رحيل حسين حبري بعد ثماني سنوات من حكم تشاد بالحديد والنار

الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
TT

رحيل حسين حبري بعد ثماني سنوات من حكم تشاد بالحديد والنار

الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)
الرئيس التشادي السابق حسين حبري يرافقه ضباط عسكريون خلال محاكمته عام 2013 في داكار (أ.ف.ب)

حياة رئيس تشاد الأسبق حسين حبري تلخص لوحدها وإلى حد بعيد تاريخ أفريقيا لما بعد الاستقلال. فالرجل الذي توفي أول من أمس بوباء كوفيد في أحد مستشفيات دكار، عاصمة السنغال، سلك مساراً قاده إلى السلطة عبر انقلاب عسكري وأخرج منها بانقلاب عسكري آخر. وما بين الانقلابين، تحول إلى ديكتاتور حكم بلاده بالحديد والنار ولعب على وتر التنافس بين القوى الغربية متنقلاً من حضن فرنسا إلى حضن الولايات المتحدة الأميركية.

تحول إلى بطل قومي لأنه قارع العقيد معمر القذافي الذي رأى أن من المفيد احتلال شمالي تشاد والتدخل في شؤونها الداخلية مستخدماً اللعبة القبلية. وفي فترة من حكمه، تحول حبري إلى شخصية فتحت أمامها أبواب مراكز السلطة. صورته إلى جانب الرئيس الأميركي الأسبق رونالد يغان في المكتب البيضاوي شهيرة وكما أنها شهيرة صورته إلى جانب الرئيس الفرنسي الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران في قصر الإليزيه. ثم إن صداقاته لم تتوقف عند هذا الحد. أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق تواصل معه وكذلك فعل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسن حسين الذي دعمه بالكثير من المال. والأمر عينه يصح على سيسي سيكو موبوتو، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية.

كانت تلك فترة الصعود التي واكبت وأعقبت الحرب الليبية - التشادية. والكثير من الدعم الذي تلقفه حبري لم يكن حباً به وتقديراً لأهمية تشاد السياسية والاستراتيجية بقدر ما كانت رغبة في إضعاف الزعيم الليبي الذي نصب نفسه لاحقاً «إمبراطور أفريقيا». بيد أن دولاب الزمن دار دورته. ولأن حبري الذي تلقى تعليمه الجامعي في فرنسا وحظي بدعمها، ارتمى في الحضن الأميركي وأدار ظهره لباريس، فإن الأخيرة لم تتردد في دعم غريمه الجنرال أدريس ديبي. باريس كانت تملك الأداة العسكرية للتدخل المباشر بفضل أجهزة مخابراتها في البلاد وخصوصاً بفضل القاعدة العسكرية الرئيسية التي تحتفظ بها «حتى اليوم» في مستعمرتها السابقة. وسريعاً، انهار حكم حبري في المواجهة التي قادها ضده شريكه السابق ديبي الذي سبق له أن أولاه أعلى المناصب العسكرية قبل أن ينفصل عنه ويلاحقه. وليس سراً أن المخابرات الفرنسية وقوات باريس المرابطة في تشاد كانت عوناً للأخير الذي حظي أيضاً بدعم ليبي وسوداني. وثمة واقعة معروفة وهي أن مدير المخابرات الخارجية الفرنسية كلود سيلبرزان أقنع الرئيس فرنسوا ميتران بأن حبري انقلب على باريس ووضع نفسه في حضن واشنطن وحثه على دعم أدريس ديبي الذي تلقى تعليمه العسكري في المدارس الحربية الفرنسية. وهذا ما حصل، فقد انهارت قوات حبري أمام المتمردين المتدفقين من شمال تشاد الذين قادهم ديبي حيث لقي حتفه في شهر أبريل (نيسان) الماضي وهو يحاول التصدي لمتمردين كانوا يتوجهون جنوباً للوصول إلى العاصمة.

بعد هزيمته في ساحة القتال، هرب حبري إلى السنغال. وسريعاً، لاحقه القضاء التشادي وأصدر عليه غيابياً حكماً بالإعدام. ولأن السلطات السنغالية رفضت استرداده، فقد انتهى به الأمر إلى المثول أمام محكمة خاصة أفريقية في العاصمة السنغالية أصدرت عليه حكماً بالسجن مدى الحياة. وكان يقضي محكوميته في أحد سجون العاصمة عندما أصابه وباء كوفيد 19، ولم يجد نفعاً إخراجه من السجن إلى المستشفى في إنقاذه فتوفي عن عمر ناهز الـ79 عاماً تاركاً وراءه الآلاف من الذين اضطهدهم طيلة سنوات حكمه. وعنه يقول ريد برودي، عضو لجنة العدل الدولية التي تساعد الضحايا منذ 1999 عن «حزنه لإعلان وفاة حبري جراء كوفيد»، مضيفاً في رسالة إلكترونية: «مضت أشهر ونحن نطالب بتلقيح حبري». وأردف ريدي، وفق ما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية: «سيبقى حبري في التاريخ أحد الديكتاتوريين الأكثر وحشية بوصفه رجلاً ذبح شعبه للاستيلاء على السلطة والبقاء فيها، وأحرق قرى بكاملها، وحكم على نساء بأن يكن في خدمة جنوده وأقام مخابئ مارس فيها صنوفاً من التعذيب بحق أعدائه تذكر بالقرون الوسطى». وقال وليم بوردون، أحد محامي ضحايا حبري إن الأخير «أحد أكثر الجزارين دموية في التاريخ».

إذا كان حبري قد احتل لعشر سنوات على الأقل المشهد العسكري والسياسي في تشاد، فذلك يعود بالدرجة الأولى لمؤهلاته الخاصة ولقدرته على استخدام العصب القبلي والتجاوب مع رغبات حماته من الغربيين. فقد نشأ حبري في صحراء جوراب الواقعة شمال تشاد، وسط بيئة رعاة يتنقلون مع قطعانهم في مساحات شاسعة. لكن حبري دخل المدرسة وحظي برعاية خاصة من أساتذته. ولما كانت السلطات التشادية بصدد إيلاء الوظائف إلى تشاديين بعد انتهاء الاستقلال عن فرنسا، فقد حظي الشاب حبري بتعيينه مساعدا لمحافظ ولاية موسورو. إلا أنه لاحقاً انتقل إلى فرنسا حيث درس في معاهدها «معهد الدراسات العليا لما وراء البحار ومعهد العلوم السياسية في باريس»، الأمر الذي مكنه من نسج علاقات ساعدته لاحقا في حياته السياسية وفي مسيرته نحو السلطة. وعقب عودته إلى تشاد في عام 1972، التحق حبري بـ«جبهة التحرير الوطنية» التي كانت تحارب النظام القائم المتهم باتباع سياسة تمييزية ضد قبائل الشمال والوسط من «التوبو». بعدها، عمد حبري إلى تأسيس «القوات الوطنية التشادية» التي تشكلت في أكثريتها من عناصر قبلية من «التوبو». ولم تتردد في ممارسة عمليات الخطف في السبعينات، في منطقة التيبستي «شمال تشاد» للحصول على الأموال. ومن الذين خطفتهم طبيب ألماني وموظف حكومي فرنسي وأشهرهم عالمة الأركيولوجيا فرنسواز كلوستر وزوجها. وينسب لحسين حبري تعذيب وقتل الكومندان الفرنسي غالوبان في شهر أبريل من عام 1975 الذي أرسل للتفاوض معه من أجل الإفراج عن الرهينتين الأخيريين.

استطاع حبري، بفضل قوات «جبهة التحرير» التي أسسها وقادها أن يفرض نفسه طرفاً سياسياً رئيسياً. لذا، عينه الرئيس فيليكس ملوم في أغسطس (آب) من عام 1878 رئيسا للوزراء وقد مارس هذا المنصب لأقل من عام. بعد ذلك، أسس حبري «مجلس قيادة قوات الشمال» الذي تحول لاحقاً إلى «قوات الشمال المسلحة». ولأنه كان طامعاً بالسلطة، فقد قام بانقلاب أطاح بالرئيس غوكوني عويدي في 7 يونيو (حزيران) 1982. وبوصوله إلى السلطة، عمد إلى احتلال منصب رئيس الجمهورية وإلى إلغاء رئاسة الوزراء ولاحق معارضيه السياسيين وأجهز على الكثير منهم مدشناً بذلك حكماً متسلطاً كان عماده «مديرية التوثيق والأمن» أي البوليس السياسي المسؤولة عن آلاف حالات التعذيب والخطف والقتل خلال سنوات حكم حبري التي دامت حتى أواخر عام 1990، إلا أن عويدي الذي كان يرأس حكومة «الاتحاد الوطني الانتقالية» فر إلى الشمال حيث حصل على دعم ليبي وكانت طرابلس قد احتلت شريط عوزو الذي كانت تعتبره أرضاً ليبية.

وتحولت المناوشات إلى حرب حقيقية بين القوات الليبية والتشادية التي حسمت لصالح الثانية بفضل الدعم الأميركي والدور الحيوي الذي لعبته القوة الجوية الفرنسية في إطار «عملية أيبرفيه» العسكرية. وثمة معلومات عن قيام الطرف الأميركي بإنشاء قاعدة تدريب سرية على الأراضي التشادية لعناصر من الأسرى الليبيين الذين استسلموا لمحاربة نظام العقيد القذافي وبينهم خليفة حفتر. وانتهت الحرب في عام 1987 باستعادة القوات التشادية كامل الأراضي بما فيها شريط عوزو البالغ عرضه مائة كلم. عقبها وبعد أشهر قليلة، تم تطبيع العلاقات بين طرابلس ونجامينا.

إذا كان أنصار حبري ينظرون إليه على أنه شخصية استثنائية نجح في إقامة دولة وحافظ على وحدتها وعمد إلى تحديث مؤسساتها، إلا أن المرجح أن ما سيحفظه التاريخ عنه أنه كان ديكتاتورياً متسلطاً لا يرتدع أمام أي وسيلة للحفاظ على مركزه وحكمه. حبري كان يقضي عقوبة السجن لمدى الحياة في سجن سنغالي بعد أن أدانته محكمة سنغالية - أفريقية في دكار بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم اغتصاب وإعدامات وعبودية وخطف. وقدرت لجنة تشادية بأربعين ألف شخص، عديد ضحايا القمع الذي مارسه نظام حبري. إلا أن سنوات كثيرة قضاها الأخير في السنغال دون أن يرف له جفن رغم الضغوط الدولية والمحاكمة الغيابية في نجامينا التي أصدرت ضده حكماً بالإعدام. إلا أن الأمور أخذت بالتغير بعد 13 عاماً من لجوئه إلى السنغال حيث إن الضغوط الدولية أفضت إلى توقيفه في عام 2013 ثم إلى تشكيل محكمة أشئت بالتعاون بين السنغال والاتحاد الأفريقي. وصدر حكم نهائي بالسجن مدى الحياة في 30 مايو (أيار) من عام 2016. ورفض حبري طوال فترة المحاكمة أن يتكلم أو أن يمثله أحد أمام سلطة قضائية ظل يرفضها. وواصل أنصاره المطالبة بالإفراج عنه فيما كان بالسجن في داكار. وتم الإفراج عنه لمدة شهرين بإذن خاص السنة الماضية بهدف حمايته من فيروس كورونا. وطالبت عائلته ومحاموه منذ أشهر باعتماد نظام سجن آخر غير الاعتقال بسبب سنه وتدهور وضعه الصحي. وحذروا من احتمال إصابته بكوفيد - 19 في السجن. ووافق القضاء السنغالي في أبريل 2020 على السماح له بالخروج من السجن لمدة 60 يوماً بسبب مخاطر تعرضه للفيروس. وعاد آنذاك إلى منزله في داكار تحت حراسة دائمة. ولاحقاً، أرجع حبري إلى سجن كاب مانويل، الواقع في قلب العاصمة دكار. وبعد تدهور حالته الصحية، أدخل قبل أيام إلى المستشفى حيث توفي. ورحل حبري دون أن ينفذ حكم المحكمة التي طلبت منه دفع تعويضات لضحايا القمع تصل قيمتها إلى 125 مليون دولار. وتؤكد لجنة عن أهالي الضحايا أنه حمل معه ثروة طائلة وبالتالي يتعين أن ينفذ حكم المحكمة.
 



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.