صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

احتفل مع المستعرب ريشار جاكمون بالترجمة الفرنسية لـ«الجليد»

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
TT

صنع الله إبراهيم: أعجز عن كتابة الحاضر في رواياتي

صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون
صنع الله إبراهيم (يسار) والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون

في أمسية بعنوان «أنوار الشرق الأوروبي»، شهد المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة احتفال الأديب المصري صنع الله إبراهيم والمستعرب الفرنسي ريشار جاكمون، بصدور الترجمة الفرنسية لروايته الصادرة أخيرا «الجليد» Le Gel وعن دار نشر «أكت سود» Actes Sud الفرنسية العريقة، وكذلك بأحدث رواياته «برلين 69» والصادرة عن دار الثقافة الجديدة 2014.
استهلت الأمسية بعزف منفرد على العود للفنان السوري محمد قدري دلال، وقراءة عربية وفرنسية لمقتطفات من الروايتين. وكانت الأمسية أشبه بجلسة حوارية ما بين الكاتب ومترجمه، حوار بين ثقافتين مختلفتين في حالة تجاذب وتنافر: الثقافة الفرنسية ممثلة بالمستعرب المخضرم جاكمون الذي ترجم لصنع الله 8 روايات، والثقافة المصرية ممثلة في الروائي صنع الله.
في البداية، تحدث صنع الله إبراهيم عن علاقته بالمترجم ضاحكا: «علاقتنا أشبه بعلاقة الزواج، فقد تعرفت إلى جاكمون منذ 28 سنة وطوال الوقت تدور بيننا حوارات كثيرة رغم تعصبه لفرنسيته وتعصبي لمصريتي، فإنه كانت هناك مساحة كبيرة جدا من التفاهم، فكلانا يتقبل الانتقاد، نختلف أحيانا.. وقد يذهب لترجمة أعمال آخرين لكن العلاقة كعلاقة الزواج، فهو يعود لي مرة أخرى. ومن حسن حظي اهتمامه بترجمة أعمالي لأنه يفهم المشهد المصري جيدا بحكم إقامته في مصر نحو 20 سنة».
أما جاكمون فقال: «يتميز صنع الله بأسلوب خاص في الحقل الأدبي المصري المعاصر، فهو يأخذ القارئ إلى عواصم العالم ويجعله يعايش إيقاع الحياة فيها. فهو كتب 6 روايات من 13 رواية تدور أحداثها خارج مصر، ما بين لبنان، وأميركا، وفرنسا، وسلطنة عمان، وروسيا، وألمانيا». وكان جاكمون قد ترجم أيضا أعمالا لكتاب مصريين آخرين، من بينهم: لطيفة الزيات، ونجيب محفوظ، ومي التلمساني، وأحمد خالد توفيق، ومجيد طوبيا، وغيرهم. تطرق جاكمون في الأمسية لأساليب السرد عند صنع الله، مشيرا إلى تنوع أساليبه ما بين الأسلوب الموضوعي للسارد الذي يعيش الأحداث والذي اتضح جليا في أول رواية له «تلك الرائحة» التي تجسد مرحلة حرجة في تاريخ الدولة المصرية، لكن قام صنع الله بتطوير أسلوب آخر يقوم على السخرية في رواية «الجليد».
لكن السؤال الذي ظل محيرا له أثناء قراءته لأدب صنع الله هو: لماذا اختار عددا من عواصم العالم مسرحا لأعماله؟ ولماذا التباعد بين فترة المعايشة والكتابة الروائية؟ فقد كتب صنع الله «الجليد» بعد 40 عاما من سفره إلى روسيا لدراسة السينما، وكذلك الحال مع «برلين 69» التي ذهب إليها في ستينات القرن الماضي وصدرت أواخر 2014.
وهنا أجاب صنع الله مفسرا السر وراء هذا الفارق الزمني الكبير: «لست ماكينة لكتابة الروايات، هناك ظروف لتناول موضوع معين ترتبط بالمزاج النفسي والظروف الشخصية والسياسية والأحوال العالمية. وأنا لست من الكتاب الذين يزورون مكانا معينا للكتابة عنه، لكنني أكتب من وقع حياتي العادية، وساعدتني طبيعتي الشخصية حيث، كنت دؤوبا في توثيق أحداث الحياة اليومية، سواء في مصر أو في أي بلد زرته. أسجل أفكاري ومشاعري والأسئلة التي تطرأ على ذهني وأحاول البحث عن إجابة لها، وقد أحتفظ بقصاصات من الصحف والمجلات بلغة البلد التي زرتها، فضلا عن الجرائد المصرية، وأودعها صندوقا. صندوق رحلة موسكو» مثلا، وقد أجد بعد عدة أشهر رغبة في الكتابة عن تلك الفترة أو بعد عدة سنوات».
ويفسر صنع الله سبب الكتابة عن حقبة الستينات في روايتي «الجليد»، و«برلين 69» في هذا التوقيت بالذات: «ربما هو إحساس بالعجز عن الكتابة عن الحاضر، ولا أعلم حقيقة لماذا لم أكتب عن سنوات الثورة المصرية حتى الآن، ربما لأنها مبهمة! أو لأن المأساة كانت أكبر مما أحتمله! ربما لم أنفعل بالقدر الكافي مع أحداث الثورة؟!».
واستطرد: «شعرت بضرورة الكتابة عن تجربتين للنظام الشيوعي لتحقيق أفكار خاصة بتغيير وضع البشرية، ورغم أن هذا النظام لم ينجح في تحقيق المساواة، فإنني شعرت بأهمية الكشف عن الدروس المستفادة من التجربتين الروسية والألمانية، وهي دروس تهمنا هنا في مصر.
الوضع في مصر يتلخص بالنسبة لي في كلمتين موجزتين (الثورة مستمرة)، لا أعلم كيف أكتب عن شيء مستمر؟ فالرغبة في التغيير الاجتماعي والتمرد على الواقع لن تتوقف إلى الأبد، وربما هذا كان دافعي في تأمل التجربتين الروسية والألمانية في السنوات الخمس الأخيرة!».
ولفت إلى أنه رغم أن روايتي «الجليد» و«برلين 69» متشابهتان في الأجواء والزمن الروائي فإن الفارق كبير جدا في البناء الروائي لكل منهما، فالأولى كتبت بشكل ساخر، أما الثانية فكتبت بشكل تقريري.
ولفت صاحب «ذات» إلى مفارقة روائية أخرى وفارق زمني آخر حدث مع رواية «التلصص» التي شرعت في كتابتها منذ أكثر من 40 عاما في سجن الواحات، لكنه احتفظ بقصاصات الورق حتى جاءت لحظة وجد نفسه يعود لتلك الوريقات وبدأ في استكمالها.. «إنها اللحظة التي عايشت فيها إحساس شخصية الأب في الرواية حينما بلغت نفس مرحلته العمرية».
وبأسلوب النقد الذاتي، أشار صاحب «يوميات الواحات» إلى أنه حينما بدأ الكتابة الروائية كان يكتب بأسلوب الراوي العليم بكل شيء، لكنه وجد أنه لا يود الكتابة بتلك التقنية، وتحول للكتابة بالفعل المضارع، رغم صعوبتها، لاجئا إلى الجمل القصيرة أحيانا والجمل الطويلة أحيانا أخرى.
وذهب صاحب «أمريكانلي» إلى أنه لا يتعمد دس عناوين الجرائد والوثائق في رواياته. وعلى الرغم من أنه لا يرى ضيرا في وصف أسلوبه بـ«الوثائقي»، فإنه يرى أن التوصيف الأدق هو «التضميني»، مشيرا إلى أن تقنية «التضمين» متعارف عليها في الأدب الغربي منذ قرون، كما استعان بها غالب هلسا الكاتب الأردني حينما وثق لمقولات من إذاعة القاهرة تعكس معايشته لمصر حينما استقر بها لفترة.
وحول ما إذا كان سيستمر في اللجوء إلى تقنية «التضمين» في رواياته المقبلة «التي ستعد مفاجأة لقرائه» قال: «لم تعد هذه الطريقة مغرية، ربما لأن الجرائد لم تعد مصدر الخبر! أو لأنني أصبحت أفضل الابتعاد عن عناوين الجرائد التي أصبحت باهتة لا تثري أي مخيلة، كما أنني لا أحب أن أكرر أسلوبي».
تجدر الإشارة إلى أن رواية «الجليد» التي صدرت عام 2010 عن دار الثقافة الجديدة، كانت قد صدرت في شكل سلسلة في إحدى الجرائد المصرية، قبيل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وهي تدور حول تجربة أكاديمي مصري في العاصمة الروسية موسكو، يقيم في بيت الطلبة ويحتك بهم وبأفكارهم التي تعكس التيار اليساري. يكشف صنع الله من خلال تجربته الشخصية عن مفاسد النظام الشيوعي وأسباب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

* رواية عن الانهيار السوفياتي وأخرى عن عرب ألمانيا
* رواية «الجليد»، صدرت عام 2011 عن دار الثقافة الجديدة، و«الجليد» في الرواية كناية ترمز للحياة السوفياتية في مطلع عقد السبعينات، قبل أن تنشق وتذوب وتنهار في أضخم سقوط آيديولوجي شهده التاريخ المعاصر، يرصدها صنع الله إبراهيم من منظور مرهف ومحكم لطالب دكتوراه مصري، يقيم في بيت الطلاب في موسكو، ويكتب ما يشبه يوميات، بذكاء ملحوظ.
أما روايته الأحدث «برلين 69»، تقع في 260 صفحة من القطع الصغير، فصدرت عام 2014 عن دار الثقافة الجديدة بالقاهرة، وهي الرواية الخامسة عشرة في مسيرة الكاتب الروائية، وتعالج أحداثها أحوال العرب في ألمانيا الشرقية في نهاية الستينات، وأحوال الألمان الشرقيين أنفسهم في الفترة نفسها.
* صنع الله إبراهيم
روائي مصري كبير، من أهم الأصوات الروائية التي تنتمي إلى ما عرف بجيل الستينات الأشهر، يتميز بالجسارة والقدرة على اختراق عوالم السياسة بجهاز آيديولوجي مركب وحس فني رفيع، كرس أسلوبا توثيقيا في الكتابة السردية منذ عقود، وأخذ يضيف تنويعات إبداعية عليه في كل تجربة جديدة، لديه مزج بديع بين العام والخاص مع الاحتفاء بالتفاصيل. من أشهر أعماله الروائية:
«تلك الرائحة»، «اللجنة»، «نجمة أغسطس»، «بيروت بيروت»، «ذات»، «وردة»، «شرف»، «القانون الفرنسي».
* ريشار جاكمون: سيرة
* أستاذ الأدب العربي بجامعة إكس أنبروفانس الفرنسية، وكان مسؤولا عن قطاع الترجمة بالمركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة. ترجم الكثير من الأعمال العربية إلى الفرنسية. صدرت أولى ترجماته إلى الفرنسية لرواية «دوائر عدم الإمكان» لمجيد طوبيا عام 1985 ونال الدكتوراه عن أطروحته «الحقل الأدبي المصري» عام 1999 التي يدرس فيها المجال الأدبي لمصر من الناحية السوسيولوجية، وترجمها إلى العربية بشير السباعي تحت عنوان «بين كتبة وكتاب»، ومن خلالها عرف القراء العرب الباحث والمترجم الفرنسي ريشار جاكمون، وعن طريقه عرف الفرنسيون الكثير من الأدباء العرب والمصريين الذين قام بترجمتهم للفرنسية، مثل صنع الله إبراهيم، محمد برادة، محمود الورداني، لطيفة الزيات وغيرهم.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.