الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أصيلة تواصل مسارها الثقافي والرباط تحتضن معرض «دولاكروا... ذكريات»

TT

الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أبَت «كورونا» إلا أن تواصل سطوتها على المشهد الثقافي والفني المغربي خلال 2021، بعد أن كانت قد أرْخت عليه بظلالها خلال السنة الماضية، ما دفع السلطات إلى مواصلة فرض حالة الطوارئ الصحية واتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس، شملت منع جميع المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية.
وفضلاً عن المشاعر المتناقضة التي انتابتهم بفعل الجائحة، عاش المغاربة خلال هذه السنة، بألم كبير، رحيل كتاب وفنانين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي للمغرب المعاصر، بينهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس كورونا. وتأثر النشاط الثقافي جراء إغلاق فضاءات العرض، وتم تنظيم بعضها عن بعد أو حضورياً مع اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاحترازية، إثر تخفيف أو رفع جزئي للحجر الصحي. ورغم هذه الاحترازات فقد تميزت هذه السنة، على صعيد تدبير الشأن الثقافي، بتعيين محمد مهدي بنسعيد وزيراً للشباب والثقافة والتواصل، خلفاً لعثمان الفردوس الوزير السابق للثقافة والشباب والرياضة.

- مهرجانات واحتفاء بالمرأة
فرضت جائحة «كورونا» وإجراءات مواجهة تفشيها إلغاء عدد من المهرجانات الفنية والثقافية، على غرار «مهرجان موازين... إيقاعات العالم» بالرباط، و«مهرجان كناوة وموسيقى العالم» بالصويرة، و«المهرجان الدولي للفيلم بمراكش»، فيما سمحت ظروف التخفيف لبعضها بالتنظيم، بينها «المهرجان الدولي لفيلم المرأة» بسلا المجاورة للرباط، في دورته الـ14، ما بين 8 و13 نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد انقطاع في سنة 2020 بسبب تفشي جائحة «كوفيد - 19».
واستضافت الدورة السينما السويسرية، احتفاءً بمرور 100 سنة على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كما عاد «المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة» بالناظور في دورة عاشرة، ما بين 15 و21 نوفمبر، مراهناً على حضور الجمهور والسينمائيين والفاعلين السياسيين والحقوقيين «لتدارس عالم ما بعد كوفيد - 19، وبث روح جديدة بالمتوسط، كي تعود الحياة إلى سابق عهدها وتتواصل رحلة الألف ميل لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، هنا وهناك». وتميزت الدورة بمشاركة سبعة أفلام طويلة من جنسيات مختلفة تبارت على جوائز المهرجان، إلى جانب ستة أشرطة وثائقية و13 شريطاً قصيراً. كما شهد المهرجان تنظيم «ماستر كلاس»، خصص للحديث عن السينما وتأثيرها على السياحة ونمو المدن والدول التي تحتضن تصوير الأفلام السينمائية والأشرطة التلفزيونية، إضافة إلى تنظيم ورشة في السينما. كما تميزت التظاهرة بتسليم جائزة «ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم» لابنة الناظور الوزيرة الفرنسية السابقة نجاة بلقاسم، التي شاركت رفقة سياسيين وسينمائيين وخبراء وأكاديميين مغاربة وأجانب في ندوة دولية خصصت لإلقاء الضوء على تداعيات أزمة كورونا وعالم ما بعد «كوفيد - 19».

- أصيلة: موسمان ثقافيان
واختار «موسم أصيلة الثقافي الدولي» الثاني والأربعون، أن ينظم فعالياته في دورتين، صيفية وخريفية. وشملت الدورة الصيفية، ما بين 25 يونيو (حزيران) و18 يوليو (تموز) تنظيم مشغل الصباغة على الجداريات، كما جرت العادة منذ ربيع 1978، نشط به 11 فناناً في مختلف أزقة مدينة أصيلة العتيقة، وأيضاً مشغل النحت والرسم بمشاركة 11 فناناً في مشاغل الفنون التشكيلية بقصر الثقافة، ومشغل الصباغة على الجداريات الخاص بأطفال مدينة أصيلة بحدائق قصر الثقافة، إلى جانب معرض «ربيعيات 2021» الذي أقيم برواق المعارض بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، وكذلك معرض أعمال «مشغل أطفال الموسم»، و«معرض الفنانين الزيلاشيين الشباب»، الذي أقيم بديوان قصر الثقافة. هذا إلى جانب ورشة «الإبداع الأدبي»، التي أشرف عليها الشاعر أحمد العمراوي، لفائدة طلبة المدارس الإعدادية والثانوية في أصيلة.
فيما نظمت الدورة الثانية (الخريفية) ما بين 29 أكتوبر (تشرين الأول) و18 نوفمبر (تشرين الثاني)، واستضافت ست ندوات، في إطار الدورة 35 لجامعة المعتمد بن عباد المفتوحة، وذلك وسط حضور عربي وأفريقي ودولي لافت، ومشاركة صفوة من الباحثين والمفكرين وأصحاب قرار نافذين والشعراء.
انطلق برنامج الندوات بندوة افتتاحية بعنوان «المغرب العربي والساحل: شراكة حتمية؟». فيما بحثت الندوة الثانية التي نسقها لويس أمادو، وزير خارجية البرتغال الأسبق، سؤال «أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية؟»، وتناولت الندوة الثالثة، التي نسقها الكاتب الأكاديمي الموريتاني عبد الله ولد أباه، موضوع «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، فيما جاءت الندوة الرابعة، التي نسقها الإعلامي المغربي جمال المحافظ، تكريمية في إطار فضاء «خيمة الإبداع»، وجرى خلالها تكريم الإعلامي المغربي محمد البريني، فيما تناولت الندوة الخامسة موضوع «الشيخ زايد: رؤية القائد المتبصر»، ليسدل الستار بتنظيم اللقاء الشعري الثاني، في موضوع «لغة الشعر العربي اليوم»، من تنسيق الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين.

- عروض مسرحية
وفرت الفترات القليلة التي تقرر فيها إعادة فتح قاعات السينما والمسارح والمراكز الثقافية وفق شروط، إثر تحسن المؤشرات المتعلقة بالوضع الوبائي بالمملكة، فرصة تنظيم عروض مسرحية أعادت بعض الدفء إلى المسارح. وقد عبر الكاتب المغربي ياسين عدنان عن هذه العودة التدريجية للحياة الثقافية والفنية إلى سابق نبضها، بالقول: «كأن هواءً جديداً بدأ يتسرّب إلى حياتنا. إلى حياة مدننا هنا. كأننا بدأنا نخرج من النفق بالتدريج. النفق الضيق الذي حشرَتْنا الجائحة فيه».
وضمن هذا المستجد الإيجابي، تابع عشاق المسرح عروضاً عديدة، بينها العرض المسرحي الذي اقترحه «مسرح أنفاس» والمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم 16 يونيو (حزيران) الماضي، تحت عنوان «المدينة لي». كما استضافت مراكش ما بين 22 و27 نوفمبر (تشرين الثاني)، الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للرقص المعاصر «نمشي» وبينالي الرقص في أفريقيا.

- فعاليات تشكيلية
حرصت مختلف المتاحف والأروقة وفضاءات العرض الفني التشكيلي على أن تفتح أبوابها بصيغ تساير مؤشرات الحالة الوبائية. وشكل تخليد الذكرى العاشرة لإحداث «المؤسسة الوطنية للمتاحف» بالمغرب مناسبة للوقوف على حصيلتها وإبراز الآفاق المستقبلة لمشاريع عملها، مع تقوية «الحكامة»، و«تثمين رصيد» المتاحف الوطنية و«جرد وحصر وتوثيق» رصيدها، و«دراسته علمياً والمحافظة عليه وصيانته وحمايته وفق المعايير المتعارف عليها والقوانين المنظمة لقطاع التراث»، و«إغناء المجموعات المتحفية التابعة لها من خلال حملات التجميع واستملاك أو تسهيلة استملاك أو شراء، بعوض أو بالمجان، الأعمال والتحف الفنية التي تكون لها قيمة تاريخية أو علمية أو دينية أو فنية أو أدبية أو إثنولوجية بهدف ضمها إلى مجموعات تلك المتاحف»، إلى جانب «التعريف بوظائف ودور المتاحف في تطور المجتمع وتشجيع الإبداع». وشكل معرض «دولاكروا... ذكريات رحلة إلى المغرب»، الذي نظم ما بين 7 يوليوز (تموز) و9 أكتوبر (تشرين الأول) بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، نموذجاً للدينامية الفنية التي تشهدها المملكة على مستوى العرض التشكيلي.

- إصدارات متنوعة
وشهد العام ازدياداً في إصدارات الكتاب المغاربة من طرف دور نشر عربية. وغطت هذه الإصدارات مختلف مجالات الكتابة، في الرواية «رجال الدار البيضاء» لأحمد المديني، و«غبار ونجوم» ليوسف فاضل، و«والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» لعبد الفتاح كيليطو، و«كتاب السفر» لمحمد بهجاجي، و«الروايةُ وشعريةُ اليتمُ» (دراسة نقدية) للباحث والمترجم حسن المودن، و«التيهاء» (تخييل ذاتي) لعبد القادر الشاوي، و«قراءات من أجل النسيان» لعبد السلام بنعبد العالي، و«السينما العربية تجارب... رؤى... رهانات» لمحمد شويكة. كما شهد العام ترجمة أعمال أدبية مغربية إلى لغات أخرى، مثل رواية «هوت ماروك» للمغربي ياسين عدنان التي ترجمها إلى الإنجليزية المستعرب الأميركي أليكس ألينس رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة هانتر بنيويورك.

- جوائز في النقد والإبداع
وحفل العام بباقة من الجوائز حصدها الكتاب المغاربة في مختلف أشكال الكتابة والإبداع، سواء داخل المغرب أو خارجه. منها جائزة المغرب للكتاب وفاز بها: محمد علي الرباوي عن مجموعته «رياحين الألم» (الجزء الرابع) بجائزة الشعر (مناصفة) مع رشيد المومني عن ديوانه «من أي شيء». فيما فاز بجائزة السرد إسماعيل غزالي عن روايته «قطط مدينة الأرخبيل»، وبجائزة العلوم الإنسانية (مناصفة) بوبكر بوهادي عن كتابه «المغرب والحرب الأهلية الإسبانية 1936 - 1939»، ويحيى اليحياوي عن كتابه «بيئة المعطيات الرقمية». وفاز بجائزة العلوم الاجتماعية (مناصفة) يحيى بن الوليد عن كتابه «أين هم المثقفون العرب؟ سياقات وتجليات»، وإدريس مقبول عن كتابه «الإنسان والعمران واللسان، رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية»، فيما فاز بجائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية نزار التجديتي عن كتابه «الناظم السردي في السيرة وبناتها: دراسات فيما وراء العيان والخبر»، وبجائزة الترجمة (مناصفة) أحمد بوحسن عن ترجمته لكتاب «مغامرات ابن بطوطة: الرحالة المسلم في القرن الرابع عشر الميلادي» ومحمد الجرطي عن ترجمته لكتاب «نهاية الحداثة اليهودية: تاريخ انعطاف محافظ»، وبجائزة الدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية خالد أنصار عن كتابه «الأصوات الصفيرية في الأمازيغية». فيما فاز بجائزة الإبداع الأدبي الأمازيغي (مناصفة) حسن أوبراهيم أموري عن روايته «تيتبيرين تيحرضاض»(الحمامات العاريات)، والطيب أمكرود عن ديوانه «أروكال» (جمر تحت الرماد)، بينما قررت اللجنة حجب جائزة الكتاب الموجه للطفل والشباب.
كما فاز الشاعر محمد الأشعري بجائزة «الأركانة» العالمية للشعر، في دورتها الخامسة عشرة. وفاز الباحث محمد مشبال بجائزة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية، في فرع اللغة العربية والأدب. كما فاز ثلاثة مبدعين مغاربة بجائزة «كتارا» للرواية العربية بالدوحة، في دورتها السابعة: الناقد محمد الداهي عن دراسته النقدية «سلطة التلفظ في الخطاب الروائي العربي المعاصر»، والناقد يحيى بن الوليد عن دراسته «مرايا التمدين والتهجين في الرواية العربية الجديدة... المغرب مِثالاً»، والروائي يونس أوعلي عن روايته غير المنشورة «أحلّاس، ذاكرة أليمة المدى».
وودع المغاربة عدداً من رموز الفن والأدب، منهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس (كورونا): الكاتب محمد سبيلا، والفنان عبد المنعم الجامعي، والروائي بشير القمري، والحاجة الحمداوية رائدة الغناء الشعبي، والمخرج السينمائي محمد إسماعيل، والصحافي محمد الأشهب.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.