حين ترى بأذنك... «سوف أجد طريقي إلى البيت»

رحيل الملحن اليوناني الشهير فانجيليس رائد الموسيقى الإلكترونية

الملحن اليوناني الراحل فانجيليس
الملحن اليوناني الراحل فانجيليس
TT

حين ترى بأذنك... «سوف أجد طريقي إلى البيت»

الملحن اليوناني الراحل فانجيليس
الملحن اليوناني الراحل فانجيليس

رحل فانجيليس صانع العوالم بالنَغمات. في 17 مايو (أيار) 2022 الماضي، همد قلبه الذي طالما لاحق إيقاع الكوكب. توقف خفقانه في باريس فجأة مثلما خفق فجأة في 29 مارس (آذار) 1943 قلب الطفل العابث المتمرد إيفانجيلوس أوديسياس باباثناسيو في بلدة أغريا اليونانية.
حضر إلى الحياة مصطحباً معه ألحانه وأصواتها، جاء كرزمة موسيقية كاملة متكاملة.
مذ كان في السادسة من عمره، رفض فانجيليس تعلم الموسيقى وكتابة النوتات في المعاهد المختصة، لأنها «تعيق إبداعي فالإبداع لا يُدرس»، كما قال الرجل الذي لم يكن يكتب ويجرب موسيقاه أبداً، فقد كانت الألحان تتدفق مباشرة من عقله إلى أذن السامع! «عندما ألحن، أعزف الموسيقى في الوقت نفسه، ولذا كل شيء يكون مباشراً كالبث الحي. لا شيء مبرمجاً مسبقاً».
وعلى حد قوله أيضاً، لأن «الموسيقى تأخذنا إلى أماكن لا تستطيع الكلمات الوصول إليها».
كانت مدرسة ذلك المبدع الاستثنائي هي الطبيعة، وأطلق لمخيلته العنان في رسم عوالمها نغمة نغمة. يلعب بمفرده على لوحات مفاتيح العزف وأجهزة المزج الموسيقي، بينما تندفع قدماه من دواسة إلى أخرى. رجل غامض، مرح، قوي البنية، ذو شعر طويل منسدل على الكتفين ولحية كثة. الوصول إليه متعذر. منعزلاً في استوديوهاته يستكشف عالم الأصوات... هذه كانت صورته في المخيلة بالعقود الأخيرة على الأقل.
افتتن بمعلمته الطبيعة فذهب عقله نحو استكشاف الأرض والمحيطات والفضاء والإنسان والحيوانات والمادة والروح، فتننا بتصويرها بريشة أنغامه. قلة من المبدعين نجحوا في التوفيق بين التجاري والقيمي، والوجداني والعلمي، والأرضي والسماوي، والمألوف والغريب. كان تواقاً إلى خلق أسلوب موسيقي خاص به. شغوفاً باكتشاف أصوات جديدة ومعرفة طبيعة الأصوات من حوله.
اهتم مبكراً في ريعان الطفولة بالموسيقى وجرب الصوت عن طريق قرع الأواني والأسطح وطرق المسامير وأصوات الطبيعة والكائنات، بدأ في العزف في السنة الرابعة وقدم أول حفل موسيقي له على البيانو في السادسة.
ثم حمل كل آلاته وأدواته والأصوات التي جناها من تجاربه إلى الأعمال المصورة.
في موسيقى مسلسل «رؤى الحيوان»، دمج الأصوات الإلكترونية بالطبول ورسم الغابة بالصوت في أذهاننا. وحين حضر الإضرابات الطلابية في باريس في ١٩٦٨ وانخرط بين جموع المتظاهرين، خرج منها بوثيقة صوتية لأعمال الشغب وأصوات الإنذارات والرصاص وصرخات المناضلين والهاربين من أعمال القمع.
أصدر ألبوم «الأرض» الشهير واستلهم الألحان من أنغام بيزنطية وأشرك الآلات النحاسية في الجوقة. ثم أنتج ثنائية «الجنة والجحيم» التي عزف مقطوعاتها وحيداً.
أصدر الموسيقى التصويرية لفيلم «مهرجان البراري»، فنقلت أنغامه نبض براري القارة السوداء وسهوبها، حين مزج الموسيقى الأفريقية بالغربية بطريقة مثالية.
خرج من كوكب الأرض بألبوم «البيدو 0.39»، ليكتشف المجهول في الكون والنجوم ومجاهل الفضاء الخارجي. وعاد إلى الأرض شارحاً حركة الكون والفلسفة الطاوية بألبوم «لولبي» والمقطوعة العبقرية التي لا تنسى «إلى الرجل المجهول».
يعود أدراجه إلى جذوره في اليونان ويطرح ألبوم «قصائد» الذي احتوى على أغانٍ شعبية مغمورة ذاعت واشتهرت بعد ذلك. ومن الشعبي إلى الغرائبي يطرح ألبوماً سماه «أراك لاحقاً» سخِر به من المجتمع المعاصر وموضة العزلة ووظف أصواتاً جديدة تناسب فكرة الألبوم الخلاق!
وسبر أغواراً جديدة في ألبوم «نظام الكون»، وكان عبارة عن موسيقى تصويرية للمسلسل الأميركي الشهير الذي أعاد إشعال الاهتمام الجماهيري بالعلوم مع العالم الشهير كارل ساغان. وكانت الموسيقى أحد أهم أسباب شهرة البرنامج.
في 1981، حدثت سابقة في تاريخ السينما: نجحت الموسيقى التصويرية لفيلم «عربات النار» في تقديم مجموعة من العدائين الشباب في حركة بطيئة على شاطئ اسكوتلندي كئيب تتسارع مع تسارع اللحن مدعوماً بالإيقاع، ويتسارعان أكثر فأكثر كالعدائين، فتلتهب المشاعر وتسمو الروح إلى أقاصي الإحساس بالنصر.
كان فانجيليس أول فنان يضع موسيقى أوركسترالية كاملة لفيلم مستخدماً فقط أجهزة إلكترونية. وحلت حينها الأسطوانة في المرتبة الأول في أميركا ونالت جائزة الأوسكار. كانت تلك الموسيقى هي بطلة الفيلم الفعلية، إذ ربطت المشاهدين وجدانياً بالأبطال، فشكلت عنصراً درامياً لا يختلف عن المؤدين.
صوّر فانجيليس حياة بيكاسو الرسام بالموسيقى، رسم الرسام بالألحان! ثم حاك لنا المشاعر الإنسانية الدامية ومعاناة الفقدان في فيلم «مفقود». خبأ شيئاً ما في ثنايا تلك المقاطع يأخذنا إلى معنى جواني نشعر به ولا نفهمه. يعود بعد ذلك لينشر أغنية «سوف أجد طريقي إلى البيت» وتصبح الأولى في أوروبا!
ويكتب بالموسيقى قصة «القارة القطبية» وحكاية البعثة اليابانية عام 1958 وظروف المناخ في القارة المتجمدة، لنرى بآذاننا جبال الجليد تتكسر.
ويتحدث فانجيليس عن علاقة المخلوقات متناهية الصغر بالطبيعة في موسيقى «مهرجانات التربة»، ويغوص أكثر إلى الجسيمات الأولية للمادة وما لا يرى بـ«روابط غير مرئية».
في 1992، أنجز المقطوعة الملحمية «غزو الجنة» الموسيقى الأبرز في تاريخه لأكثر الشخصيات التاريخية شهرة، وهي كريستوفر كولومبوس. وتزامن الفيلم مع الذكرى 500 لأولى رحلات كولومبوس لفتح العالم الجديد. تجعلنا الموسيقى نحلق فوق الأرض البكر (أميركا) فكأننا نكتشفها للمرة الأولى. وهو ما جعل المخيلة تسرح بعيداً حتى ذاك الزمن البسيط جداً والموغل.
توالت الاكتشافات الموسيقية من «أصوات» الحياة الليلية إلى «كافافيس» الشاعر اليوناني.
وفي مهرجان كان عام 1996، ظهرت لنا المياه من خلال الألبوم الشهير «المحيطات» الذي حاول فيه سبر أغوار الأعماق المائية وحلم الإبحار إلى شطآن بعيدة.
في نهاية التسعينات كان كوكب المريخ الأحمر في أقرب موقع له من الأرض منذ أكثر من عقد، فابتكر له مقطوعة بعنوان «ميثودا» في معبد الرب الأولمبي زوس؛ بعد ذلك الحفل حظي بلقب «فارس فرقة الشرف».
ثم ثبت أن فانجيليس مبدع يتغذى من روح الكوكب بأسره حين طلبت منه اللجنة المشرفة على كأس العالم 2002 تأليف موسيقى تليق بالحدث الجديد - أول كأس عالم في خارج أوروبا وأميركا - في كوريا الجنوبية واليابان. فألف مقطوعة نشعر من خلالها بوحدة العالم، وغدت الأسطوانة الأكثر مبيعاً في البلدين المضيفين.
بعدها بسنوات ألف الموسيقى الملحمية لأشهر ملوك الأرض «الاسكندر» بنهج يلائم تلك الأزمان البعيدة.
في 2018، عندما توفي عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكينغ، ألف فانجيليس تأبيناً موسيقياً لدفنه لا تزال وكالة الفضاء الأوروبية تبثه في الفضاء.
نال الكثير من الجوائز العالمية الكبيرة لكن التكريم الأرقى لهكذا قامة خلاقة هو أن كوكباً يدور في مكان ما بين المريخ والمشتري أسمته «ناسا» – 6354 فانجيليس – سيحمل اسمه إلى الأبد. فعندما يموت شخص مثل «فانجيليس» فإن طيفاً جميلاً وحيوياً لن يتكرر يختفي من حياتنا، لذلك سيكون الحزن حالة الجماعة الكونية والكائنات التي تحدث عنها وتحدثت إليه وحده بالنيابة عنا.
* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».