المغربي سباطة: الكتابة وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته

روايته «الملف 42» تنافست بقوة على جائزة بوكر العربية

عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
TT

المغربي سباطة: الكتابة وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته

عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة

يتحدث الروائي المغربي عبد المجيد سباطة في هذا الحوار عن العلاقة المعقدة، كما يسميها، بين الحياة والرواية، مشيراً إلى أن مهمة الروائي تتلخص في طرح الأسئلة، حول الماضي والحاضر، وأحياناً المستقبل، مشيراً إلى سعادته بصدور أي عمل مغربي جديد، سواء كان مؤلفه شاباً أو من جيل الرواد، باعتباره «حجراً يلقى في بركة المشهد الثقافي المغربي». من دون أن يخفي أن «هناك من اعتقد، وما زال يعتقد، أنه قادر على محاربة» جيل الشباب، وذلك «باستخدام الأدوات نفسها التي كانت فعالة في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي». وفيما يلي نص الحوار:

> فزت، وأنت في سن الثلاثين، بجائزة المغرب للكتاب في صنف السرد عن رواية «ساعة الصفر». وبعد سنتين من فوزك بأهم جائزة مغربية، تنافست بقوة على جائزة (البوكر) برواية «الملف 42»، التي كانت قد اختيرت ضمن القائمة القصيرة... كيف حققت مثل هذا «التألق» المبكر؟
- الرهان على جدوى الكتابة وقدرتها على التغيير، رغم إصرار كل الظروف على إثبات العكس، والمطالعة المستمرة والانفتاح على التجارب السردية المتنوعة من مختلف أنحاء العالم، والعمل الدؤوب من خلال الاستفادة من التجارب السابقة وتصحيح أخطائها وتجاوز نقاط ضعفها، ثم الإيمان بأن القادم سيكون دائماً أفضل، ما دمنا قادرين على الكتابة.
> على ذكر الجوائز، كيف ترى علاقة الكاتب بها؟ هل هي مقياس صائب للحكم على عمله؟ وكيف يمكن ألا تتحول إلى هدف وغاية بالنسبة له؟
- كما هو معلوم، فإن معدلات القراءة في المغرب والمنطقة بشكل عام ما زالت بعيدة كل البعد عن المأمول، وإن كان الزخم الحالي يبشر بمستقبل أفضل. تقريباً لا وجود لأي كاتب مغربي أو عربي يعيش من إيرادات كتبه، وبالتالي، جاءت الجوائز الأدبية لسد هذه الفجوة، خصوصاً مع التغطية الإعلامية التي تواكبها، بما يسهم في التعريف بعدد من الأعمال وتقريبها من القارئ وسط طوفان النشر الحالي، كما أن الجوائز تخلق جواً من المنافسة - يفترض بها أن تكون شريفة طبعاً - بين الكتاب، المتحفزين لتطوير أساليبهم والدفع بخيالهم الإبداعي نحو عوالم جديدة، ولكن هذا لا يعني السقوط في فخ «الكتابة للجوائز». يكتب المبدع ويسعى للوصول إلى عقل القارئ ووجدانه، ثم يأتي الاعتراف والتتويج بالجوائز بعد ذلك، عاجلاً أم آجلاً. روعة الإبداع، وربما مشكلته، تكمن في نسبيته، وبالتالي فإن جدل التمييز سيبقى حاضراً دوماً، وهو في نظري نقاش صحي يبث الحياة في المشهد الثقافي المغربي والعربي ويسهم في الحفاظ على نشاطه بشكل دائم.
> نقرأ في «ساعة الصفر» أن «وطن الإنسان أصله» وأن «وطناً بلا حب مجرد أرض قاحلة خالية وإن فاض ماؤها وكثر ناسها»، فيما نقرأ لك على ظهر غلاف «الملف 42»: «لست رجل سياسة يكذب على جماهيره لإخفاء الحقيقة، أنا كاتب يكذب ليكشف لقرائه الحقيقة»... لماذا اختيار الكتابة تحت سقف الرواية، أنت الذي اقتحمت عالمها قادماً من تخصص في الهندسة المدنية؟
- لطالما كانت علاقتي بالرواية قوية منذ سنوات طفولتي، كانت الرواية وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته، قرأت القصة القصيرة والشعر والمسرح بطبيعة الحال، لكنني وجدتني مشدوداً أكثر للرواية، باعتبارها – من وجهة نظر شخصية - الفضاء القادر على استيعاب كل ما يستهويني: تعدد الشخصيات والفضاءات والأزمنة وتفرع الأحداث وتعقيد الحبكة (أو حتى بساطتها في بعض الأحيان)، وهو ما لن توفره لي أجناس أدبية أخرى.
> الكتابة والهندسة عالمان يرتبطان بالبناء والعمارة. أيهما أسهل وأجدى: بناء رواية أم تشييد قنطرة أو عمارة؟
- صحيح، الكتابة والهندسة يرتبطان بالبناء، وهو ما أشرت إليه في الصفحات الأولى من رواية «الملف 42»، عندما اعتبرت أن اختلال جزئية واحدة في البناء الروائي قد يؤدي لانهياره بالكامل. إذا انطلقنا من هذا التعريف، فسأقول إن مهمة المهندس تتوقف عند تشييد البناء - لنعتبره عمارة مثلاً - وتقوية أساساته والتأكد من متانتها، أما الروائي فمطالب ببث الحياة في هذه العمارة، بخلق الشخصيات والأحداث وتأثيث الفضاء بعلاقات وصراعات وخيانات، في إطار حبكة جامعة ومتوازنة، ما يجعل مهمته أصعب من مهمة المهندس بمراحل.
> في «ساعة الصفر» و«الملف 42» تستعيد عدداً من المحطات والأحداث التي طبعت التاريخ المغربي المعاصر، هل يتعلق الأمر بـ«نضال» بالكتابة، أنت الذي تقول إنك انتقلت في العملين من «سؤال الهوية» إلى «سؤال الكرامة»؟
- معقدة هي تلك العلاقة بين الحياة والرواية. افتتحت رواية «الملف 42» باقتباس للكاتب اللبناني ربيع جابر: «الحياة فقط تقلد الروايات»، كما ورد في رواية «ساعة الصفر» أن «الحياة مجموعة أسئلة نقضي أعمارنا باحثين عن إجاباتها». مهمة الروائي طرح الأسئلة، حول الماضي والحاضر، وأحياناً المستقبل، اليوم «سؤال الهوية» و«سؤال الكرامة»، وغداً ربما «سؤال الذاكرة» أو أسئلة أخرى، من يدري؟، وعلى القراء البحث عن إجابات، قد تختلف بين قارئ وآخر. هنا تتجلى نسبية الأدب وانفتاحه على كل الاحتمالات.
> حدثنا عن قراءاتك...من من الروائيين كان لهم تأثير أكبر على تطوير تجربتك الإبداعية، واختيار الكتابة تحت «سقف» الرواية؟
- من البديهي اعتبار القراءة حجر زاوية أي مشروعاً روائياً، لا يمكن لمن لا يقرأ أن يكتب، أو على الأقل أن يواصل الكتابة بالزخم ذاته. أتعامل مع قراءة كل كتاب جديد كتجربة مختلفة تؤثر في بطريقة ما. ربما أظهرت رواية «الملف 42» ميلي للتجارب السردية التجريبية والحداثية، وما كتبه كالفينو وبيريك وأوستر وكورثاسار ودون ديليلو وغيرهم، ولكن هذا لا يعني تجاهل الأدب الكلاسيكي، الذي أعتبره قاعدة للانطلاق، من دوستويفسكي ودوماً إلى همنغواي وزفايغ، مروراً بكافكا ووايلد وكونان دويل، وينطبق هذا أيضاً على اهتمامي الأدبي العربي، من أشعار المتنبي ومقامات الحريري، إلى روايات محفوظ ومنيف ومينه وجابر وزفزاف، والقائمة طويلة بطبيعة الحال!
> استحضرتَ محمد زفزاف دون غيره من الروائيين المغاربة...
- أعتقد أن زفزاف من بين الكتاب المغاربة القلائل الذين يستحقون لقب الكاتب الكبير، وعن جدارة. آمن زفزاف بجدوى الكتابة رغم تكالب الظروف وإصرار البعض على محاربة تجربته ودفعه للانزواء بعيداً عن المشهد الثقافي المغربي والعربي، لكنه قاوم حتى النهاية، وما زالت أعماله تقرأ حتى الآن، بعد مرور سنوات طويلة على وفاته. انحاز زفزاف للهامش فعلياً، ما دام منتمياً له، عكس من اعتبروا الكتابة عن الهامش موضة لا بد من ركوب موجتها في وقت معين. أعتز بقراءتي للأعمال القصصية والروائية الكاملة لزفزاف، وأعتبر استحضاره في رواية «الملف 42» عرفاناً رمزياً بسيطاً ببصمته في الأدب المغربي.
> يلاحظ المتتبع للمشهد الروائي المغربي بروز أسماء شابة بثت روحاً جديدة في الرواية، شكلاً ومضموناً. وقد سبق لك أن قلت إن هذه الأسماء حفزت جيل الرواد على «تطوير أدواته والخروج من «منطقة راحته»».هل ترى أن الجيل الحالي «تفوق» على جيل الرواد، على مستوى الكتابة والحضور؟
- الحديث عن تفوق جيل على آخر يوحي بوجود صراع معين، وهو ما أرفضه شخصياً، العلاقة بين الأجيال علاقة تكامل لا تنافر، يستفيد الشباب من الرواد، ويؤمن الرواد بحق الشباب في التعبير عن أنفسهم بالطريقة والشكل الذي يرونه مناسباً، ففي الإبداع لا سلطة لأحد على أحد. أنا أقرأ وأسعى باستمرار لتطوير أسلوبي وكتابة وترجمة أعمال أفضل من سابقتها، وأسعد بصدور أي عمل مغربي جديد، سواء كان مؤلفه شاباً أو من جيل الرواد، باعتباره حجراً يلقى في بركة المشهد الثقافي المغربي. هناك من اعتقد، وما زال يعتقد، أنه قادر على محاربة جيلنا باستخدام الأدوات نفسها التي كانت فعالة في السبعينات والثمانينات. هذا رهان خاطئ طبعاً، وقد أثبتت الأيام ذلك.
> قمت بترجمة عملين روائيين إلى العربية. بماذا «تنصح»، أو لنقل: ماذا تنتظر من مترجم يرغب في «نقل» إحدى رواياتك إلى لغة أخرى؟
- أقول دائما إن تجربة الترجمة كانت وستبقى مفيدة جداً بالنسبة لي، فقد مكنتني من الانفتاح على الآداب العالمية، وساعدتني على تجويد لغة الكتابة، واعتماد ما يمكن تسميتها بالصرامة المنهجية في التعامل مع كل مشروع روائي جديد. خضت، ولأول مرة، تجربة التعامل مع مترجم بارز ومحترف، هو البريطاني جوناثان رايت، عندما اشتغل على ترجمة فصل من رواية «الملف 42» إلى الإنجليزية، في إطار ترجمة فصول من الروايات المرشحة ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، حيث طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بفهم أدق تفاصيل الرواية، سعياً منه لصياغة ترجمة أمينة، فكنت مرتاحاً ومطمئناً لعمله، وبالفعل كانت ترجمته للفصل الذي صدر فيما بعد ممتازة للغاية. لا أنتظر من مترجم إحدى رواياتي مستقبلاً سوى أن يعامل النص مثلما أعامل أنا أي نص أترجمه، تحري أقصى درجات الأمانة، وإن كانت الأمانة المطلقة في الترجمة أمراً بعيد المنال، نظرياً على الأقل، وصرامة البحث والتنقيب والتدقيق في التعامل مع أدق التفاصيل، خصوصاً تلك التي قد تكون إلى حد ما بعيدة عن ثقافة المترجم.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.