ماكرون يرسم «خريطة طريق» لسياسة بلاده تجاه أفريقيا

الرئيس الفرنسي يريد علاقة جديدة عنوانها الشراكة في الميادين كافة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يرسم «خريطة طريق» لسياسة بلاده تجاه أفريقيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمته عن أفريقيا في قصر الإليزيه أمس (أ.ف.ب)

يصح تسمية الأسبوع الحالي بأنه «أسبوع أفريقيا» بالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفيه مجموعة محطات رئيسية، أولها الخطاب الذي ألقاه أمس في قصر الإليزيه وخصصه لرؤيته لمستقبل علاقات بلاده مع القارة السوداء التي احتضنت الكثير من المستعمرات الفرنسية حتى سبعينات القرن الماضي، وهي تعاني اليوم من صعوبات جمة، ومن منافسة متعددة الجنسيات (صينية، روسية، تركية وحتى أميركية وإسرائيلية). والمحطات اللاحقة عنوانها الجولة الموسعة التي سيبدأها ماكرون غداً (الأربعاء) في وسط وغرب أفريقيا، والتي تشمل أربع دول، هي على التوالي: الغابون، أنغولا، الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ثلاث من هذه الدول كانت مستعمرات فرنسية بينما أنغولا كانت مستعمرة برتغالية.
وسبقت هذه الجولة الأفريقية للرئيس الفرنسي زيارته أواخر يوليو (تموز) الماضي أربع دول غرب أفريقيا، وهي الكاميرون، وأفريقيا الوسطى، وبينين وغينيا بيساو.
وأكد ماكرون، أكثر من مرة، أن أفريقيا تعدّ من بين أولوياته الدبلوماسية، لا، بل إنها أولى الأولويات. وكان من المنتظر من خطابه أن يكشف عن نظرته لـ«الشراكة الجديدة» التي يريد بناءها بين باريس والعواصم الأفريقية، في حين «الشراكة القديمة» موضع انتقاد، لا، بل تنديد في أكثر من بلد أفريقي. ولعل الانتكاسة الكبرى التي مُنيت بها باريس في بلدين من منطقة الساحل، هما مالي وبوركينا فاسو، والصعوبات التي تلاقيها راهناً في تشاد ودول أخرى تدفعها لتسريع الخطى والبحث عن «استراتيجية» جديدة عنوانها الرئيسي الاستماع لما يريده شركاء فرنسا الأفارقة وتوفير الدعم «من الخلف»، خصوصاً في الميدان الأمني.
وبعد أن كان لباريس حضور عسكري يتجاوز الـ5500 رجل، تقلص العدد إلى 3 آلاف بعد انسحاب قوة «برخان» من مالي وقوة «سابر» (أي السيف) من بوركينا فاسو.
وفي الحالتين، كان الانسحاب بطلب من المجلس العسكري في البلدين الذي تسلم الحكم في كل من الدولتين بعد انقلابين عسكريين.
ولفرنسا حضور عسكري في ستة بلدان هي النيجر، وتشاد، والسنغال، وساحل العاج، والغابون وجيبوتي. وكان من المنتظر أن يكشف ماكرون عن تصوره لتموضع قواته اللاحق ومهامها الجديدة.
وثمة هدف إضافي لجولته المقبلة، وهو دفع الأفارقة إلى الانضمام إلى المعسكر الغربي في إدانة الحرب الروسية على أوكرانيا.
والحال، أن ثلاثاً من الدول التي سيزورها (الغابون والكونغو وأنغولا) امتنعت عن التصويت لصالح القرار الذي صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يطلب من روسيا سحب قواتها من أوكرانيا. يضاف إلى ما سبق تدأب باريس على التنديد باختراق ميليشيا «فاغنر» الروسية لمناطق النفوذ الفرنسي التقليدية، كما تعمل على مواجهة التغلغل الإعلامي أو ما تسميه «التضليل» الذي يمارس ضدها ومصدره غالباً روسيا والأجهزة المرتبطة بها.
وخلال جولته الأفريقية السابقة، اعترف الرئيس الفرنسي بأن بلاده تواجه صعوبات بسبب المنافسة الجديدة التي تلاقيها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أكد أن بلاده «ما زالت ملتزمة بأن القارة الأفريقية».
ويريد ماكرون أن يشدد على «رسالة» بلاده، ولكن أيضاً أن يكون صوت الاتحاد الأوروبي المعني بدوره بـ«التحولات» الأفريقية.
وأمس، في الخطاب الذي ألقاه في قصر الإليزيه بحضور حكومي ورسمي واقتصادي وثقافي، سعى ماكرون إلى رسم صورة العلاقة الجديدة التي يريدها مع أفريقيا على الصعد كافة. وكرر أكثر من مرة، أن على باريس أن تتحلى بـ«التواضع»، وأن تكف عن اعتبار أن أفريقيا «معقودة اللواء لها» وأن تقبل وجود «منافسين». بيد أن عليها أيضاً أن «تدافع عن مصالحها».
وبكلام آخر، يريد ماكرون أن يقلب صورة صفحة العلاقات السابقة مع القارة السوداء وأن تتجرأ بلاده على إعادة النظر فيما سماه «الممنوعات» والمسلمات.
بكلام آخر، يريد الرئيس الفرنسي تجاوز المحظورات في إعادة تقييم العلاقة مع أفريقيا. وفي هذا السياق، طرح محورين رئيسيين:
الأول، التخلي عن الرؤية السابقة، حيث كان المبتدأ والمنتهى في العلاقة السابقة مع أفريقيا الموضوع الأمني والدفاعي الذي كان يؤطر كل أشكال العلاقة. ولذا؛ يريد ماكرون اليوم وضع نقطة النهاية له بحيث ينهض الحضور الجديد على أساس «الشراكة الأمنية» المتكافئة وليس على مبدأ الفرض. وسيكون ذلك من خلال التخلي عن إقامة قواعد عسكرية على الطريقة القديمة واعتماد سياسة تطوير العلاقة العسكرية والأمنية، وبحيث تعمد فرنسا إلى إقامة كليات ومعاهد عسكرية يكون الحضور الأكبر فيها للأفارقة أنفسهم والتركيز على التنشئة والتدريب. وأشار ماكرون إلى أن فرنسا ستعمد إلى خفض جديد في عددها العسكري في أفريقيا؛ ما يعد استمراراً لما بدأته في الأشهر السابقة. إلا أنه امتنع عن إعطاء تفاصيل بهذا الخصوص.
وباختصار، يرى ماكرون أن الشراكة الجديدة تعني «التخلي عن الهيمنة العسكرية والأمنية والاقتصادية». ويريد ماكرون ضم دول الاتحاد الأوروبي إلى الرؤية الفرنسية الجديدة.
أما المحور الآخر فعنوانه التخلي عن مبدأ «مساعدة أفريقيا» واعتناق مبدأ «الاستثمار التضامني» بحثاً عن منافع مشتركة في الأنشطة الاقتصادية.
واغتنم ماكرون المناسبة ليهاجم الشركات الفرنسية التي لا تقدم للأفارقة أفضل ما تملكه من مهارات وكفاءات وإنجازات بعكس ما تفعله مثلاً في منطقة الخليج أو أوروبا أو الصين. وكرر أكثر من مرة، أنه يريد إقامة محمور فرنسي - أوروبي - أفريقي يكون له وزنه على المستوى العالمي. والنهج الجديد يفترض به أن يركز على التعليم النظري والتأهيل المهني، وعلى الصحة والطاقة والبيئة والثقافة والاقتصاد الرقمي والمساواة بين الجنسين والعمل مع منظمات المجتمع المدني والشباب.
يبقى أن ماكرون لا ينسى أن على بلاده أن تدافع عن القيم التي تؤمن بها، ولكن من غير أن تسعى لفرضها فوقياً. وفي هذا السياق، اعتبر أن الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة يشكل عمودها الفقري.
أراد ماكرون من خطابه أمس أن يكون «تأسيسياً» وأن يشكل الإطار الذي سيلتزم به للسنوات الخمس المقبلة، وهي مدة ولايته الجديدة التي انقضى منها عشرة أشهر. بيد أن التأكيد على المبادئ شيء وترجمتها على أرض الواقع شيء آخر. وستبين الأشهر المقبلة ما إذا كان خطابه سيشكل حقيقة «خريطة طريق» لسياسة فرنسا في قارة كانت تعدّ أن الكلمة الفصل تعود إليها في الأحوال كافة، خصوصاً في الدول التي استعمرتها سابقاً.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.


جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
TT

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)

نفت حكومة نيجيريا استهداف المدنيين خلال قصف جوي لإحدى الأسواق شمال شرقي البلاد، مشيرة إلى أن السوق تحولت «قاعدة لوجيستية» للجماعات الإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» وجماعة «بوكو حرام».

ويحتدم الجدل في نيجيريا منذ استهداف السوق المحلية في مدينة جيلي، الواقعة بولاية بورنو، السبت الماضي، بضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ، بينهم مدنيون، حسب تقارير غير رسمية، في حين ارتفعت مطالب بفتح تحقيق في سقوط ضحايا أبرياء خلال العملية العسكرية.

مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ (أ.ب)

وفي أول بيان رسمي، قالت الحكومة، الأربعاء، إن الضربة الجوية على سوق جيلي كانت «متعمدة وليست عشوائية»، وأضافت أن الضربة «استهدفت مواقع إرهابية مؤكدة، بناءً على معلومات استخباراتية، وليست هجوماً عشوائياً»، مشيرة إلى أن السوق كانت «أحد أشهر الممرات الإرهابية في البلاد».

وجاء في البيان الموقّع من طرف وزير الإعلام محمد إدريس: «تم تصنيف جيلي منطقةً عالية الخطورة، مع وجود توجيهات أمنية واضحة تقيد وجود المدنيين»، ولكنه أضاف أن «كل حياة نيجيرية مقدسة، وأي خسارة في أرواح المدنيين مؤسفة للغاية».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

وأوضحت الحكومة أن السوق المستهدفة كانت تعرف محلياً باسم «سوق الإرهابيين»، وظلت لفترة طويلة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية، وكانت تخضع منذ فترة لمراقبة استخباراتية دقيقة وعمليات استطلاع مكثفة.

وأكدت الحكومة أن «عناصر من (داعش) و(بوكو حرام) كانوا يستخدمون المنطقة لفرض الإتاوات، وشراء الإمدادات، وتنسيق الهجمات»، وأضافت: «تعزز هذا التقييم في 12 أبريل (نيسان) 2026، عندما ألقت القوات القبض على شخص يبلغ من العمر 15 عاماً تابع لتنظيم (داعش) يُدعى تيجاني في نغامدو، حيث اعترف بنقل الأموال والإمدادات بين جيلي ومواقع أخرى؛ ما يبرز عمق النشاط الإرهابي في المنطقة واستغلال المدنيين، بمن فيهم القُصّر».

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وأعلنت الحكومة فتح «تحقيق مستقل» في العملية العسكرية، مشيرة إلى أنه «سيشمل مراجعة المعلومات الاستخباراتية، وآليات تحديد الأهداف، وتنفيذ العملية، وسنعالج أي ثغرات ونضمن المساءلة عند الحاجة». وخلصت الحكومة النيجيرية إلى التأكيد على أن «حماية أرواح المدنيين تظل التزاماً أساسياً للقوات المسلحة».

مواقف متباينة

أثارت الضربة جدلاً في نيجيريا، حيث تباينت منها المواقف، خاصة حين تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سوق مزدحمة بالمدنيين عن طريق الخطأ، وسط مطالب بحماية المدنيين من الإرهاب ولكن أيضاً خلال العمليات العسكرية.

القائد السابق للجيش، الفريق أول المتقاعد توكور بوراتاي، وصف الغارة الجوية على سوق جيلي بأنها ضربة ضرورية لمعقل إرهابي، ورفض أي اتهام للجيش باستهداف المدنيين، وأضاف: «أشيد هُنا بالقوات الجوية والاستخبارات على الشجاعة والاحترافية في هذه العملية».

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري بموقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

من جانبه، دعا الرئيس السابق لمجلس الشيوخ أحمد لاوان إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في الغارة الجوية، وأضاف: «رغم تقديري للتضحيات الكبيرة التي تقدمها قواتنا المسلحة وتعقيدات التمييز بين المقاتلين والمدنيين في مناطق النزاع، فإن حجم هذه المأساة يفرض علينا طرح أسئلة صعبة، لكنها ضرورية». وحذّر من أن «الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب أرواح المدنيين»، داعياً إلى اعتماد استراتيجيات أكثر دقة واعتماداً على الاستخبارات. وقال: «يجب ألا نسمح أبداً للحرب على الإرهاب بأن تُفقدنا الإحساس بحرمة حياة الإنسان البريء».

الرئاسة تدافع

أمام تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية عقد الرئيس بولا أحمد تينوبو، اجتماعاً طارئاً مع وزير الدفاع وقادة الجيش والأمن والاستخبارات، الاثنين الماضي، في حين دافع تينوبو عن العملية، مشيراً إلى أن السوق كانت قد «تم اختراقها» من قِبل الإرهابيين.

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال المستشار الخاص لشؤون الإعلام في الرئاسة، توبي أجايي، إن السوق أصبحت «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن حولها مقاتلو «بوكو حرام» و«داعش» مركزاً لوجيستياَ وتجارياً.

ولكن الاجتماع الطارئ ناقش أيضاً، تطورات أمنية عدة، من أهمها تحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، أجازت فيه المغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارتها في أبوجا.

وتحدث التحذير عن «تدهور الوضع الأمني»، حيث وضع 23 ولاية من أصل 36 في نيجيريا ضمن التصنيف «المستوى الرابع: لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للمخاطر، وبررت السلطات الأميركية تحذيرها بالتمرد في الشمال الشرقي وقطع الطرق في الشمال الغربي والوسط، إضافة إلى استمرار العنف في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي، بما في ذلك المناطق النفطية.

وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

وفي ردها على التحذير الأميركي، وصفته الحكومة النيجيرية بأنه إجراء احترازي روتيني يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الأمني العام في البلاد.

وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إنه رغم استمرار حوادث متفرقة، «لا يوجد انهيار عام في القانون والنظام، ومعظم أنحاء البلاد لا تزال مستقرة».


توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
TT

توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة

قال وزير خارجية توغو إن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن «إسقاط مركاتور» الذي يعود إلى القرن السادس عشر.

ويقول المنتقدون إن «إسقاط مركاتور»، الذي يجعل غرينلاند تبدو في حجم أفريقيا في حين أن القارة في الواقع أكبر منها بنحو 14 مرة، يعزز التصورات السائدة حول هامشية أفريقيا رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير، بما يؤثر في السرديات السائدة في الإعلام والتعليم والسياسات.

وكلف الاتحاد الأفريقي توغو بتعزيز حملة «صححوا الخريطة» لإنهاء استخدام خريطة مركاتور من قبل الحكومات والمنظمات الدولية. وتدعو الحملة، التي تقودها مجموعتا (أفريقيا بلا فلتر) و(تكلموا من أجل أفريقيا)، إلى اعتماد إسقاط «إيكوال إيرث» لعام 2018، الذي يهدف إلى إظهار الأحجام الحقيقية للبلدان.

ولا يظهر «إسقاط مركاتور»، الذي صممه رسام الخرائط جيراردوس مركاتور لأغراض الملاحة، الحجم الحقيقي للقارات، حيث يضخم المناطق القريبة من القطبين مثل أميركا الشمالية وغرينلاند بينما يقلص حجم أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي في مقابلة مع رويترز أمس الاثنين «الحجم الذي نراه للقارة الأفريقية على الكرة الأرضية... غير دقيق جغرافيا»، ودعا إلى اعتماد «الحقيقة العلمية». ولا يزال «إسقاط مركاتور» مستخدما على نطاق واسع، بما في ذلك في المدارس وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

وقالت موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمنظمة (أفريقيا بلا فلتر) إن «التمثيل الدقيق لا يقتصر على الخرائط فحسب، بل يتعلق أيضا بالقدرة على الفعل، والتقدم، وضمان أن يرى العالم أفريقيا على حقيقتها».

إعداد مشروع قرار للأمم المتحدة

وفي وقت سابق من هذا العام، اعتمد الاتحاد الأفريقي مشروع قرار يحث على اعتماد إسقاط (إيكوال إيرث) ويشجع دوله الأعضاء البالغ عددها 55 دولة على التخلي عن إسقاط مركاتور.

وقال دوسي «يتمثل التحدي المؤسسي في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد هذه الخريطة... ومن البديهي أن البلدان الأفريقية متجاوبة فعليا مع هذه المبادرة». وقال دوسي إن مشروع قرار يجري إعداده، ومن المرجح أن يُطرح للتصويت في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول. وأضاف أن طريقة تصويت الدول ستكشف عن «حقيقتها».

واعتمدت الأمم المتحدة الشهر الماضي قرارا قادته دول أفريقية يوصف الرق على أنه «أفظع جريمة ضد الإنسانية» ويدعو إلى دفع تعويضات. وامتنعت جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضد القرار.