«بيم آيز»... محرك بحث عن الوجوه للجميع وبدقة «مقلقة»

مجموعة الحقوق الأوروبية الرقمية تصفه بأنه «برنامج مصمم للتجسس»

«بيم آيز»... محرك بحث عن الوجوه للجميع وبدقة «مقلقة»
TT

«بيم آيز»... محرك بحث عن الوجوه للجميع وبدقة «مقلقة»

«بيم آيز»... محرك بحث عن الوجوه للجميع وبدقة «مقلقة»

«بيم آيز» خدمة مدفوعة تبحث في شبكة الإنترنت عن صور لأحدهم... حتى لو كان الشخص لا يحبها أو لا يعرف بوجودها. وعن خدمته، يقول مالكها: «نحن فقط مزودون لهذه الأداة».
يقدم موقع «بيم آيز» PimEyes، مقابل 29.99 دولار في الشهر، للمستخدمين قوة خارقة وخطيرة من عالم الخيال العلمي: القدرة على البحث عن وجه، والعثور على صور مزعجة ربما كانت لتبقى آمنة لولا دخوله إلى الكومة الرقمية الهائلة الموزعة في أرجاء شبكة الإنترنت.
- صور الوجوه
يتطلب البحث بواسطة هذا الموقع بضع ثوانٍ. إذ يحمل المستخدم صورة وجه وينقر على مربع يوافق فيه على شروط الخدمة، ومن ثم يحصل على مجموعة من صور الوجوه الشبيهة بالوجه الذي حمله، مع روابط تشير إلى مواقع ظهور الوجوه على الشبكة. وقد استخدمت صحيفة نيويورك تايمز موقع «بيم آيز» للبحث عن صور 12 من صحافييها بعد الحصول على موافقتهم بهدف اختباره.
نجح الموقع في العثور على صور كل واحد منهم والبعض منها لم يرها الصحافيون من قبل، حتى أنه وجد أولئك الذين كانوا يرتدون نظارة شمسية أو قناعا، أو كانت وجوههم شائحة عن الكاميرا في الصورة التي استخدمت للبحث.
وجد «بيم آيز» مثلاً صورة لصحافية وهي ترقص في مناسبة في معرض للفنون قبل عشر سنوات، وأخرى تبكي فيها بعد تلقي عرض زواج، وصورة لم تحبها ولكن مصورها اختارها للترويج لصفحته على موقع «يلب Yelp». ووجد موقع البحث أيضاً صورة لأحد الصحافيين في شبابه بين الجموع في مهرجان كوتشيلا عام 2011، وظهر مراسل أجنبي في صور كثيرة من حفلات زفاف واحتفالات صاخبة بالإضافة إلى صورة بخلفية غير واضحة التقطها له أحدهم في مطار يوناني عام 2019. وأيضاً، كشفت صور البحث الحياة السابقة لصحافي في فرقة موسيقية، والملاذ المفضل لآخر في أحد المخيمات الصيفية.
وعلى عكس «كلير فيو إي.آي.»، أداة التعرف على الوجه المتوفرة لقوات إنفاذ القانون حصراً، لا يقدم عمل «بيم آيز» نتائج من مواقع التواصل الاجتماعي. جاءت بعض نتائج «بيم آيز» المفاجئة من مقالات إخبارية وصفحات تصوير الأعراس ومواقع تقييم ومدونات ومواقع إباحية، وكان معظمها مطابقاً لوجوه الصحافيين المشاركين. وجاء معظم الصور النسائية الخاطئة من المواقع الإباحية ما أثار بعض البلبلة والقلق من فكرة نسب الصور لهن (ولكنها لم تكن كذلك).
- رصد الأشخاص
في هذا السياق، قال مسؤول تنفيذي تقني طلب عدم الكشف عن هويته إنه يستخدم «بيم آيز» بشكل منتظم لتحديد هوية الأشخاص الذين يضايقونه على تويتر ويستعملون صورهم الحقيقية في حساباتهم وليس أسماءهم الحقيقية. وكشف مستخدم آخر، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، أنه يستخدم الأداة لتحديد الهوية الحقيقية لممثلات الأفلام الإباحية، وللبحث عن صور واضحة لأصدقائه على فيسبوك.
وصرح الأكاديمي جيورجي غوبرونايدز (34 عاماً)، مالك «بيم آيز»، أن الاعتداءات السيبرانية الروسية على بلده الأم، جورجيا، أشعلت اهتمامه بالتقنية المتقدمة. وقال إنه يعتقد أن «بيم آيز» يمكن أن يستخدم للخير ومساعدة الناس على مراقبة سمعتهم الإلكترونية. وقد منحت هذه الأداة مثلاً الصحافية التي لم تحب صورتها التي استخدمها المصور فرصةً لتطلب منه إزالتها عن صفحته على «يلب».
ويلفت غوبرونايدز إلى أنه يفترض بالمستخدمين الاستعانة بموقعه للبحث عن وجوههم فقط أو عن وجوه أشخاص حصلوا على موافقتهم، مضيفاً إلى أنه يعول على أن يتصرف الناس «بشكل أخلاقي» لحماية قدرة التقنية على الحفاظ على الخصوصية من التآكل على المدى الطويل.
ولا يتضمن «بيم آيز» أي ضوابط تمنع المستخدم من البحث عن وجه أحد غيره، فضلاً عن أنه يقترح على المستخدم دفع رسوم لمنع الصور المزعجة من ملاحقته للأبد. ولذلك وصفت إيلا جاكوبووسكا، مستشارة السياسات في مجموعة «الحقوق الأوروبية الرقمية» المعنية بحماية الخصوصية، هذه الأداة «ببرنامج صمم للتجسس مهما قال صانعوه».
- وسيلة ابتزاز
قبل بضعة أشهر، جربت مهندسة الكومبيوتر شير سكارليت موقع «بيم آيز» لأول مرة، فاصطدمت بفصل من حياتها حاولت جاهدةً أن تنساه. ففي عام 2005، كانت شير فتاةً مفلسة في التاسعة عشرة من عمرها، وفكرت بالعمل بالمحتوى الإباحي، وسافرت إلى نيويورك لتجربة أداء حيث تعرضت للكثير من الإهانة والإساءة، ما دفعها للعدول عن الفكرة.
ولكن «بيم آيز» حفر عميقاً واستخرج هذه الصدمة التي مضى عليها عقود من الزمن مع روابط توضح مكان توفر الصور المزعجة على الشبكة. جمعت نتائج الموقع هذه الصور المزعجة مع بعض من الصور الحديثة لسكارليت التي تعمل اليوم في الدفاع عن حقوق العمال وتصدرت التغطية الإعلامية لثورة عمالية مؤثرة قادتها في شركة آبل.
تعليقاً على تجربتها للموقع، قالت سكارليت إنها «لم تكن تملك أدنى فكرة أن هذه الصور متوفرة على شبكة الإنترنت حتى استخدمت هذه الأداة».
شعرت المهندسة بالقلق من رد فعل الناس على هذه الصور، فسارعت إلى البحث عن طريقة لإزالتها عن الإنترنت، وشاركت هذه التجربة في مقابلة مع موقع «ميديوم» وشبكة سي. إن. إن. عندما نقرت على إحدى الصور المحرجة على «بيم آيز»، ظهرت أمامها لائحة خيارات تعرض رابطاً للصورة ورابطاً للموقع الذي ظهرت فيه مع خيار «استبعاد من النتائج العامة» على الموقع.
ولكنها اكتشفت أن خيار الاستبعاد متوفر فقط للمشتركين بخطط «بروتكت» التي تتراوح كلفتها بين 89.99 و299.99 دولار في الشهر. ووصفت سكارليت الأمر «بالابتزاز» لا سيما وأنها اضطرت في النهاية للاشتراك بأغلى خطة للحصول على ما تريده. إلا أن يورجي غوبرونايدز رفض هذا التوصيف وشدد على وجود أداة مجانية لحذف النتائج من مؤشر «بيم آيز» ولكنها لا تحصل على التسويق الكافي على الموقع. وعمد المالك إلى إبراز إيصال يثبت أن الموقع أعاد مبلغ 299.99 دولار للسيدة سكارليت ثمن الخطة التي اشتركت بها الشهر الفائت. وكشف غوبرونايدز أن «بيم آيز» يضم مئات آلاف المشتركين وأن معظم زواره من الولايات المتحدة وأوروبا. يجني الموقع معظم أرباحه من مشتركي خدمة «بروتكت» التي تقدم مساعدة من فريق الدعم في الموقع لإزالة الصور عن مواقع خارجية.
- إزالة البيانات
يقدم «بيم آيز» خيار «سحب» مجاني أيضاً يتيح للأشخاص إزالة البيانات التي تخصهم عن الموقع ومنها صور البحث عن وجوههم. وبهدف السحب، حملت سكارليت صورة لها من أيام المراهقة، مع مسح ضوئي لبطاقة هويتها الرسمية، وحصلت في بداية أبريل (نيسان) الماضي على تأكيد قبول طلب السحب.
وورد في الرسالة الإلكترونية التي تلقتها من الشركة أن «النتائج المحتملة التي تضم صوراً وبيانات لوجهك أزيلت عن موقعنا». ولكن عندما أجرت صحيفة التايمز بحثاً على موقع «بيم آيز» عن وجه السيدة سكارليت بموافقتها بعد شهر من الرد الذي تلقته، وجدت أكثر من 100 نتيجة ومنها الصور المزعجة.
وصف غوبرونايدز هذا الأمر بالـ«مؤسف» واعتبر أن طلب السحب لم يحجب وجه السيدة عن عمليات البحث. ولكنه في المقابل، حجب نتائج البحث لأي صور تحتوي على وجوه «شديدة الشبه» لها، ما يعني أنه على الأشخاص تسجيل السحب بشكل متكرر وباستخدام عدة صور لأنفسهم إذا كانوا يأملون البقاء خارج أبحاث «بيم آيز».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.