علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

سيرة «هادئة» تستعيد الستينات العراقية الصاخبة

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»
TT

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

علي جعفر العلاق يفتح ذاكرته على «أمل النجاة من النسيان»

يفتتح علي جعفر العلاق سيرته الذاتية «إلى أين أيتها القصيدة؟ سيرة ذاتية» (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2022) بتبريز الصلة غير المعلنة، عندنا في الأقل، بين السلطة وتأسيس المدن، ربما الأفضل أن نقول إن الشاعر يدشن سيرته باستظهار الصلة الخفية بين تأسيس المدينة «واسط: بناها الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 78 هجرية وأتمها سنة 86 هجرية لتكون مقراً جديداً لجنده»، وحاجات السلطة لديمومة بقائها واستمرارها، وفي الطليعة منها، حاجة حكامها للاستبداد.
لكن «واسط» لم تكن، فقط، المدينة التي ابتلعت صرخات الجند والفلاحين على يد الحجاج، إنما هي، كذلك، سردية أخرى تعيدنا لمصائر المدن التي تظل محكومة بلحظة تأسيسها الأول. هكذا كانت واسط مقراً لجند الحجاج، وهي المدينة (السجن) التي مارس فيها الحجاج سلطته وشهواته العارمة نحو الاستبداد، مثلما تحكمت، في زمن آخر، لحظة التأسيس الأولى لـ«بغداد»، فكانت لحظة حرق الأساسات التي أمر بها مؤسسها، أبو جعفر المنصور، ليرى «بغداده» تاريخاً، أبدياً، يروي لنا الحكايات المختلفة عن المصائر التعيسة لبغداد، كما لو أنها تستعيد لحظة حرقها الأولى. لكن الاحتفاء بـ«واسط» المشبعة بالقمع والدماء يقابله تغييب جزئي لحاضرة «واسط» الحالية: الكوت «تأسست على الأرجح سنة: 694»؛ إذ يجري ذكر «الكوت» بصفتها قصة تتبع حكاية الشاعر الكبرى: قريته، أو أسطورته الأولى كما سيكتب في صفحات لاحقة من سيرته. لا احتفاء، إذن، إلا برغبة «الشاعر» بالاعتراف «هل يعني الاعتراف معنى الاحتجاج؟ لا أظن!»، ضد السلطة القامعة التي صنعت واسط، وهي سلطة مماثلة لأخرى شهد وعاش بطشها الشاعر ذاته في مراحل أساسية من حياته، فكان أحد «المتضررين»، بقدر ما، من إدارتها لملفات الثقافة.

سيرة ذاتية... أين الاعتراف إذن؟
لكن المفارقة أن السيرة لا تشهد اعترافات «أساسية» أو «صادمة» ضد السلطة القامعة، مثلاً، أو بعض مراتبها من «نخب» سياسية، أو ثقافية، أو حتى أدبية؛ ما دامت السيرة ذاتها تفتتح نصها بالغمز من قناة السلطة وتستعيد صراخات ضحاياها. لا أثر لهذا النوع من «المكاشفات» الجذرية سوى في نقطتين اثنتين، وبحدود ضيقة: حديث الشاعر، أولاً، عن جيله الستيني الصاخب سياسياً وثقافياً. ثمّ في حديثه، ثانياً، عن إدارته «المختلفة»، حقاً، لمجلة الأقلام العراقية الرائدة ذات التأثير الكبير على حركة الحداثة والتحديث الأدبي في العراق والعالم العربي كله. وهي، بهذا الوصف، ذاكرة أخرى للثقافة في العراق.
في استعادته لتجربة جيله الستيني الصاخب لا نجد تلك الرغبة المحتدمة، شأن شعرائه المشهورين بتأميم صخب الجيل ونسبته لكاتب «الشهادة» ولاتجاهه السياسي، كما حال سامي مهدي أو فاضل العزاوي. نحن هنا، إزاء سيرة تحاول، قدر المستطاع، أن تنأى بنفسها عن تلك الصدامات العنيفة بين قطبي ذلك الجيل المحتدم. ولعل لزمن كتابة السيرة، المتأخر على أي حال، دوره الفاعل في «تهدئة» النفس، ودفعها صوب التأمل الهادي لتجربة يصعب فيها فصل الثقافي عن السياسي. هي كذلك؛ منذ بداياتها الأولى، وليس ختاماً بمجلتها الشهيرة «69» وبيانها الشعري.
وظلت على حدتها، حتى بعد عقدين ويزيد، عندما جرى فتح الملفات مجدداً منتصف التسعينات؛ فكانت النتيجة أن جرى اختصار الجيل الستيني كله بعنوان مشبع باللحظة العابرة؛ فهو محض «موجة صاخبة»، فيما جعلها المقصي والخصم «الروح الحية».
فلا حدود وسطى، لا حياد يُعترف به. ظلت «سردية» الجيل المنتصر على سواه، لكن المنشطر على نفسه بين «داخل» تقلبت به أحوال البلاد بين ديكتاتورية لا حدود لبطشها وحروب لا تنتهي ثم حصار انتهى باحتلال البلاد، و«منفى» مطرود إلى أقصى الدنيا وممنوع من «العودة»، هي النسق المعلن والخفي، معاً، لأي «سيرة» تُكتب عن الجيل الستيني. حتى العلاق، صاحب هذه السيرة، وبرغم إشاراته الحذرة لهذه الحقائق، فإنه يعود ليؤكدها ويحاول، من ثمّ، أن يحيِّد شعره ووجوده الإنساني المتفرد؛ فهو يقول لنا إنه كان «ينمو» في مكان «بقعة» يحاذي الجيل الستيني. ولا سبب لهذا «التعفف» عن تصدر مائدة الستينيين سوى اثنين. الأول، يخص الشعر نفسه الذي رغب العلاق بكتابته والاختصاص به. وهو شعر يتقاطع مع الرغبة الجامحة للستينيين أنفسهم في الثورة على كل الأشكال الشعرية السابقة، لا سيّما ما يتصل منها بتجارب الرواد، مما يسميه العلاق نفسه بـ«الهرج الستيني الصاخب». ويتقاطع، كذلك، مع عمود الشعر العربي الذي تنتسب إليه قصيدة العلاق. والثاني شخصي يتصل بـ«التعفف» عما يمكن تسميته بالأسطورة الشخصية - الشعرية المبنية على نظام الشلل الحزبية أو الثقافية. فهل اختلف الأمر مع إدارة الشاعر لمجلة «الأقلام» الشهيرة؟

ذاكرة أخرى للثقافة في العراق
ربما تكون «شهادة» الشاعر علي جعفر العلاق الأولى في سياقها؛ إذ لم يسبق لي أن قرأت شهادة حقيقية يكتبها «شاعر» أو «كاتب» أو «مثقف» معروف تولى إدارة «مجلة» أدبية معروفة مثل «الأقلام» في حقبة البعث، وتأتي شهادته في سياق «كشف» حقيقة ما حصل. أكتب هذا الكلام وأنا أستعيد صرخات أحد الموقعين على البيان الشعري الشهير، وكان يعترض على كلامي في ندوة نظمتها إحدى كليات جامعة بغداد لمناسبة الميلاد الخمسين لمجلة «الأقلام» قبل سنوات. في وقتها، كنت أتحدث عن «الأقلام» بصفتها ذاكرة أخرى للثقافة في عراق مبتلى بالاستبداد وثقافته. لكن «شهادة» العلاق عن مجلة «الأقلام» أكثر من مجرد شكوى من «تطفل» أو «نميمة» مغرضة ضده شخصياً، أو حتى تقرير حزبي يُرفع مباشرة لوزير الثقافة آنذاك (لطيف نصيف جاسم)، بسبب ملف أدبي معروف بعنوان «الشاعر العربي الحديث ناقداً»، نُشر في أحد أعداد المجلة عام 1985، وتضمن مشاركة لأكثر شاعر عربي إشكالية، والمقصود أدونيس ولا شك، مع كمال أبو ديب؛ فهذا مما كان يحصل كثيراً، وربما بانتظام مذهل، في وسط ثقافي، عراقي أو عربي، يعتاش على النميمة الشخصية والحزبية. إنما لشهادة العلاق قيمة مضافة، تاريخية ذات ترميز عميق؛ فالعلاق هو ابن المؤسسة الثقافية العراقية، وإن شئت فقل: المؤسسات التي أعيد بناؤها في عهد البعث، وهي التي أحكمت قبضتها على مفاصل الثقافة العراقية في العقود الثلاثة الأخيرة حتى سقوط النظام واحتلال البلاد.
ولا أظن أن هذا التوصيف يضر شاعراً وناقداً مكرساً مثل العلاق؛ فهو قد تحول للعمل الوظيفي «الثقافي» في عهد البعث الثاني، وأكمل في عهده دراسته العليا بلندن، وأدار مجلة «الأقلام» (1984 - 1990) بتكليف من وزير الثقافة والإعلام. مثلما لا يضير العلاق قولهم إنه كتب شهادته بعد طرد صدام من الكويت «وهل كان هناك سبيل آخر غير الصمت أو الموت؟!»، ربما يؤخذ على العلاق صمته الطويل، حتى بعد خروجه من العراق مطلع التسعينات عن كتابة شهادته - سيرته، ولا بأس، فالسير الشخصية تُكتب لاحقاً، وهو الشاهد الحي على ما حصل في عهد إدارته لـ«الأقلام»، وفي بلاده حتى خروجه من العراق وإقامته الطويلة بعيداً عنه.
في النهاية؛ فإن السيرة تتضمن، لا سيّما في كلام الشاعر عن جيله الستيني وإدارته لمجلة «الأقلام»، إشارات نصية واضحة لتحكم السلطة بالثقافة وإدارتها لمؤسساتها، بل إن السيرة تقول الكثير ضمناً عن مثقفي السلطة، أو من صنعتهم وفرضتهم على المؤسسات والجامعات، ثم تسربوا خارج البلاد فصاروا يكتبون باسم «المنفى» والمعارضة الثقافية للنظام الذي صنعهم. لا يقول علي جعفر العلاق هذا الكلام بنصه، إنما يترك القارئ يستنتج كيف جرت محاربة فكرة الحداثة وتحديث الشعر والخطاب النقدي، كما حاولت مجلة «الأقلام» تقديمه بإدارة العلاق، وليس إقصاء كتاب أدونيس التأسيسي «الثابت والمتحول» من التداول النقدي في العراق سوى صيغة أولى وشائعة، أيضاً، للرقابة الصارمة، وبرغم ذلك، فقد ترك العلاق نفسه أن تواجه مشقة الصدام مع الممنوع.
وفي كل مرة، وكلما جرى الكلام في السيرة عن خراب البلاد، نستعيد دلالات افتتاح السيرة بمشهد الحلاج ومدينته واسط، كأن هذا الافتتاح «تميمة»، أو كناية عن أي مدينة «تصنعها» السلطة على مقاسها، تصنعها مرة وتخربها مرات.
خلال اللحظات الثلاث «السلطة - المدينة، جيل الستينات، مجلة (الأقلام)»، فإن السيرة تمضي هادئة؛ إنها حكاية عائد إلى قريته النائمة قريباً من دجلة، على مقربة من مدينة الكوت التي تمر على ذكرها السيرة سريعاً؛ وهي «عودة» متأخرة، أو استعادة لحياة مضت بعيداً عن بداياتها الأولى. لكنها سيرة أي عراقي، وربما أي عربي، عاش الظروف والحياة ذاتها. الفارق، فقط، في الاحترافية البالغة في كتابة السيرة؛ فالسيرة تبرع في الاقتصاد السردي، فيما يتصل بعرض المقاطع المثيرة الجاذبة لانتباه القارئ، لا سيّما ما يتصل منها بحياة ذلك الفتى الفقير النازح مع عائلته إلى بغداد من وسط العراق.
فلا نرى السيرة ساعية لتوريط القارئ في «تراجيديا» تعلِّق «الشاعر» بأمه، كما يحدث كثيراً في السرديات السيرية العربية، برغم أنه يذكر ويسرد أصول علاقته بأمه، لا سيّما موته بعيداً عنها، لكنه لا يجعلها «دراما» كلية ووحيدة. إنما يجري التركيز على سيرة الأب حتى لحظة موته. وأظن أن هذا التركيز يرجع لإغراءات سردية «الفقدان» المبكر والمؤسس للمسارات اللاحقة في حياة الشاعر.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.