لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

«الصداقة المستحيلة» بين فيلسوفَي التنوير

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير
TT

لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير

استمتعت كثيراً بقراءة كتاب جديد للمفكر الفرنسي المعروف روجيه - بول دروا. وهو للعلم باحث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية وأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. بالإضافة إلى ذلك، فهو المسؤول منذ سنوات طويلة عن تقديم الكتب الفلسفية على صفحات «الملحق الثقافي» لجريدة «لوموند». وبالتالي، فهو من كبار المشتغلين في مجال الصحافة الثقافية، وبالأخص الفلسفية في فرنسا. بالإضافة إلى كل ذلك فهو ذاته فيلسوف لا يستهان به. نذكر من بين مؤلفاته كتاباً كبيراً بعنوان «أساتذة الفكر: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» (ماذا يعني مصطلح التفكيك بالنسبة لدريدا، أو موت الإنسان بالنسبة لفوكو، أو نظرية الفعل التواصلي بالنسبة لهابرماس، أو الفلسفة الذرائعية البراغماتية بالنسبة لويليام جيمس)، إلخ...
لكن دعونا نتوقف الآن عند أحد آخر إصداراته بعنوان «يا سيد أنا أكرهك، أنا لا أطيقك أبداً! فولتير وروسو: الصداقة المستحيلة». وهي العبارة التي وجهها جان جاك روسو إلى فولتير من خلال رسالة حامية بعد أن اكتشف محاولاته المستمرة لزعزعته والإيقاع به. الكتاب مؤلَّف على هيئة رواية قصصية، وأكاد أقول بوليسية ممتعة جداً. ولكنها ليست مختلقة من صنع الخيال، وإنما ترتكز على وقائع حقيقية من حياة فولتير وروسو. من المعلوم أنهما من عمالقة فلاسفة الأنوار في فرنسا، بل وفي أوروبا كلها إبان القرن الثامن عشر. بل إنهما العملاقان الكبيران. ولكن من غير المعلوم كثيراً أن جان جاك روسو كان تلميذاً لفولتير في البداية ومعجباً به جداً. كان تلميذه عن بُعْد لأنهما لم يلتقيا في الحياة أبداً على عكس ما نتوهم. صحيح أنهما كانا يعيشان في ذات العصر، بل وفي ذات البلد وأحياناً في ذات المدينة ولكنهما لم يلتقيا شخصياً على الإطلاق. وهذا شيء مدهش ويدعو للاستغراب فعلاً.
ينبغي القول بأن فولتير يكبر روسو من حيث السن بعشرين سنة تقريباً. وبالتالي فهو بمثابة أستاذ أو معلم له وللجيل كله. وقد كان قدوته ومثله الأعلى؛ لأنه حارب الأصولية بشدة في حين أنه لم يكن مضطراً إلى ذلك لأنه ينتمي إلى طائفة الأكثرية المهيمنة ولا يعاني شخصياً من أي اضطهاد مذهبي أو تمييز طائفي على عكس روسو الذي كان أقلوياً بروتستانتياً. ولكن على الرغم من ذلك، لم يتردد فولتير لحظة واحدة في مهاجمة طائفته الكاثوليكية البابوية عندما كانت تكفّر الآخرين وتعتبرهم زنادقة خارجين على «صحيح الدين». بل وكانت تقتلهم وتضطهدهم وتلاحقهم باعتبارهم زنادقة. انظروا ما حصل لعائلة «كالاس» البروتستانتية الأقلوية في مدينة تولوز، حيث قتل المتعصبون الكاثوليكيون رب العائلة «جان كالاس» بشكل مرعب ومن دون أي سبب إلا الحقد الطائفي أو المذهبي. وقد دافع فولتير عن هذه العائلة المنكوبة بكل قوة وتصدى لمضطهديهم. وعلى أثر ذلك نشر كتابه الخالد «رسالة في التسامح». وانظروا أيضاً إلى مجزرة «سانت بارتيليمي» الرهيبة التي مزقت البروتستانتيين إربا إرباً في ليلة ما فيها ضوء... وهي التي حياها بابا روما قائلاً «الحمد لله والشكر لله: اليوم انتصر الإيمان الصحيح على الزندقة»! ثم أمر البابا بإطلاق الاحتفالات والزغاريد في كل أنحاء روما احتفالاً بهذا اليوم المجيد! وأما سلفه البابا بيوس الخامس، فقال لملكة فرنسا الكاثوليكية «لا ينبغي بأي شكل وتحت أي ظرف العفو عن هؤلاء الزنادقة البروتستانتيين أعداء الله. ينبغي استئصالهم عن بكرة أبيهم لأنهم ينجّسون الأرض الطاهرة للملكة الفرنسية الكاثوليكية الظافرة. إنهم كفار خارجون عن صحيح الدين»... ضد كل هذا التعصب الأعمى نهض فولتير وخاض معركته الكبرى. وهنا بالضبط تكمن عظمته. وأقسم يميناً بالله بأنه سيجتث الطائفية من جذورها. ورفع عندئذ الشعار الشهير «لنسحق الأصولية الظلامية، لنسحق الطائفية، لنسحق العار والشنار». ثم أضاف «متى ستشرق الأنوار على باريس مثلما أشرقت على لندن وكل بلاد الإنجليز؟ استفيقوا أيها الفرنسيون».
عندما اطلع المثقف الأقلوي البروتستانتي جان جاك روسو على ذلك أُعجب بفولتير كل الإعجاب واعتبره أستاذه ومعلمه، وبادر إلى مراسلته وتقديم كل آيات الاحترام والتقدير له. ينبغي العلم أنه عندما كان فولتير في أوج شهرته ومجده كان جان جاك روسو لا يزال شخصاً مغموراً لا يعرفه أحد لأنه لم يكن قد نشر شيئاً بعد. ولكن بعد أن نشر كتبه الأساسية لاحقاً كـ«العقد الاجتماعي»، و«إميل أو في التربية»، ورواية «هيلويز الجديدة»... إلخ، أصبح مشهوراً جداً. وأصبح دون أن يدري أو دون أن يقصد منافساً لفولتير على عرش الآداب الفرنسية. وقد أزعج ذلك فولتير كل الإزعاج وفاجأه... نقول ذلك ونحن نعلم مدى الحساسيات بين المثقفين، سواء في الساحة الفرنسية أم في الساحة العربية. إنهم لا يطيقون بعضهم بعضاً. هل رأيتم امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ مستحيل. وكذلك الأمر لن تروا مثقفاً واحداً يعبر عن إعجابه بكتابات مثقف آخر إلا نادراً، وبخاصة إذا كان من جيله!
ولكن هناك أسباباً أخرى لهذا الكره الشديد، أو قل لهذا الحب الكبير الذي انقلب إلى عكسه. من بين هذه الأسباب، اختلاف الطبيعة النفسية لكل منهما. ففولتير كان شخصاً اجتماعياً ناجحاً جداً في الحياة. كان يصادق الملوك ويعاشرهم دون أي عقدة نفسية، بل وكانت الملوك هي التي تطلب صداقته. هذا في حين أن جان جاك روسو كان شخصاً متوحداً انعزالياً يعشق الانصهار في أحضان الطبيعة بعيداً عن لجة الحياة وضجيج البشر. لم يكن اجتماعياً على الإطلاق ولا ناجحاً في الحياة الاجتماعية. وهناك فرق آخر أساسي، هو أن فولتير كان شخصاً غنياً جداً في حين أن روسو كان فقيراً جداً. كان فولتير غنياً جداً في حين أن روسو كان ينتظر أن يعطوه بعض الترجمات أو النوتات الموسيقية لكي ينسخها بخطه الجميل ويدفعوا له عليها بعض القروش لكي يستطيع أن يعيش من يوم ليوم. وبالتالي، فشتان ما بين الثرى والثريا! فولتير كان يلعب بالملايين، إذا جاز التعبير. وهذا يعني أنه كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين فوق»، أي نخبة النخبة، في حين أن روسو كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين تحت»، أي أغلبية الشعب. كان فولتير يحب حياة الرفاهية والأبهة والاستمتاع بكل ما لذ وطاب في الحياة. أما روسو فكان يحب العيش إلى جانب الطبيعة والبراءة والبساطة ولقمة العيش النظيفة التي تسد الرمق ليس إلا. ثم بشكل خاص، كان روسو يحب حياة النزاهة والصدق والاستقامة الأخلاقية. كان «قديساً علمانياً» كما وصفه أحدهم. أما فولتير فبينه وبين القداسة والطهارة مسافات. وإلا كيف استطاع أن يصبح أحد أغنى أغنياء العصر؟ كان فولتير يستطيع أن يضع جان جاك روسو في جيبته الصغيرة ويتلاعب به كما يشاء، لو أراد. وفي حين أن روسو كان ملاحقاً من مدينة إلى مدينة، بل ومن قرية إلى قرية، كان فولتير يسكن القصور وحوله جيش من الخدم والحشم!
ولكن على الرغم من كل ذلك كانت هناك نقطة أساسية تجمع بينهما: هي محاربة الأصولية الظلامية والتعصب الديني الأعمى. ومعلوم أن الأصولية كانت تمثل مشكلة العصر الكبرى؛ لأن الأحقاد الطائفية كانت لا تزال ملتهبة جداً في ذلك الزمان. كانت لا تزال مشتعلة. وكانت تمزق المجتمع الواحد، بل وحتى المدينة الواحدة إن لم نقل الشارع الواحد. ما كان أي كاثوليكي يطيق جاره البروتستانتي أو العكس. كان الصراع آنذاك على أشده بين جنيف عاصمة المسيحية البروتستانتية - وروما عاصمة المسيحية الكاثوليكية. الآن انتهت هذه المشكلة ولم يعد لها أي وجود في أوروبا المتحضرة المستنيرة. ويعود الفضل في ذلك إلى نضالات فولتير وروسو وبقية فلاسفة الأنوار. وبالتالي، فعلى الرغم من كل الخلافات والتناقضات كانت تجمع بين الرجلين معركة التنوير الأساسية. وكان فولتير على رأسها، يقودها. هنا تكمن عظمته، بالإضافة إلى كونه كاتباً عبقرياً.
- لماذا لا يلتقيان؟
كانت إحدى السيدات الأرستقراطيات الباريسيات النافذات قد طرحت هذا السؤال على دلامبير صديق روسو وفولتير في آن معاً: لماذا لا يلتقيان؟ لماذا يكرهان بعضهما بعضاً إلى مثل هذا الحد؟ ثم أضافت: والله إن خلافهما تحول إلى مصيبة كبرى ألّمت بمعسكر الأنوار والتنوير.
فنحن ينبغي أن نتجمع ونحشد كل قوانا ضد المعسكر الآخر. نحن لا نزال أقلية في مواجهة جحافل الأصولية والأصوليين، الطائفية والطائفيين. ولسنا في حاجة إلى انقسامات فيما بيننا. فأجابها دلامبير على هذا النحو: إني متعجب ومتألم مثلك يا سيدتي. كنت أتمنى لو يلتقيان ولو لمرة واحدة. وقد حاولت أن أجمع بينهما أكثر من مرة، ولكني فشلت. صحيح أن الاختلافات بين فولتير وروسو عديدة. ولكن هذه الاختلافات لا تبرر كل هذا العداء بين الرجلين. فهما يتلاقيان على نقطة أساسية: محاربة الظلامية الدينية وتنوير العقول. ثم قال لها دلامبير، وهو ذاته أحد كبار فلاسفة الأنوار «كما قلت لك يا سيدتي، لقد حاولت المستحيل أن أجمع بينهما على مائدة غداء أو عشاء أو حتى فنجان قهوة ولكنهما يرفضان رفضاً قاطعاً. في الواقع أن الرفض آت من جهة روسو أكثر. لماذا؟ لأن فولتير يحب حياة الترف والبذخ والبطر، في حين أن روسو يكره ذلك كرهاً شديداً. فهو في قرارة نفسه يعتبر ذلك خيانة للشعب الذي يعيش حياة البؤس والفقر المدقع الذي يصل إلى حد المجاعة. فولتير أراد أن يجمع ثروة كبيرة وقد توصل إلى ذلك ببراعته وأساليبه الخاصة. هذا في حين أن روسو لا يريد جمع أي ثروة ولا يخطر ذلك على باله مطلقاً. كل ثروات العالم وبهرجاته ووجاهاته لا تساوي عنده شيئاً. روسو يفتخر باستمرار بأنه فقير ويصر على أن يظل فقيراً مثل أغلبية الشعب الذي يتضور جوعاً. إنه من الشعب البسيط وللشعب البسيط الطيب الكادح الباحث طيلة النهار عن لقمة العيش التي قد يجدها أو لا يجدها. إنه ينصهر فيه قلباً وقالباً. ولهذا السبب؛ رفض جان جاك روسو الرواتب الضخمة من ملوك فرنسا وإنجلترا وبروسيا التي كانت ستؤمّن له العيش المريح مدى الحياة. وظل يعيش من عمل يومه أو عرق جبينه مترجماً أو ناسخاً للنوتات الموسيقية حتى تكاد تعمى عيناه. أما فولتير، كما قلنا، فينتمي إلى طبقة النخبة أو نخبة النخبة. هنا يوجد فرق أساسي بين الرجلين؛ وحتماً لهذا السبب رفض روسو أن يلتقي به. فهو ينتمي إلى عالم آخر غير عالمه.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!