ثقافة الانتظار لا تحب المعارك

بحلول منتصف القرن الـ20 أصبح الجدل السياسي محرماً والجدل الأدبي مكروهاً(2-2)

فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
TT

ثقافة الانتظار لا تحب المعارك

فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم
فرج فودة - سليمان فياض - صنع الله إبراهيم

بصرف النظر عن أهميتها أو مردودها الثقافي، يبدو القلق من غياب المعارك منطقياً ومشروعاً، فالحياة الثقافية التي تفقد وجهها الجدلي هي حياة في خطر.
ولا يمكن عزل المعارك الثقافية عن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تحدد قدرة الكاتب على الاستقلال، والتي تحدد كذلك درجة استقلال القنوات الحاملة للمعارك، وقد كانت الصحافة حتى وقت قريب الوسيلة الأهم في الحراك الثقافي؛ فحتى المعارك التي كانت تبدأ من كتاب سرعان ما تذهب إلى الصحافة.
ولذلك، فإن تاريخ المعارك الأدبية هو بالضبط تاريخ الصحافة. وإذا عدنا إلى جذور الصحافة في القرن التاسع عشر فسنجدها كانت في معظمها صحافة سجالية، لا يمكن فصل الثقافة عن السياسة فيها، بحكم أن النخبة المثقفة هي ذاتها النخبة السياسية، وقد دخلت الصحافة القرن العشرين تتنازعها اتجاهات سياسية مختلفة؛ بين وطنية تسعى إلى الاستقلال، وأخرى تتمسك بفكرة الخلافة، وثالثة تتبنى خطاب الاحتلال، وطبقاً لهذه التقسيمات كان اصطفاف الأدباء وكانت معاركهم بالدرجة الأولى قبل المعارك الفنية. كما كانت هناك الغارات التي تُشن ضد المفكرين بتحريض من السلطة ولصالحها في أحيان كثيرة.
كانت صحافة تلك الفترة مستقلة، وكان المجتمع في تلك الفترة ومن ضمنه مجتمع النخبة الثقافية، أقوى من السلطة. ومع ذلك كانت هناك مخصصات من الورق وإعلانات الحكومة التي تستطيع أن تمنحها أو تمنعها طبقاً لرضاها عن هذه الصحيفة أو تلك، وكان لهذا أثره في قيام وانهيار الصحف.
بحلول منتصف القرن العشرين تحولت أنظمة الحكم في دول الثقل الصحافي والأدبي: مصر والعراق وسوريا إلى جمهوريات عسكرية المنشأ، وبدأت المسيرة المعاكسة باتجاه نموذج دولة السلطة القوية والمجتمع الضعيف. وفي إطار هذا المسعى سيطرت السلطة على الصحف، وأصبح الجدل السياسي محرماً والجدل الأدبي مكروهاً، فخفت صوت المعارك الأدبية في كل دولة، حسب درجة السيطرة على المجال العام، وإلى جوار هذا كانت صحافة بيروت تتمتع باستقلالية أوسع بفضل ضعف السلطة فيها، ولكن بهشاشة أكبر بسبب عدم استقرار مصادر التمويل، وقد بدت هذه الهشاشة في السنوات الأخيرة عندما انقطعت خطوط الإمداد فتبخرت معه صحف بيروتية مهمة.
إذا اتخذنا من مصر حالة للتأمل، فلم تمض الأمور على وتيرة واحدة؛ ففي الطريق إلى الدولة الجديدة تساقط الكثير من المجلات الثقافية الكبيرة مثل «الرسالة» وما تبقى من صحف ومجلات تعرض للتأميم، ومن ضمنه «دار المعارف» التي لها في كل قلب عربي ذكرى، وعلى رفوف كل كاتب عربي كتب من إصداراتها، ثم فُرضت عليها مجلة «أكتوبر» التي استنزفتها.
بعكس بغداد ودمشق، اختارت القاهرة صيغة ملكية «نصف حكومية» للصحف المؤممة، فقد وضع المشرع تلك الصحف تحت ملكية «الشعب» وتمارس حقوق الملكية عليها هيئة شعبية هي «الاتحاد الاشتراكي»، ومع إنشاء مجلس الشورى في عهد السادات انتقل الإشراف على الصحافة إلى هذا المجلس النيابي، وقاد السادات عملية انفتاح سياسي شهدت انفراجاً في حرية القول محدوداً، كما شهدت تأسيس أحزاب أصدرت صحفها، وساهمت في صنع حيوية في النقاش الاقتصادي والسياسي، وتحديداً حول الانفتاح والصلح مع إسرائيل، وللمفارقة كانت مجلات وزارة الثقافة أقل حرية وتقف عثرة في وجه التجديد، الذي كان يأتي من اليسار، بينما تولى هذه المجلات نقاد من اليمين، وهذه المفارقة تستحق مقالاً وحدها، وتكشف عن عملية ثأر من اليمينيين لاستبعادهم في سنوات الناصرية!
كانت مسيرة تأميم الخطاب العام عبر تأميم الصحافة تالية لميلاد وزارة الثقافة «الإرشاد القومي» كان اسمها في البداية، ولنا أن نتأمل الاسم، ونشأت جوائز الدولة، ومؤسسة النشر الحكومية الكبرى «هيئة الكتاب» ولم يقتصر النشر على هذه الهيئة المتخصصة، بل أصدرت هيئات الوزارة الأخرى كتبها.
مضى النظام نحو القوة، واتجه المجتمع نحو الضعف. وأصبح الكاتب على أرض السلطة يرى وجهها أينما اتجه. ينشر كتابه في دار حكومية ويُنقد في صحيفة حكومية والجائزة ستمنحها جهة حكومية. وأخذت الحكومة تبتكر مع الممارسة تعديلات جديدة في إجراءات منح الجوائز حتى صارت أغلبية المصوتين فيها من موظفي وزارة الثقافة، وأدمنت تلك الجوائز الاختيارات الخطأ، وتغليب الموالاة السياسية حتى انتهت اليوم إلى أن أحداً لا يتذكر موعد تلك الجوائز باستثناء الموعودين بها!
ولأن الحياة تأبى الفراغ، فقد استمرت المعارك الأدبية محدودة الخطر، تتكرر بشكل دوري، مثل جدل الفصحى والعامية، جدل الأجيال الشعرية، وقضية «الالتزام في الفن» التي يتمسك بها اليسار في مقابل نظرية «الفن للفن» التي حمل لواءها رشاد رشدي. ومن يراجع قضية كهذه الآن لا يعرف هل كان ما ينادي به رشاد رشدي انحيازاً فنياً صرفاً أم داخله دعم للتحول السياسي من خط عبد الناصر إلى خط السادات، وما مدى تمسكه برؤيته؛ لأنه في بعض مساجلاته يعود فيقر بأن الأدب لا يمكن أن يخلو من الوظيفة الاجتماعية.
لم ينفصل الجدل الثقافي عن الحالة السياسية بأي حال، أو لنقل لا ينفصل عن توازن القوة بين النظام والمجتمع. هذا سيجعلنا نتذكر هبَّات ثقافية قليلة معطوفة على أحداث سياسية. أولها عندما تجمع عدد من أدباء جيل الستينات وأصدروا مجلة «جاليري 68» المستقلة، وشارك بها اثنان من الكتاب العرب هما: غالب هلسا ومحمد الشارخ، وصدر منها 8 أعداد بين عام 1968 وعام 1971، ولنلاحظ التوقيت بعد الهزيمة العسكرية المروعة، توقفت المجلة بسبب التمويل في العام نفسه مع مجلة «سنابل» التي صدرت عام 1969 وصودرت في عام 1971، ثم كانت بعد ذلك حركة مجلات «الماستر»، فقيرة الطباعة منتصف السبعينات ممثلة في «إضاءة 77» و«أصوات»، وكانتا تمثلان جماعتين شعريتين من شعراء السبعينات، جاءتا بعد مرحلة من الغضب بسبب عدم الحسم في الحرب وانهيار المشروع القومي، وما صاحب ذلك من انتفاضات من يناير (كانون الثاني) 1972 وحتى انتفاضة الخبز 1977، كانت هذه هي الأجواء التي تفتحت فيها عيون هؤلاء الشعراء، لكن مجلاتهم كانت رداً على سيطرة اليمين على مجلات الدولة، ووقوف هذا اليمين في وجه التجديد.
وبعد انتهاء الحقبة الناصرية بتيارها الواحد، والحقبة الساداتية في الاتجاه المعاكس، دخلت مصر مع بداية الثمانينات إلى مرحلة مبارك الأطول عمراً من سلفيه، وتميزت السلطة فيها بالحذر وتحسس الخطى، والعمل على تفتيت الحجر ببطء من خلال انتظام نزول قطرات الماء عليه.
فاروق حسني أطول وزراء الثقافة المصريين عمراً في منصبه أعلن بصراحة إنجاز وزارته «إدخال جميع المثقفين إلى الحظيرة»، وبعد ذلك بسنوات كان رفض صنع الله إبراهيم المدوي لجائزة الرواية العربية عبر بيان سياسي ناري على مسرح حفل ختام مؤتمر الرواية العربية عام 2003.
لا يُعدم الاستقلال بالطبع في أي زمان، لكن صار ثمنه مكلفاً، وسط مناخ ثقافي لا يطلب من الكاتب سوى الرضا والانتظار، وفي ظل هذه السكونية بُنيت قداسات أدبية وثقافية ترتكز على السن والدماثة وعدد الجوائز التي فاز بها الكاتب أو المفكر، لا أحد يستطيع الإساءة إلى هذه المقدسات، لكن الزمن يستطيع بإسقاطه كتاباتها.
في كل الأحوال، بدا عنف الحوار الثقافي على صفحات الصحف والمجلات شيئاً من الماضي، وانتقلت الاتهامات الكبيرة إلى المشافهة في جلسات النميمة بين الأصدقاء أو في كتابات مرموزة كما في كتاب سليمان فياض «كتاب النميمة... نبلاء وأوباش»، وقد حظي الكتاب بترحيب سري شديد وتجاهل علني.
في المقابل، فإن الغارات على الأدب والفكر من خارج الجماعة الأدبية تحكمها آليات أخرى، لذلك لم تتوقف. وقد عادت في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين كأحد تجليات الصراع بين المجتمع الضعيف (غير المحصن ثقافياً) والنظام الضعيف!
وهي غارات خطرة تتجاوز غارات النصف الأول من القرن العشرين التي كانت محصورة في تجريدة من النخبة الدينية ضد فرد أو تيار من النخبة الأدبية. صارت للاتجاهات المتطرفة قوى على الأرض، تنفذ مشيئتها.
بعض الهجمات كانت موجهة ضد الكاتب نفسه، مثل اغتيال فرج فودة 1992، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ 1995، وبعضها بدأ اختبار قوة مع النظام السياسي مثل أزمة تكفير نصر حامد أبوزيد في العام نفسه التي استخدم فيها التيار الديني كل الأسلحة من الخطب على المنابر والكتابة في الصحف والقضاء، حيث صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس في دعوى حسبة ومظاهرات في الشارع، ولم تضع هذه الأزمة نصر وحده في دائرة الخطر، بل أبرزت عجز النظام عن حمايته وتسلل التطرف في مؤسسات الدولة، بالمظاهرات.
وهناك موجة من التجريدات ضد الكتب، هجمتان منها استهدفتا «ألف ليلة وليلة»، أولاهما عام 1995 ضد الناشر محمد رشاد صاحب «الدار المصرية اللبنانية»، والثانية ضد «هيئة قصور الثقافة» عام 2010، وهي الهيئة التي كانت من قبل هدفاً لمظاهرات عارمة ضد نشرها رواية حيدر حيدر «وليمة لأعشاب البحر» 1999، وبعدها أزمة الروايات الثلاث، التي صدرت عن الهيئة ذاتها عام 2001.
من بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حتى اليوم، صار الوضع مختلفاً عن كل ما سبق. وقد تداعى على الساحة الأدبية والفكرية حصار القديم والجديد: ثقافة الرضا والانتظار التي تعد بها الجوائز، ترسخ وسائل التواصل التي ولدت في العقد الأول من القرن، حتى صارت في العقد الثاني بديلاً عن الصحافة، ويستطيع كل القراء أن يبدوا آراءهم في الكتب والكتّاب، ويستطيعون تشكيل حركة النشر. هذه الوسائل الجديدة بوابة من دون حراس، والكاتب فيها «خبير متطوع» يكتب وينشر في الحال، بعكس الكتابة في الصحف التي تمر عبر حراس بوابات وتوجد فرص للتراجع عن رعونة أو خطأ بين كتابة المقال ونشره. ومع ذلك لا يأتي الخطر من معارك التواصل الاجتماعي بقدر ما يأتي من صلتها بثقافة الرضا والإرضاء؛ فمنشورات المديح المجاني أكثر من منشورات الذم، والحفلات أكثر من المعارك.
شخصياً، لست ممن يتحسرون على غياب المعارك، ولست متأكداً من دورها، لكن المؤكد أن هذا القدر من الاحتفالات يجافي روح الإتقان والتقدم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».