«داعش» يبدد آمال سقوطه.. ويؤسس شرعية له كقوة حكم محلية

رسخ التنظيم أقدامه في محافظة الأنبار بالعراق من خلال هجوم تم التخطيط له بعناية

سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
TT

«داعش» يبدد آمال سقوطه.. ويؤسس شرعية له كقوة حكم محلية

سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)

عندما تحدث مسؤولون غربيون وعراقيون الشهر الماضي عن تنظيم داعش، كان التركيز على تحديد مجموعة الهزائم التي منيت بها الجماعة الإرهابية في مدينة كوباني (عين العرب) في سوريا، والضربات الجوية المكثفة التي تلقتها، وطردهم من عدة مدن وبلدات يتزايد عددها يوما بعد يوم. مع ذلك على مدى الأسبوع الماضي أحدث تنظيم داعش تغييرا في الموازين، فخلال عطلة الأسبوع الماضي رسخ التنظيم أقدامه في محافظة الأنبار في العراق من خلال هجوم تم التخطيط له بعناية على مدينة الرمادي، عاصمة المحافظة. وفي يوم الأربعاء ازدادت مساحة الأراضي، التي سيطر عليها التنظيم في سوريا، وامتدت إلى مدينة تدمر ذات الأهمية التاريخية والاستراتيجية.
وبعد التصريحات عن تراجع التنظيم، جاء الهجومان ليثبتا خطأه كمثال مفاجئ على التزام التنظيم بقيمه الفلسفية الجوهرية وهي الاستمرار في القتال على عدة جبهات، والقيام بأعمال وحشية عنيفة من أجل إلقاء الرعب في نفوس المقاومة، وخصوصا إرساء أركان «الخلافة» في أراضي السنة التي تمتد على الحدود العراقية - السورية. وبذلك لم يتمكن التنظيم من الصمود أمام العراقيل وتجاوزها فحسب، بل صنع انتصارات جديدة. وقال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية في تقرير لصحافيين يوم الأربعاء: «لا يوجد هنا أي شخص بدءا برئيس الجمهورية وحتى من هم دونه في المنصب من يقول إننا سنتجاوز ما يحدث فورا. إن الوضع جد خطير». ورفض المسؤول ذكر اسمه التزاما بالقوانين.
وداخل العراق بدأ الهجوم، الذي شنه التنظيم، يتشكل بعد فترة قصيرة من الانتصار الذي حققته الحكومة خلال الشهر الماضي في مدينة تكريت. وصمد مقاتلو «داعش» أمام حملات ضاغطة متزامنة على أكبر المدن التي تضم مصافي نفط في شمال بغداد في مدينتي بيجي والرمادي. وفي ديالى، نظم «داعش» عملية هروب من السجن، وهو أمر يشتهر به حيث نفذ من قبل الكثير من العمليات على مدى سنوات ويمكن أن تساعد تلك العمليات التنظيم في تعزيز قدراته في المنطقة الشرقية. ويبدو حاليا أن توسيع نطاق العمليات أمر مقصود لتشتيت جهد قوات الأمن العراقية وضمان تفرقها حين يبدأ التنظيم أكبر زحف له على مدينة الرمادي الشهر الحالي على حد قول جيسيكا لويس ماكفيت، المحللة في معهد دراسة الحروب في واشنطن والذي يدعم اتخاذ الولايات المتحدة موقفا حازما في مواجهة خطر تنظيم داعش. وقالت ماكفيت: إن «الهجمات قد أنهكت وأضعفت بوجه خاص قوة مكافحة الإرهاب، التي تعد من القوات النخبوية في العراق، وهي الفرقة الذهبية التي تتسم بقدرة كبيرة على الحركة، وحاربت لفترة طويلة على الجبهتين في الرمادي وبيجي». وينظر إلى الوحدة، التي عملت عن كثب لنحو عشر سنوات مع القوات الخاصة الأميركية، باعتبارها أكفأ الوحدات التابعة للحكومة، رغم أن عددها صغير مقارنة بقوات الشرطة والجيش العراقية النظامية. وأوضحت ماكفيت قائلة: «حاول تنظيم داعش تشتيت قوات الأمن العراقية قدر الإمكان من أجل العثور على نقطة اختراق». وعندما بدأ هجوم «داعش» الكبير على مدينة الرمادي في وقت متأخر من يوم 14 مايو (أيار)، استغل موارد كانت معدة سلفا، حيث تم استخدامها في موجة عنف عصفت بالجزء الباقي من قوات الدفاع.
وكما هو معتاد، بدأ التنظيم الهجوم بمنفذ تفجيرات انتحارية، لكن كان ذلك على نطاق أوسع هذه المرة، حيث بلغ عدد السيارات المفخخة عشر سيارات، ويعتقد أن قوة المواد المتفجرة في كل سيارة منها كانت تعادل قوة المتفجرات المستخدمة في تفجير أوكلاهوما الذي وقع منذ عقدين من الزمان، بحسب ما أوضح مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية. وأسفرت التفجيرات عن دمار مبان بأكملها داخل المدينة. واستيقظت بعد ذلك خلايا نائمة لـ«داعش» مما ساعد التنظيم على السيطرة سريعا مع تقدم مقاتليه نحو مناطق جديدة في الرمادي بحسب روايات الشهود. وبدافع الخوف والإنهاك غادر المقاتلون السنة المحليون، الذين يدافعون عن المدينة منذ عام ونصف، مواقعهم بأعداد كبيرة يوم الأحد الماضي، وأدانهم الجنود لتخليهم عن أرضهم. ولم يتوقف التنظيم عند حدود مدينة الرمادي تطبيقا لنهجهم، الذي يستند إلى القتال على عدة جبهات، فقد زحف نحو أراض جديدة في سوريا. وبالسيطرة على مدينة تدمر، الصحراوية النائية الصغيرة من حيث المساحة والتي تتمتع بموقع استراتيجي قريب من قلب المدينة، يستولي التنظيم بذلك للمرة الأولى على مدينة سوريا من أيدي القوات التابعة للنظام لا المتمردين. واستهدف التنظيم مواقع تعاني فيه القوات التابعة للنظام من إنهاك وتوتر، ولن تجتهد في القتال من أجله نظرا لبعده. وعلى عكس الهجمات الانتحارية، التي استخدمها التنظيم في مدينة الرمادي، يبدو أنه فاز بمدينة تدمر بفضل مجموعة من الجنود المشاة العاديين، والدبابات، والأسلحة المضادة للطائرات الموضوعة على شاحنات، ومن خلال الاعتماد على ضعف الخصم، والخوف الشديد الذي تمكن التنظيم من غرسه في النفوس من خلال الأعمال الوحشية التي أجاد الإعلان عنها. وليس من قبيل المصادفة أن يقوم التنظيم قبل بضعة أيام من هجومه الرئيسي على مدينة تدمر بقطع رؤوس عشرات الجنود والمؤيدين للحكومة وأسرهم في قرية قريبة، ونشر صور العملية على نطاق واسع.
كذلك اختار التنظيم هدفه بحكمة، حيث يسكن مدينة تدمر عدد قليل من الناس ممن يسهل توفير سبل الحياة لهم والسيطرة عليهم، لكنها تظل جائزة غير مناسبة، حيث تعد مدخلا لحقول نفط وغاز طبيعي جديدة في وقت تستهدف فيه الضربات الجوية، التي تشنها قوات التحالف الدولي الكثير من موارد التنظيم من النفط في أماكن أخرى، وبها شبكة طرق مهمة، وبها كذلك موقع أثري قديم، مما يقدم له فرصة للدعاية وتهريب الآثار.
وأتاحت عمليات الهجوم لتنظيم داعش التمركز بشكل أعمق في أرض تصب طبيعتها الجغرافية الصحراوية ويأس سكانها في صالحه. وأصبح المقاتلون السنة المتطرفون بوجه خاص في محافظة الأنبار أقرب إلى قوة وطنية منهم إلى قوة غازية. وبعد إجبار تنظيم القاعدة في العراق الذي سبق «داعش» على البقاء تحت الأرض بفضل عمليات عسكرية أميركية دامية على مدى العقد الماضي، بدأ مقاتلو التنظيم في لم شمل أفرادها مرة أخرى بين العشائر السنة المتعاطفة معهم في شرق سوريا. وصمد التنظيم لسنوات أمام معارك ضد قوات النظام السوري، والاقتتال الداخلي مع خصومه من الجهاديين. ومع تطوره بدأ يحكم سيطرته على مناطق من سوريا، والتخطيط للعودة في غرب العراق، وهي خطوة لها الأولوية بحسب ما جاء في الوثائق التأسيسية للتنظيم.
وبدأت الحملة في نهاية عام 2013، وأسفرت عن السيطرة على مدينة الفالوجة وبعض أجزاء الأنبار. وفي يونيو (حزيران) 2014 جاءت القفزة الأكبر لتنظيم داعش نحو العراق، حيث سيطر بشكل مباغت على مدينة الموصل، ذات الأغلبية السنية والتي تقع في شمال العراق وتعد ثاني أكبر مدن العراق، وزحف نحو تكريت. وخلال الأشهر القليلة الماضية تم طرد التنظيم من بعض المناطق، التي سيطر عليها خلال الصيف الماضي، ومن بينها مدن وبلدات في الشمال بالقرب من إقليم كردستان، وفي محافظة ديالى في الشرق. وفي سوريا انسحب التنظيم خلال الأيام القليلة الماضية من المناطق الشمالية في حمص، حيث اضطر إلى قتال جماعات أخرى، ولم يتمكن من الفوز بتأييد الكثير من السكان المحليين كما حدث في شرق سوريا.
وقال براين فيشمان، محلل في مجال مكافحة الإرهاب في مؤسسة «نيو أميركا»، والذي قضى سنوات في دراسة تنظيم القاعدة في العراق وتنظيم داعش: «يتمدد تنظيم داعش، ويتم التصدي لتقدمه ودفعه نحو المناطق التي يستطيع إحكام السيطرة عليها. الموطن التاريخي لهذا التنظيم هو الفالوجة والرمادي والأنبار والموصل».
وقد حصل التنظيم بما حققه من نصر في مدينة الرمادي على آخر مركز رئيسي في أرض العرب السنة، وحقق المزيد من التوسع بالتقدم نحو مدينة تدمر. ورأى حسن حسن، مؤلف كتاب «داعش: داخل جيش الإرهاب»، هذا التحول كتحد لأعداء التنظيم. وقال: «من الصعب غزو تلك المناطق، أو استعادتها لعدم وجود أي مقاومة تذكر للتنظيم هنا من جانب السكان المحليين».
ومع ترسخ أقدام التنظيم ازداد قسوة في قتال العشائر السنة التي تعارضه، وأخذ في نشر عمليات الذبح الجماعي ضد المعارضين. ونجح التنظيم في تأسيس شرعية له كقوة حكم محلية بين السكان الذين لم يعارضوه بحماس وقوة من خلال استغلال شعور السنة بالظلم الواقع عليهم من الحكومة الشيعية في بغداد، والنظام العلوي في دمشق. وقال جلال زين الدين، صحافي سوري يعمل في وكالة أنباء مناهضة للحكومة في أراضي «داعش»: «الحل الوحيد لهذا الوضع هو تشكيل حكومة وطنية ومصالحة في كل من العراق وسوريا، وهو أمر محال في الوقت الحالي. لذا سيبقى تنظيم داعش في المنطقة ويقيم دولة تمتد حدودها من الرقة وحتى الموصل».
ومن عدة أوجه لا يزال التنظيم ملتزما ومتمسكا برؤيته الموضحة في أدبياته منذ سنوات، والتي تبين كيف سيؤسس التنظيم «الخلافة» أو «الدولة الإسلامية» ويحكمها. ورغم اختلافه مع «القاعدة» في رغبته في السيطرة على أراض، يرى التنظيم نفسه في حرب مستمرة دائمة مع أعدائه المحيطين به، وتترسخ رؤيته لأراضيه باعتبارها منطقة نفوذ لا تحكمها حدود. وصك فيشمان في دراسته للتنظيم مصطلح لما أصبح عليه الحال وهو «الحكم الأميبي». وقال: «إنهم يرون الخلافة كمجموعة من البشر تعيش على أرض تقع في نطاق سيطرة الخلافة لا بقعة جغرافية محددة. مما يمثل أهمية بالنسبة إليهم هم الولاء للخليفة».
وتعد مدينة الرمادي موضع حسد، ومن أسباب ذلك ما تتمتع به من قيمة رمزية كمكان تقاوم فيه بعض عشائر السنة «داعش». مع ذلك استعاد التنظيم زخمه، وازداد ترسخ أقدامه أكثر من ذي قبل حتى قبل هزيمته في كوباني وتكريت. ومثل بعض المسؤولين الأميركيين، كانت ماكفيت ترى أن مدينة تكريت بوجه خاص خسارة كبيرة أضعفت التنظيم كثيرًا. وقالت: «ظننت أن التنظيم قد فقد قدرته على القيام بما قام به مؤخرًا. لقد بدا حقا أن دفة الحرب تتغير على نحو يضر بـ(داعش)». مع ذلك أقرت بتغير الأمور الآن. وأضافت قائلة: «مثلت مدينة الرمادي بالنسبة إلينا خسارة أكبر مما كانت تمثل تكريت ل(داعش)» في إشارة إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها من العراقيين.
* خدمة «نيويورك تايمز»



اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.


العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.