في المائة من نسبة الأصوات، بينما حل ثانيا حزب «فينز» (الفنلنديون) اليميني المتطرف بـ20.1 في المائة من الأصوات.
وفي ضوء هذه الحصيلة، يتعيّن الآن على الحزب المتصدر اتخاذ قراره حول الحزب الثاني الذي يريد أن يشكل حكومة ائتلافية معه، ثم الدخول في مفاوضات لتشكيل هذه الحكومة. حتى الآن ما زال غير واضح أي من الحزبين سيقرر أوروبو التفاوض معه، وإن كانت ثمة ترجيحات إلى أنه ينوي التحالف مع حزب «فينز» اليميني المتطرف والشعبوي الذي تتزعمه رييكا بورا، والذي حل ثانياً. خطوة كهذه تعني أن الحكومة المقبلة ستحمل نزعة يمينية خالصة في تناقض كبير مع حكومة مارين اليسارية المعتدلة التي قادت البلاد في السنوات الأربع الماضية. وللعلم، فإن الحزبين اليمينيين يتشاركان نظرة اقتصادية موحدة تدعم تخفيض الإنفاق الحكومي، وتتناقض مع نظرة الاشتراكيين التي تؤمن بزيادته.
وفي الحقيقة، كان الملف الاقتصادي طاغياً في الحملة الانتخابية الأخيرة، وبدا بوضوح أن الهموم المالية هي التي تشغل - أكثر من غيرها - بال الناخبين وسط أزمة اقتصادية عالمية، وارتفاع كبير في أسعار الطاقة، وتضخم غير مسبوق بسبب الحرب في أوكرانيا. وفي حين روّج الاشتراكيون للإبقاء على سياسة الإنفاق ما يعني زيادة الدَّين العام الذي ارتفع بنسبة 75 في المائة إبان جائحة «كوفيد - 19»، روّج اليمينيون لتخفيض الإنفاق عبر تقليص النفقات والإعانات. وكانت هذه السياسة اليمينية هي التي اختارها الناخبون القلقون من زيادة الدَّين العام، واستمرار ارتفاعه أكثر في حال بقي الاشتراكيون في السلطة.
أما حيال مسألتي انضمام فنلندا لعضوية «ناتو» وسياستها المستقبلية تجاه روسيا، فقد كان لافتاً أن النقاشات كانت شبه غائبة عن البرامج والشعارات والطروحات المقدمة من الأحزاب. وهنا بالذات، قد لا يكون في الأمر غرابة، إذا ما تذكرنا أن الأحزاب الفنلندية كلها أجمعت في السابق على ضرورة تقديم طلب عضوية إلى «ناتو»، ومن ثم التخلي نهائياً عن سياسة عدم الانحياز. وهذا يعني أن حزب «فينز» اليميني المتطرف، على عكس الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تميل إلى الدفاع عن مواقف القيادة الروسية والتقارب معها، لا يتعاطف مع موسكو. وفي المقابل، يركز هذا الحزب الشعبوي المتطرف على مهاجمة المهاجرين، ويعتمد سياسات تشكك في الاتحاد الأوروبي والسياسات المناخية.
- لا تغيير مرتقباً في السياسة الدفاعية
في أي حال، وبغض النظر عن الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة، والأحزاب التي ستشارك في الائتلاف الحاكم، فإن السياسات الدفاعية لفنلندا ستبقى نفسها، ولن تتغير بتغير الحزب الحاكم. ثم إنه سيتوجب على أي حكومة جديدة تُشكل - وهو ما قد يستغرق أشهراً - أن تراجع السياسة الدفاعية المتعلقة بالأسلحة النووية، وأن تتخذ أيضاً قرارات تتعلّق بالإنفاق الدفاعي المرتفع أصلاً، الذي زاد العام الماضي على الـ2 في المائة، وهي النسبة التي يوصي بها «ناتو» الدول الأعضاء. ولكن يرى كثيرون أن حكومة يمينية صرفاً ستواجه صعوبة أكبر في البحث عن مصادر لتمويل الإنفاق الدفاعي، في حين تعتمد سياسة خفض النفقات بهدف تقليص الدين العام.
وبالتالي، بانتظار تشكيل الحكومة الفنلندية الجديدة وبدئها بالعمل على سياسات مهمة ستحتاج إليها لدعم انضمامها إلى «ناتو»، يبدأ الحلف كذلك مراجعة لسياساته الدفاعية بعد توسيعه حدوده مع روسيا. وهنا قد يعرقل خطط الحلف في الشمال، استمرار بقاء السويد خارج الحلف، لتكون الدول الشمالية الوحيدة التي ما زالت غير منضمة إلى أسرته.
الجدير بالذكر، أن السويد التي كانت قد قدمت طلب انضمامها مع فنلندا، لا تزال تنتظر موافقة كل من تركيا والمجر على ضمها. ولكن حتى الآن ما زالت تركيا تعرقل ضم السويد لرفض الأخيرة تسليم مشتبه بهم تطالب بهم أنقرة على أساس أنهم إرهابيون أكراد. ولقد تسبب حرق مصحف أمام مقر السفارة التركية في ستوكهولم قبل أسابيع، بزيادة توتر العلاقات الثنائية، وتمسُك تركيا بعرقلة ضم السويد. ومع أن ينس شتولتنبرغ، أمين عام «ناتو»، ما زال يكرّر الإعراب عن ثقته بأن العملية ستؤدي في النهاية إلى تفاهمات لضم السويد، فإن تأخير ضمها قد يؤخر حقاً خطوات الحلف لدمج الدولتين الشماليتين المرتبطين باتفاقات دفاعية مشتركة، في سياسته الدفاعية.
وفي انتظار ضم السويد وبدء تطبيق «سياسة شمالية دفاعية» كاملة تحت مظلة «ناتو»، تبدأ فنلندا رحلة جديدة تتهيأ فيها لمرحلة سياسية ودفاعية مختلفة، تنفض خلالها عنها صيت «الفلدنة»، وتتخلى نهائياً عن سياسة عدم الانحياز بعدما اختارت، مرغمة، الغرب على الشرق.

فنلندا... في سطور

> فنلندا جمهورية تقع في شمال أوروبا، تعد فعلياً دولة «شمالية» (نوردية)، لكنها ليست جزءاً من إسكندينافيا، التي تضم السويد والنرويج والدنمارك.
> الشعب الفنلندي، من الناحية الإثنية اللغوية من الشعوب الفينو - أوغرية وليس كجيرانه الإسكندينافيين الذين يعودون إلى أصول جرمانية، وأقرب الشعوب إليه إثنو - لغوياً الإستونيون والكاريليون (في أقصى شمال غربي روسيا على حدود فنلندا الشرقية).
> في البلاد لغتان رسميتان هما الفنلندية (يتكلمها 87.3 في المائة من السكان)، والسويدية (5.2 في المائة من السكان). ومعهما لغة شعب السامي (اللابيون).
> الفنلنديون يطلقون على بلادهم اسم «سوومي»، ويبلغ تعداد الشعب الفنلندي نحو 5.5 ملايين نسمة، وتتركز غالبيتها في المناطق الجنوبية من البلاد.
> تبلغ مساحة البلاد، التي تحدها من الشرق روسيا، ومن الشمال النرويج، ومن الغرب السويد، وفصلها عن إستونيا جنوباً خليج فنلندا، نحو 339 ألف كلم مربع. وهي بالتالي الثامنة من حيث المساحة في أوروبا، وأقل دول الاتحاد الأوروبي كثافة سكانية.
> عاصمة البلاد مدينة هلسنكي، وهي أكبر مدنها، تليها مدن تامبيري وأوبو (توركو) ويوفاسكولا ولاهتي وكووبيو.
> فنلندا جمهورية برلمانية ذات حكومة مركزية مقرها العاصمة هلسنكي، وحكومات محلية في 336 بلدية.
> يدين معظم الفنلنديين بالمسيحية البروتستانتية اللوثرية (68.7 في المائة)، ويدين نحو 1.1 في المائة بالأرثوذكسية. ومن الناحية العملية، تغلب العلمانية على المجتمع الفنلندي.
> كانت فنلندا تاريخياً جزءاً من السويد، ولكنها منذ عام 1809 تحولت إلى دوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية. وعقب إعلان الاستقلال الفنلندي عن روسيا في 1917 حرب أهلية، وحروب ضد الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية، وثم فترة من الحياد الرسمي خلال الحرب الباردة.
> انضمت فنلندا إلى الأمم المتحدة عام 1955، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام 1969، والاتحاد الأوروبي عام 1995، ومنطقة اليورو منذ إنشائها.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.