أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

«مشروع أومّا» للطفية الدليمي

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»
TT

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

أربع صياغات لقصة واحدة تتحدث عن شخص واحد... «حي بن يقظان»

السخرية اللاذعة التي يواجه بها «فلاح» أصدقاءه المثقفين المتحمسين لإنقاذ أنفسهم وبلادهم من يأسها في شقة العزاب ببغداد، بتشبيههم بقادة «الفيالق السومرية» في مدينة «أوما» في عهد ملكها القوي «لوكال زاكيسي» الذي كان يتحضر لغزو «لكش» والاستيلاء على كنوزها ثم توحيد بلاد سومر، هي حجر الأساس المهمل الذي يتنكر السرد له في رواية الكاتبة العراقية لطفية الدليمي «مشروع أوما» - منشورات «المدى»، 2021. هذه السخرية نقرأها، ابتداءً، في استرجاع خارج زمن السرد الذي يبدأ بعودة إبراهيم الصافي لبلدته/ قريته الصافية. لم تستقر الرواية على توصيف نهائي للصافية؛ فهي بلدة، وهي قرية أيضا، برغم أن توصيف البلدة أكثر تواترا واستخداما في الرواية.
قصة العائد وما يتصل بها من عوالم سردية مغرية، إذن، هي الأصل الذي تدافع عنه الرواية وتتعمد تبريزه عبر العنوان، أولا، بما يقدمه من تأويل سردي مخصوص. وهناك، ثانيا، ثيمات العمل المتعلقة ببناء عالم متخيل يوازي عالمنا الحقيقي؛ غير أن المفارقة أن مقاصد الرواية وعالمها السردي لا تنجح في إخفاء و«طرح» القيمة الفائقة لـ«سخرية» فلاح السوداء وقد تكفلت، بمفردها، بصناعة المشهد بطرفيه اللذين سيحيلاننا إلى زمنين ومكانين وقصتين مختلفين تماما «وقد نتحدث عن ثلاث قصص!»، وهي ذاتها ما سيحسم توزيع المادة الحكائية في الرواية على قسمين: الأول بعنوان «وقائع بلدة الصافية»، والثاني بعنوان «مشروع أوما»، وينشغل القسمان بتوزيع مادتهما الحكائية على فقرات تحمل عناوين مختلفة.
القصة المضمرة: حي بن يقظان... أربعة مؤلفين لقصة واحدة، أربعة ينفذون «مشروع أوما».
ولكن لماذا كل هذه الأهمية لسخرية «فلاح»، الشاب شبه الفوضوي الذي لم يستقر، في حياته، على «عمل» أو «دراسة»؛ فمن دراسة الفلسفة في الجامعة التي هجرها ليعمل «بائع كتب» ومصمم ديكورات ومصور أفلام قصيرة وعازفا في فرقة موسيقية، إلى «صيغة المبالغة» الملازمة لاسمه كما يصحح لأصدقائه: «فَلّاح» وليس بـ«فلاح» «يا ناس اسمي على وزن (فعّال)». هذا القدر اللافت من «الفوضوية» المصاغة بسخرية فاقعة أعطت كلامه وسلوكه النافرين قيمة كبرى نجدها بصياغة أخرى ومختلفة لقصة ضمنية لا يصرح بها السرد سوى مرة واحدة ثم يهملها. إنها قصة «حي بن يقظان» التي تعاقب على «تأليفها» أربعة فلاسفة مسلمين، هم: الفيلسوف «ابن سينا» وقد كتبها أثناء سجنه، وأعاد كتابتها الشيخ شهاب الدين السهروردي، وتولى إعادة كتابتها، مجددا، الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، والكتابة الأخيرة كانت على يد ابن النفيس. عندنا هنا أربع صياغات لقصة واحدة، تتحدث عن شخص واحد يسمى «حي بن يقظان» الذي ينشأ على جزيرة منعزلة برعاية «ظبية» تجده هناك، وقد ضاع منها ابنها، فترضع الطفل وترعاه. يستعيد إبراهيم الصافي «لأمر لم يعلنه» قصة حي بن يقظان أمام أصدقائه ويجري بينهم حديث عن القصة الفلسفية التي تنسجم وقائعها مع رغبة المتحاورين بالخروج من مأزقهم الشخصي في بلادهم المحطمة؛ فتصطدم القصة المستعادة بسخرية «فلّاح» الذي يستعيد، ساخرا، مشهد المدينة السومرية المتأهبة للانقضاض على «لكش» وتوحيد سومر. وشتان بين المشهدين، مشهد الفيالق السومرية ومشهد الأصدقاء المتحمسين لإنقاذ أنفسهم من الطوفان. في المشهد الأول كان هناك «ملك» قوي يحكم «مدينة» صاعدة ستنجح بتوحيد بلاد سومر، فيما المشهد الثاني يختصره أربعة شباب يائسين لا يملكون غير «الثرثرة» سبيلا لإنقاذ أنفسهم من الطوفان القادم.
يهمل السرد قصة «حي بن يقظان» ومقاصدها، مثلما لا يحتفي كثيرا بسخرية فلّاح، ويدشن عالمه بمنطق العائد «إبراهيم الصافي» إلى قريته بعد تسع سنوات؛ غير أن إبراهيم لا يعود لبلدته المخربة وبساتينها المحترقة ليروي ما حصل، كما تعودنا في سردية المنفي العائد في روايات عراقية وعربية كثيرة. إنه يعود ليفتح بيت أهله المهمل بعد وفاة أمه، يعود لحب عمره «زهيرة الصافي»، ويعود ليحول سخرية «فلاح» إلى واقع وفي باله أن «الصافية»، بلدته، هي أوما السومرية التي يجب «الشروع» ببنائها. يترك إبراهيم أصدقاءه في بغداد ويعود ليبدأ العمل بـ«مشروع أوما». وقبل أن يغادر يدعوهم للالتحاق به، وسنجد، بعد حين، أن فلّاح وفيصل هما الملتحقان الوحيدان به. هكذا تكتمل الأركان الأربعة للقصة المضمرة، قصة أربعة مؤلفين تركوا لنا قصة واحدة بأربع صياغات سردية فلسفية، فيما نحن، الآن، أمام أربعة أشخاص سينفذون «مشروع أوما».
أي قصة: زمن أوما المستعاد... زمن الصافية المتخيل؟
لا يزيد الزمن في الرواية عن ثلاث سنوات. يبدأ في اليوم العاشر من أغسطس (آب) سنة 2026 وينتهي في صيف 2028؛ ولكن يوجد زمن آخر يقابله حينا، ويمثل غالبا ذاكرة يستعيدها زمن السرد ويتبناها. إنه زمن «أوما» المدينة السومرية في أقصى الجنوب العراقي في عهد ملكها «لوكال زاكيسي». الزمن الأول هو زمن متخيل، تجري أحداثه في المستقبل لكنه، كذلك، زمن مشبع بالإحالات إلى أحداث كبيرة وخطيرة حصلت في عقد زمني يسبق زمن السرد المتخيل. عندنا إشارات واضحة عن وقائع تخص وتؤرخ لسقوط مدن كبرى بيد عصابات القتلة المسلحة وميليشيات لا رادع لها تعيث فسادا في البلاد، إشارات عن مظاهرات كبيرة تسبقها أخرى عن مدن وبيوت تُسقط على رؤوس أهلها. ثمة حكومة ضعيفة تعجز عن توفير أبسط الخدمات من ماء وكهرباء، ناهيك عن حماية الناس، مواطنيها المفترضين. وثمة «الصافية» التي نعرف، من إشارات ضمنية، أنها تقع في مدينة عراقية شرق بغداد «ديالى». فيما يظل الزمن الثاني، زمن أوما المستعاد «في حدود 2327 قبل الميلاد، المقابل لبعض زمن السرد 2027 بعد الميلاد»، خلفية حكائية يتكئ إليها السرد، فهي أقرب إلى مرآة كبرى ترى فيها شخصيات الرواية ذواتها المضطربة والمتحولة في آن واحد. ومثلما يختلف الزمنان، يختلف المكانان كذلك؛ «الصافية» في شرق البلاد، وأوما في الجنوب. والرابط بين المكانين والزمنين هو مقاومة اليأس والنجاة من الطوفان القادم لا محالة بعد توحيد البلاد مجددا.
وبعودة إبراهيم الصافي إلى «الصافية» يتقرر كل شيء في الرواية: الوقائع السردية لقسميها الأول والثاني، وصور الراوي ومنطق السرد ومشهدية المكان، بل حتى عتبة العنوان ذي الحمولة الإخبارية التي تظهر للقارئ بصيغة السؤال، فيما يكون النص جوابا مفترضا لسؤال ابتدائي: ما مشروع أوما؟ ولا بأس؛ لكن هل، حقا، أن ثيمة «العودة» تحظى بكل هذه القيمة؟ تقرر هذه الأهمية، ابتداء، تراجعا سرديا لقيمة «السخرية» التي أهملها السرد والمتمثلة بشخصية «فلّاح» عبر كلامه وأفعاله. وهذا التراجع مفهوم ومسوغ لصالح تنامي قيم العمل والبناء الثاوية في العنوان «مشروع أوما». لكن السرد ينشغل، في الخفاء، بقصة ثانية، هي الأصل كما نعتقد، تمثلها قصة الفلاسفة الأربعة الذين تركوا لنا أربع قصص عن حي بن يقظان، وهم في الرواية إبراهيم الصافي وزهيرة الصافي فيصل «ولاحقا زوجته معلِّمة التلاميذ» ثم فلّاح «ولاحقا مها الفتاة المغتصبة».
كم قصة عندنا هنا؟ هل نحن إزاء قصة مدينة «أوما» السومرية بوصفها «الأمثولة» الكلية للذاكرة؛ أم أننا إزاء قصة بلدة «الصافية» كما يقدمها القسم الأول، أم أننا إزاء قصة الجدة المتسلطة، أم قصة العمة «روضة» التي حبستها الجدة في قبو البيت الكبير وماتت مع جنينها، أم أن «مشروع أوما» هو التمثيل الموازي الأحدث لقصة حي بن يقظان بصياغاتها الأربع؟ يمكننا أن نقول إننا أمام كل هذه الحكايات؛ نحن أمام قبو الحكايات، القبو الذي تنزل إلى قاعه زهيرة فتصدمها رائحة العفونة وأسرار الجدة الراحلة ومصائبها، وهي ذاتها أسرار بيت الصافي الكبير، أسرار الصافية. نحن إزاء هذه الحكايات كلها؛ ولكن كيف؟
لنترك عتبة العنوان ونتأمل الصور التي يظهر عبرها راوي السرد. هو الراوي المراقب الذي يحكي وينقل لنا رؤى وخطابات الشخصيات السردية، وفي مواضع ليست كثيرة يترك مكانه ويتولى السرد الراوي كلي العلم، ثم نجد الراويين، في الخاتمة، يتركان الشخصيات تتكلم، بعد أن حقق المشروع قدرا ملحوظا من النجاح، وصار بقاؤه ودوامه رهن قدرة الجميع، لا سيما إبراهيم وزهيرة، على المقاومة والصمود. زهيرة، مثلا، تنتظر مولودها من إبراهيم، وهي تعرف أن القتلة وعصابات الإرهاب لن يتركوهم بسلام. فيصل يعود بزوجته «المعلِّمة» إلى «الصافية» ويستكمل معها مشروع التعليم الحر للأولاد. فلّاح يتوج حبه لـ«مها/ علياء»، الفتاة المغتصبة التي تعهدت الجدة برعايتها وتبنيها. تنتهي الرواية كما لا تبدأ، بالأمل ومشهد البساتين المزدهرة بعد أن كانت محض رماد في مفتتح الرواية، لكن مشهد الخاتمة لا يخدع القارئ بأوهام الانتصار إنما يضعه في قلب مشهد «القتلة» المتربصين بالحالمين.
تنسجم مشهدية المكان مع تحولات الراوي وأصواته السردية، فالـ«صافية»، مثلا، كما يقدمها القسم الأول من الرواية، هي مكان بلا ملامح حقيقية؛ مجرد قرية شهدت الخراب والموت، نكتشف تفاصيلها الأولى بعيني زهيرة في مطلع الرواية. قرية لا يميزها سوى بستان الورد ومشهد بيت الصافي الكبير على مرتفع مكاني ليس بعيدا عن النهر. لكنها ستأخذ سمات المكان الحقيقي ذي الملامح الذاتية بتحول السرد إلى منطق الراوي المتكلم، إذ سنشهد تفتح المكان وازدهاره عندما يتولى الرواة الأربعة سرد قصة كل منهم. لنقل عندما يتولى الرواة «كتابة» قصة «مشروع أوما»، وهو الأصل الذي جهد السرد لإخفائه بلا جدوى.

- ناقد وأكاديمي عراقي



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.