النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

بين ضمائر الأنا والغائب والمخاطب

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن
TT

النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن

رغم سعة الدراسات النقدية الحديثة، الأجنبية، والعربية، حول السرد، واتضاح الكثير من المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالعملية السردية، ومنها استخدام أصوات السرد الثلاثة: ضمير المتكلم (أنا)، وصيغته الجماعية (نحن)، وضمير الغائب (هو) وضمير المخاطب (أنت)، فضلاً عن تنويعات سردية أخرى، منها السرد بعين الكاميرا، والسرد عبر بناء المشهد وغير ذلك، فما زال بعض النقاد يخلط بين الكثير من هذه الصيغ والأصوات السردية.
وربما يتعرض ضمير الغيبة، من بين هذه الأصوات، أكثر من غيره، إلى اللبس والخلط، لأنه قد يكون أكثر الضمائر شيوعاً وتوظيفاً وقدماً. وقد لاحظت أن بعض النقاد يصف السارد أو الراوي في بعض القصص والروايات الحديثة، بأنه يمثل الراوي أو السارد كلي العلم أو العليم، بينما هو، في الجوهر، سارد «مبأر»، لا علاقة له بالسارد العليم.
ومن المعروف أن السرد العليم أو كلي العلم omniscient narration هو أقدم أنواع السرد التقليدي، وأكثرها انتشاراً أو توظيفاً، وهو في الغالب سردٌ خارجي يقدمه المؤلف، أو ذاته الثانية، دونما شخصية قصصية أو روائية متموضعة داخل النص القصصي أو الروائي. ولهذا فإن هذا اللون من السرد هو سرد غير مبأر ويسميه الناقد الفرنسي جيرار جينيت بالسرد في درجة الصفر. ومن المعروف أن جينيت يقسم الرأي إلى ثلاثة أقسام: السرد العليم، والرؤية مع، الرؤية من الخارج، ويشير الناقد إلى أن التبئير الصفري يعادل ما يسميه النقد المكتوب بالإنجليزية، بالسرد العليم، كما يلتقي مع صيغة (جان بويون) الثلاثية «السرد من الخلف، ويقترب أيضاَ من صيغة تودوروف (السارد أكبر من الشخصية) أي أن ما يسرده السارد هو أكبر مما تعرفه الشخصية.
والسرد العليم، كما أشرنا هو أقدم أنماط السرد، وهو يقوم على وجود سارد خارجي يمنح نفسه سلطة معرفة كل شيء عن دخائل الشخصيات، وأفعالها، وينتقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات، ولهذا يسمى أحياناً بالسرد الرباني. ويتفق معظم النقاد على أن سرد هوميروس في «الإلياذة» هو من النماذج الكلاسيكية الأولى للسرد العليم، حيث يتحدث سارد هوميروس العليم في آنٍ واحد عما يجري في أماكن متباعدة، وشخصيات متنوعة، ويمتلك القدرة على التنبؤ بأحداث المستقبل. ومثل هذا السرد يتمثل في الكثير من قصص الأطفال التي تستهل عادة بعبارة «كان ما كان في قديم الزمان».
كما يرى أغلب النقاد أن همنغواي يوظف السارد العليم في قصته القصيرة «تلال مثل فيلة بيضاء» لضمان المزيد من الرؤية الموضوعية والمحايدة التي يتسم بها سرده الذي ينتمي إلى ما يسمى بـ«الواقعية الموضوعية». كما أن رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز أنموذج آخر على السرد العليم، إذْ يبدأ الروائي سرده: «كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة».
وتستهل الروائية جين أوستن رواية «الكبرياء والهوى» برؤية السارد العليم، حيث تكشف عن العالم الداخلية لبطلة الرواية «إليزابيث» فضلاً عن بقية الشخصيات الروائية الأخرى.
ومن المؤسف أن يخلط بعض النقاد والدارسين بين توظيف ضمير الشخص الثالث الغائب غير المبأر المنتمي لرؤية «السارد العليم» في السرد الكلاسيكي التقليدي مع توظيف ضمير الشخص الثالث المبأر الشائع في السرد الحداثي وما بعد الحداثي. وإذا ما كان السرد العليم بتوظيف ضمير الغائب (هو) يقدم دونما وسيط أو وكيل ينوب عن المؤلف، متموضع داخل البنية السردية، فإن السرد المبأر عبر ضمير الشخص الثالث يتحقق عبر وسيط أو وكيل للمؤلف يكون عادة شخصية متموضعة داخل البنية السردية بوصفه شخصية مشاركة أو مراقبة. ومثل هذا السرد نجده في الروايات التي تعتمد على المونولوج الداخلي أو تيار الوعي، حيث يغوص الروائي داخل أعماق الشخصية الروائية ويستبطن عالمها الداخلي، فتكون انثيالات الكلام واسترجاعاته صور الماضي جزءاً من المنظور الداخلي للشخصية الروائية، وبذا يكون السرد مبأراً وليس في درجة الصفر.
ففي قصة «تلال كالفيلة البيضاء» للروائي الأميركي آرنست همنغواي، يستهل المؤلف سرده هذا بتوظيف ضمير الغيبة، دونما سارد داخلي متموضع داخل النص، بوصفه مشاركاً أو مراقباً، مما يجعله ينتمي إلى المؤلف، وربما إلى ذاته الثانية أو السارد الضمني: «كانت التلال الواقعة على الجهة الأخرى من وادي (إيبرو) بيضاء، أما هذه الجهة، فلم يكن هناك ظل ولا أشجار. ويتضح هذا المنحى بشكل أكثر وضوحاً في رواية «الحرب والسلام» للروائي الروسي (ليو تولستوي):
«ذات صباح من شهر حزيران 1805. بعثت آنا بابلوفنا شير، وصيفة الإمبراطور فيودوروفنا، المحظية، أحد الخدم، الذي كان يلبس بزة رسمية، ذات لون أحمر، وبيده بطاقات دعوة إلى جميع معارفها».
وربما تتمثل صيغة السارد العليم بشكل رئيس في حكايات الأطفال وقصص الحيوان والقصص الفوكلوري، كما نجد ذلك في هذا السرد من «حكايات إيسوب» الإغريقية، وهو سرد لحكاية شائعة بعنوان «في الاتحاد قوة»: «كان في عائلة أولاد يتخاصمون دائماً فيما بينهم، وأخفقت جميع مساعي الأب في وضع حد لمنازعاتهم بالموعظة الحسنة، فعزم العقد أن يريهم صورة واقعية لشرور الفرقة».
وعمد الكثير من الروائيين إلى توظيف السارد العليم في أعماله الروائية، ومنهم الروائي الإنجليزي (تشارلز ديكنز، والروائية الإنجليزية جين أوستن، التي استهلت روايتها المعروفة «الكبرياء والهوى» بهذا المطلع:
«الكل يعلم، وهذا صحيح لا بد أن رجلاً يمتلك ثروة جيدة، يحتاج إلى زوجة».
واستهل ديكنز روايته المعروفة «قصة مدينتين» بهذا الصوت السردي:
«كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة».
وهناك تحديدات كثيرة لوظيفة السارد العليم منها التمييز الذي قدمه الناقد (بيرسي لبوك) بين أسلوبي العرض showing والحكي telling، إذ يتحقق في «العرض» حكي القصة نفسها بنفسها، بينما في (الحكي) فهناك في الأغلب ساردٌ عالم بكل شيء، وهو الذي ينهض بتقديم الحكاية، وهو قرين السارد العليم. كما يميز الناقد الفرنسي (جان بويون) بين ثلاثة أنواع من «وجهة النظر» view of point أو السرد:
الرؤية مع: وهنا تتساوى معرفة الشخصية بمعرفة الراوي.
الرؤية من الخارج: ويكون الراوي فيها أقل معرفة من الشخصية.
الرؤية من الخلف: ويكون فيها الراوي عليماً بكل شيء يحيط بالأحداث.
ومن الواضح أن النمط الثالث، وأعني به «الرؤية من الخلف» عند (بويون) يقابل السارد كلي العلم الذي نحن بصدد تحديد إشكالياته. والسارد العليم هنا مثل المؤلف المسرحي الذي يضع بعض «الإرشادات المسرحية» لتأطير العرض المسرحي، وهو أيضاً الذي يعرف كل أحداث القصة وشخصياتها، ما خفي منها، وما ظهر، وهو يتنقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة، ويدخل عقول شخصياته ليكشف عن أسرارها وخباياها.
ومن المهم أن نشير هنا إلى اتجاهات الحداثة وما بعد الحداثة، قد وضعت السارد كلي العلم موضع المساءلة النقدية الصارمة، وشجعت على إقصائه، وإحلال السارد المبأر بدله، والذي يتحدث عبر وعي شخصية محددة. ولذا راحت الكثير من الأعمال القصصية والروائية تتجنب توظيف السارد كلي العلم وتميل إلى تقديم الأحداث عبر لا وعي أو عبر عيون الشخصيات المشاركة بالفعل السردي، أو حتى المراقبة، الهامشية، التي تستطيع أن تقدم «وجهة نظر» عما يدور من أحداث وما يتفجر من صراعات داخل الفعل القصصي أو الروائي.
وكنت شخصياً قد اعتمدت على مصطلح وظفه تودوروف في قراءتي لتجربة القاص والروائي فؤاد التكرلي هو مصطلح «أنا الراوي الغائب»، وذلك في دراسة خاصة نشرتها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وأعدت نشرها في كتابي «مدارات نقدية» (1987)، أشرت فيها إلى كيفية توظيف «أنا الراوي الغائب» الذي يغلب في القصص ذات الطابع الموضوعي، حيث يختفي السارد وراء الأحداث، لكن اختفاء السارد لا يعني الغياب، لأن الراوي الأصيل، هو حاضر دائماً، حيث يمكن التعويض عن ضمير الغائب (هو) بضمير المتكلم (أنا) لتكوين (أنا الراوي الحاضر):
«أنا الراوي الغائب»: «أحس بانقباض شديد».
«أنا الراوي الحاضر»: «أحسست بانقباض شديد».
وقد أشرت آنذاك إلى تركيز فؤاد التكرلي على توظيف أنا الراوي الغائب، ويمكن لنا أن نلاحظ أن هذه التنويعة من تكنيك تيار الوعي، ونعني بها استخدام «أنا الراوي الغائب» قد حررت القاص من الالتزام بالسياق الزماني التقليدي، ومنحته حركة أكبر للتحرك في الزمان والمكان في آنٍ واحد. ولذا يمكن لنا أن نرى في تجربة التكرلي القصصية تجسيداً لأنساق الزمن الثلاثة: النسق الزمني الصاعد والنسق الزمني الهابط والنسق الزمني المتقطع.
ولذا فقد آن الاوان لتصحيح مثل هذا الخلط بين السارد العليم والسارد المبأر، لأن مثل هذا الخلط سوف يلحق الضرر بفهم البنية السردية، كما وجدنا ذلك على سبيل المثال في كتاب الناقد الأكاديمي د. سمير الخليل «الرواية سرداً ثقافياً»، الذي ذهب فيه إلى أن السرد في بعض الروايات التي تناولها بالتحليل ومنها «ملائكة الجنوب» للروائي (نجم والي) و«الطريق إلى منزل هانا» للروائي الراحل (سعد محمد رحيم) وغيرهما، هو سرد عليم، ويتم عبر سارد كلي العلم، بينما نجد أن هذا اللون من السرد هو سرد مبأر لأنه ينثال عبر وعي الشخصيات القصصية ذاتها، وهي في الأغلب شخصيات مشاركة ومتموضعة داخل النصوص الروائية والقصصية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
TT

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، الثلاثاء، في اليوم الذي كان سيوافق عيد ميلادها المائة، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا».

وولدت الملكة إليزابيث، التي تُعدّ أطول ملوك وملكات بريطانيا عمراً وصاحبة أطول مدّة حكم بينهم، في 21 أبريل (نيسان) 1926، وأمضت 70 عاماً على العرش قبل وفاتها في سبتمبر (أيلول) 2022 عن 96 عاماً.

ونقلت وكالة «رويترز» عن الملك تشارلز قوله في بيان بثَّه التلفزيون، إنّ والدته شكَّلت العالم من حولها وأثَّرت في حياة عدد لا يُحصى من الناس. وتابع: «اليوم، ونحن نحتفل بما كان سيصبح عيد ميلاد والدتي الحبيبة المائة، نتوقّف أنا وعائلتي للتفكير في حياة وفقْدان ملكة كانت تعني كثيراً لنا جميعاً، وللاحتفاء من جديد بعدد من النِّعم التي تركتها ذكراها». وأضاف: «سيتذكرها الملايين بسبب لحظات ذات أهمية وطنية؛ وسيتذكرها كثيرون غيرهم بسبب لقاء عابر أو ابتسامة أو كلمة لطيفة رفعت المعنويات، أو بسبب ذلك البريق الرائع في عينيها عندما كانت تتقاسم شطيرة مربّى مع الدب بادينغتون في الأشهر الأخيرة من حياتها».

واحتفالاً بالذكرى المئوية لميلادها، تُنظم العائلة المالكة عدداً من الفعاليات هذا الأسبوع. فقد زار الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا، الاثنين، معرضاً جديداً مخصَّصاً لأزيائها.

والثلاثاء، يزور الملك وأفراد آخرون من العائلة المالكة المتحف البريطاني للاطلاع على التصاميم النهائية لنصب تذكاري وطني مخصَّص للملكة إليزابيث في حديقة سانت جيمس بلندن، يضمّ تمثالَيْن للملكة وزوجها الراحل الأمير فيليب. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر، في بيان: «ستحيي الأمة ذكرى عهدها الرائع بنصب تذكاري يُقدم مكاناً للتأمُّل للأجيال القادمة».

وستفتتح الأميرة آن، شقيقة الملك تشارلز، رسمياً حديقة الملكة إليزابيث الثانية في متنزه ريجنت بلندن، وسيستضيف الملك حفلاً في قصر باكينغهام في المساء. وقال الملك تشارلز: «أعتقد أنّ كثيراً من الأمور المتعلّقة بالعصر الذي نعيش فيه الآن ربما كانت ستُزعجها بشدة، لكنني أستمدُّ القوة من يقينها بأنّ الخير سيسود دائماً، وأنّ فجراً أكثر إشراقاً ليس بعيداً أبداً عن الأفق».


رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.