الشعراء الثوريون... الآيديولوجيا وندم المشيب

آراء سياسية عاطفية يطلقونها خصوصاً في بداياتهم

جميل صدقي الزهاوي
جميل صدقي الزهاوي
TT

الشعراء الثوريون... الآيديولوجيا وندم المشيب

جميل صدقي الزهاوي
جميل صدقي الزهاوي

قبل عامين كنتُ ضيفاً في مهرجان شعري بدولة خليجية، وبعد أن اختُتمتْ جلسة الافتتاح انسللتُ مع شاعر صديق من ذلك البلد بعيداً عن صخب المهرجان والأصدقاء، وذهبت معه في سيارته إلى المستشفى التعليمي حيث يرقد الشاعر مظفر النواب.
في الطريق كان الصديق يتحدث معي عن ضرورة إقناع المرافق الذي يقيم مع مظفر في الغرفة نفسها، ومنذ 6 أعوام، بالدخول لرؤية النواب؛ لأنه ممنوع الدخول إلى الغرفة ومعاينته؛ لوضعه الصحي المتعب جداً، وهذا المنع آتٍ من أعلى السلطات حفاظاً على وضع النواب وصحته.
حين دخلت المستشفى أشار لي «النجار» إلى رقم الغرفة وانسحب وقال لي: «انت وشطارتك»، فطرقت الباب وقد كان موارباً قليلاً، خرج إلي شاب عرَّفته بنفسي وطلبتُ منه أنْ أسلّم على النواب فاعتذر مني بلطف، لكنني قلتُ له: «عزيزي أنا لستُ سياسياً ولن آخذ صورة مع النواب لأتاجر بها، أنا شاعر ودعيت لمهرجان شعري، وهي فرصة أنْ أقبَّل جبين مظفر النواب»، وما زلنا نتبادل الحديث على الباب، وإذا بصوتٍ يأتي من داخل الغرفة: «تفضل... تفضل»، لحظتها دخلتُ مباشرةً، فوجدتُ شاباً آخر جالساً قرب سرير النواب، وهو في حالة شبه غيبوبة، لا يعرف الناس ولا يسمعهم، رحَّب بي ذلك الشاب وقال إنه ابن أخت مظفر النواب، وجاء قبل ساعات من أستراليا لرؤية خاله، جلستُ قرب النواب عشر دقائق وقبّلتُه في جبينه وخرجتُ مباشرةً.
المشفى يقع في أطراف المدينة، وهو ليس مشفى تقليدياً، إنما هو عبارة عن مدينة متكاملة، وحين دخلتُ عتبة المستشفى كأنَّي أدخل فندقاً من «خمسة نجوم» حيث النظافة والإيتيكيت والمطيبات والمطهرات في كل مكان، وهذا قبل «كورونا» بأيام، فضلاً عن الكوادر الطبية المهمة، ومن جنسيات مختلفة.
حين خرجتُ من غرفة مظفر النواب؛ وهي جناح كبير في أقصى زاوية المستشفى، ونزلتُ درجات السلم وأنا بين جذل برؤية النواب لأول مرة، وحزين لأني لم أستطع أن أكلمه، ويسمعني، ويراني... كان هاجس آخر يراودني حول شعر مظفر النواب الذي كان ملتهباً ومشتعلاً ضد بعض الحكام العرب، حيث سخر من بعضهم في قصائده، وتهكم على آخرين، وأدان وشتم كثيرين منهم، مدافعاً عن الروح الثورية، ومندداً بكل المتخاذلين - كما يصفهم النواب - ولكن في النهاية لم تُفتح الأبواب في وجهه، بقيت الشعوب تردد قصائده، وبقيت فلسطين تدور في نصوصه، ولكن حين تُمنح «جائزة القدس» فإنها تُمنح لغيره من الشعراء، وحين يُكرم شعراء المقاومة يُنسى مظفر النواب، فيما احتضنته هذه الدولة الخليجية بكل حب ورعاية. فأين المشكلة؟ هل المشكلة في شعر مظفر النواب في أنه لم يكن صائباً؟ أم إن الحماس والعاطفة كانا مهيمنين أكثر على عقله ومنطق الأشياء؟ أم إن هؤلاء الحكام الذين شتمهم لم يكونوا كما وصفهم في قصيدته؟
لا أعرف مدى صحة مقولة محمود درويش: «شتمنا الحكومات خمسين عاماً، لكنها لم تسقط، والذي سقط هو الشعر»، إن صحّت هذه المقولة؛ فهذا يحيلنا إلى أسئلة كثيرة ترتبط بفكرة المثقف والسلطة في قربه وابتعاده؛ في ليله ونهاره.
ومثل نموذج مظفر النواب شعراء كثر في هذا الخط المعارض والغاضب على الدكتاتوريات والاستعمار، ولكن حين تسأل عن هؤلاء الشعراء فإنهم يعيشون في لندن أو واشنطن مثل عشرات المثقفين الثوريين.
كيف بشاعر يشتم الاستعمار ومن ثم يحلم بالحصول على جنسية ذلك البلد المستعمر؟! وبصراحة المسألة ليست مرتبطة فقط بالوسط الثقافي، فقد رأيت فيديو قبل أيام قد انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي يظهر شخص المقرب من صدام حسين؛ كنا نشاهده يومياً في التلفزيون وهو يقف خلف صدام بوصفه أحد أكابر حمايته ومرافقه الأول. وهذه الصورة بقيت ثابتة حتى آخر لحظة من حكم صدام حسين، ولكننا شاهدناه في أميركا وهو يضحك ملء الفم، حيث علمتُ أنه طلب لجوءاً في أميركا، فضلاً عن آلاف من البعثيين الذين يكرهون أميركا ويعدّونها العدو الأول، لكنهم طلبوا اللجوء السياسي لديها وعاشوا بأمان واسترخاء.
وهذا الأمر ينطبق على الشيوعيين الذين سبقوا البعثيين، حيث هربوا من نيران العراق وجحيمه أيام السبعينات، فانطلقوا إلى أوروبا الرأسمالية دون أن يفكروا في الاتحاد السوفياتي الاشتراكي، أو دول أوروبا الشرقية الاشتراكية؛ إلا ما ندر، وكذلك الإسلاميون الذين يعدّون أميركا الشيطان الأكبر، ولكنهم حين يريدون العيش بكرامة فإنهم يطلبون اللجوء إليها، ولديهم الاستعداد أن يقفوا أياماً وأشهراً على أبواب السفارات الغربية طلباً للجوء، دون أن يفكروا ولو للحظة في العيش في إحدى الدول الإسلامية التي يسبّحون بحمدها؛ بل إنهم لا يشعرون بالحرية في ممارسة طقوسهم إلا في تلك الدول الكافرة -حسبما يدعون - وإنهم ينعمون بتعليم ممتاز وتأمين صحي لهم ولأولادهم.
أعود إلى مظفر النواب الشاعر المهم والإشكالي في الوقت نفسه، الشاعر الذي انقسم لشاعرين؛ فصيح وشعبي، فهو في الفصيح غيره في الشعبي، وكأنما قالب الفصيح لديه وُضع للشتائم الموزونة والفصيحة، فيما كان قالب الشعبي للحب والغزل، وبهذا فهو شاعران وليس واحداً.
أما فيما يخص موقفه من الساسة وشتمه إياهم؛ فإن الأمر ينطبق على كثيرين، منهم الجواهري الذي ندم فيما بعد على تعريضه بالملك فيصل أو العائلة المالكة في العراق، ومن قبله الرصافي الذي عاتبه الملك فيصل على بيته الذي يقول فيه:
وليس له من يومه غير أنه
يعدد أياماً ويقبض راتباً
فيُروى أن الملك فيصل الأول التقى بعد مدة مع الرصافي في البلاط بوساطة من نوري السعيد، فقال له؛ كما يذكر الجواهري في مذكراته بالجزء الأول: «يا أستاذ الرصافي أأنا الذي يعدد أياماً ويقبض راتباً، وأنا مثقل بالمشكلات والتحديات، وبهموم أمة بأسرها؟»، والغريب في الأمر أن الجواهري يروي في هذه المذكرات نفسها أنه عثر على الملف الأدبي الخاص بالمراسلات ما بين الملك وبعض الشخصيات الأدبية والثقافية، والمفاجأة أن الجواهري عثر على رسالة للزهاوي بخط يده يطلب فيها من الملك أن يكون شاعره الخاص، لكن الجواهري يقول إن المفاجأة الكبرى هي الرسالة الأخرى التي بخط يد الرصافي كأنه يتسابق مع الزهاوي في الغرض نفسه.
لذلك يحيلنا هذا الأمر إلى قضية مهمة، وهي ثورية وعاطفية الآراء السياسية التي يطلقها الشعراء في العادة والمتضمنة في قصائدهم، وتحديداً في بداياتهم الشعرية، حيث الفتوّة والقوة وعدم التأني وتلبُّس الروح الآيديولوجية في عمر مبكر، مما يسهم في بناء حاجز يشبه اللجام للشاعر يمنعه من رؤية الأشياء كما هي، على الرغم من أهمية هذه المرحلة في حياة كل شاعر؛ لأنها الأكثر دفقاً ومطراً، ولكن بعد مرور السنوات سيقف الشعراء نادمين على كثير من المواقف التي تبنوها إزاء القضايا السياسية الكبرى سواء أكانوا معها أم ضدها، والأمر ليس مقتصراً على الشعراء فحسب، فالنقاد لم يسلموا من هذا الأمر على المستويين الفكري والمعرفي، فمرة كنا في ضيافة الدكتور مالك المطلبي وذكّرناه بالسجال الذي دار بينه وبين الراحل الدكتور علي جواد الطاهر على صفحات جريدة «الجمهورية»، ما بين النقد البنيوي الذي يمثله المطلبي، والنقد الانطباعي الذي يمثله الطاهر، فقال لنا المطلبي: «لو رجع بي الزمن لما كتبت حرفاً واحداً أساجل به أستاذنا الطاهر أو أعكّر مزاجه بسبب قضية نقدية بسيطة»، ولكن المطلبي اعترف بندمه بعد مرور نحو أربعين عاماً على سجالاتهما، ذلك أن العمر والزمن هما الغربال الأكثر أثراً في أرواح الشعراء... الزمن هو المهدّئ الوحيد لقلقهم وهو الفيصل في كثير من الأشياء.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.