«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

الأرمني «اللقيط» يروي لنا قصة «بلاده» في رواية الراحل حميد الربيعي

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع
TT

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

ثمة عودتان إلى مدينة الأحلام، بغداد. عودة أولى، أصلية فكر بها ونفَّذها الجد الأول لعائلة أرمينية منتصف خمسينيات القرن العشرين. وعودة لاحقة يلتزم بها جاكوبيان، الحفيد الباقي الوحيد من العائلة، بعد أن تصله رسالة إلى منفاه في باريس على جناح طير. تتصل العودتان بإشكاليات تأسيس الدولة والهوية، وتتحدد بموجبهما مصائر الجميع، وفي الطليعة منهم مصائر بغداد ذاتها وأحلامها، وحتى كوابيسها المرعبة. العودتان تتلازمان، إحداهما امتداد للأخرى، كأننا إزاء عودة واحدة بسياقين زمنيين متصلين، وهما معاً يشكلِّان مشكلة السرد الكبرى في رواية الراحل حميد الربيعي الأخيرة «جمرات يارا» (دار صفصافة: القاهرة، 2021». يقرِّر الجد، الفلاح الأرمني، بعد أن يشاهد فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق يتحدث -آنذاك- في هيئة الأمم المتحدة عن دولته التي ترعى مواطنيها المختلفين في الدين والسياسة والعقيدة، أن الجمالي يشبهه، وأن عليه أن يعود إلى أصله المفترض. ولا تختلف كثيراً عودة جاكوبيان/ ريان عن عودة جده، سوى أن الحفيد لا يعود إلى مدينة الحلم، إنما إلى مدينة يمقتها، ويعرف أنها ترفضها وتكرهه فتصفه بـ«اللقيط»، ليبحث عن قصة أصوله عبر تيمة البحث عن قبر أمه يارا الأرمنية.
تستجيب قصة الأصول المفترضة لجدل السرد وتأسيس الدولة في العراق. وهي قضية نادراً ما تنبه لها نقّاد الرواية والقصة عامة في العراق، رغم اشتباك الرواية العراقية، لا سيما ما نُشر من نصوصها بعد عام 2003، بالسرد بصفته المقولة التأسيسية المعبرة عن الدولة، وهي كذلك في أصلها عند هيغل في محاضرات التاريخ، وفي نظرية الرواية عند المنظِّر المجري جورجي لوكاش، وفي مقولة الروسي باختين عن الرواية بصفتها نصاً غير مكتمل. كانت الدراسات النقدية عندنا، وإلى حد كبير في العالم العربي، يشغلها جدل السياسي مع الخطاب الأدبي، أو التحولات الاجتماعية المتصلة بتحولات السلطة، أو صور الاستبداد أو السجن في الرواية. وفي أثناء صخب الربيع العربي، قرأنا من حين لآخر دراسات أو مقالات تقارب رواية الديكتاتور، فصار الحكام العرب ممن أسقطتهم موجة ذلك الربيع العاصف -فجأة ربما- حكاماً ديكتاتوريين، لكن من النادر أن نقرأ مقالات أو دراسات تقرأ الرواية/ السرد بصفتها مقولة تأسيسية للدولة، وأغلب ما يصلنا هو دراسات مترجمة عن لغات العالم المختلفة عما تسميه «سرد الأمة» أو «الأدب والدولة»، وهو قليل على أي حال. «جمرات يارا»، مثل روايات عراقية أخرى، تحاول أن تصل ما انقطع في هذا السياق، مما بدأه غائب طعمة فرمان، لا سيما في روايته التأسيسية الأولى «النخلة والجيران»، ورواية مجايله فؤاد التكرلي اللاحقة «الرجع البعيد»، وصولاً إلى ثلاثية عبد الخالق الركابي المعروفة. وقد نقول إن الأمر ذو جذور بعيدة تتصل بالتحول العميق في بنية الكتابة العربية، في العراق مثلاً، من مقامات الألوسي إلى الرواية الإيقاظية، وليس ختاماً بـ«قصة جلال خالد» للسيد.

قصة الأصول
تفتح الرواية نصها بمشهد مكاني لا ينتمي ولا يتصل بمدينة الأحلام: بغداد؛ إنها «تمبكتو» البعيدة، في طرف الصحراء الكبرى في شمال «مالي» الأفريقية. يقصدها «ريان»، القناع الاسمي لجاكوبيان، ليحقق لأمه رغبتها في الوقوف على أصل آلة «الخشابة» التي كان أبوه «مزهر» يعزف عليها، فترقص يارا (زوجته لاحقاً) على وقعها. المشهد برمته يمثِّل كناية مكانية عن أمرين، أو بدقة أكثر عن أصلين، ما دمنا بصدد قصة/ رواية الأصول، وهما: الأصل المكاني البعيد كذلك عن بغداد، وهي أرمينيا التي قدم منها الأب/ الجد الأول، ومات قبل أن يصل إليها؛ والثاني الأصل المنفي للحكاية برمتها، وهو يتصل بـ«دولة» و«بلد» بُنيا سريعاً من أصول اجتماعية ثقافية ودينية - أثنية مختلفة، وربما متعارضة. في حانة الأقدار بمطار بغداد، وهي كناية مكانية أخرى عن حانة سيدوري التي لجأ إليها كلكامش، نعرف أن «ريان» يعود إلى بغداد التي يكرهها بعد ثلاثة عشر عاماً من المنفى الباريسي، عاد ليعرف قدره؛ إنه الآن بصدد الدخول إلى العالم السفلي. نادلة الحانة تسقيه خمراً ليتجرع البحث عن سكرة الموت. ثم يبدأ الحكي، بعدها، أمام ملك الحانة ذي اللحية البيضاء. نعرف أن «ريان» هو ابن «كاولي/ غجري» وأمه أرمنية، فهو «لقيط» في السجلات الرسمية للدولة، لا جنسية وطنية له، ولا لأمه وأبيه، وهو يعود بجواز سفر فرنسي.
لكن هل عاد «جاكوبيان/ ريان» إلى بغداد فقط لأجل أن يبني قبراً لأمه التي لا يتذكر حتى وجهها، بعد أن سلَّمته «يارا» طفلاً صغيراً إلى الأسطى طه، لتحميه من انتقام قاتل «الراقصات» في عراق التسعينيات، غضبان الحسن؟ بعد وصوله إلى مخبأه القديم في محلة قنبر علي ببغداد، يقوده أسطى طه إلى مرقد الولي الصالح، ويشرح له فكرته عن قبر يارا المتخيل، إنه بين قبري الولي واليهودي «ذي الثعبان»، فهل انتهت القصة؟ كلا. يعرف ريّان أن القصة كلها في بئر الأسطى طه. ولا بد، إذاً، من البحث عن يارا أو مكان دفنها. لا تنتهي القصة إلا بسرد أحداثها كاملة. ولأجل هذا، يعود «اللقيط» ليروي لنا قصة بلاد لم تعترف دولتها بأهله، ولم تلتزم بكلمة وزير خارجيتها وهو يعلن للعالم أن بلاده ترعى مواطنيها بطوائفهم ودياناتهم وقومياتهم المختلفة.

رواة متعددون
يتولى سرد أحداث الرواية أربعة رواة: ريان وهند وأسطى طه ثم نجمة الحسن. ويصلنا السرد عبر ضمير الشخص الثالث غالباً، عندما لا يسرد ريّان؛ حتى الأخير نجده أحياناً ينقل لنا الأحداث عبر ضمير الغائب، وتشاركه بوظيفة الراوي المتكلم نجمة الحسن في ختام قصة يارا. لا راوي واحد كما تفترض قصة الآباء المؤسسين، إنما رواة متعدِّدون ينتمون للقصة، عاشوا أحداثها، كما قال الأسطى طه لريان وهند اللذين يسمعان الآن بالقصة وأحداثها، في الأقل هذا شأن أسطى طه ونجمة الحسن. هؤلاء الرواة الأربعة ينجحون، ويا للمفارقة، في صياغة رواية ذات تواريخ وأزمنة مختلفة متناقضة حد التضاد؛ هذه الرواية هي، باختصار، تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع. لنأخذ عودة الجد، الفلاح الأرمني، إلى أصوله المفترضة. متى حدثت؟ لا تقول لنا الرواية تاريخاً محدَّداً، وتذكر فقط منتصف الخمسينيات، وربما الأرجح أن نتحدث عن عام 1954. لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأنه التاريخ الذي ألقى فيه فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق آنذاك، خطابه في هيئة الأمم المتحدة، وهو الخطاب ذاته الذي زرع في رأس ذلك الفلاح المعدم فكرة أن أصله من بغداد، مدينة الأنوار. وحدثت رحلة العودة بعده بعام أو يزيد. ثمَّ إن الرواية تتحدث عن تعداد سكاني في العراق، ولم ينظَّم تعداد عام في العراق طيلة عقد الخمسينيات سوى في عام 1957. تصل العائلة المكوَّنة من ثلاث بنات وغلام يافع صحبة الأب وأمهم إلى بساتين البرتقال قرب بعقوبة، ويجري حشرهم في مخيمات اللاجئين بين «شهربان» و«السعدية». تختصر يارا قصة عودة العائلة بإحدى رسائلها لريّان: إنها (أمه) قد جاءت إلى بغداد مع سبايا الآثوريين المبعدين عن سهل نينوى بعد أحداث «سميل» المعروفة. هذه الأحداث وقعت عام 1933، فكيف وصلت العائلة بعد خطاب الجمالي منتصف الخمسينيات، وكيف حُشر أفرادها في مخيمات الآثوريين؟ ريّان نفسه يحذرنا بقوله إنه ليس هناك راوٍ محدد «واحد» موثوق به لحكاية عودة العائلة إلى أصلها المفترض. ولا يتردد، وهو يروي التفاصيل، عن التشكيك بأصل الحكاية، ناقلاً عن رسائل أمه: «سنعرف لاحقاً أن نجمة الحسن هي من كانت تكتب الرسائل لريان بعد قتل يارا!». وأحياناً، تسعفه الذاكرة فيستعيد نتفاً من تلك الحكاية. فمن نصدق إذن؟ لا موثوقية، ولا تاريخ حقيقة؛ جاكوبيان نفسه، أو ريّان لاحقاً، يقول لنا إنه يستعين بالمخيلة عندما تعوزه الوقائع، فهل تصحِّح المخيلة وقائع التاريخ؟ ربما...
ثمة تاريخ واحد يتكرر بوتيرة منتظمة على امتداد فقرات الرواية، إنه الرقم ثلاثة عشر قرناً، ثلاثة عشر عاماً، ومثله إلى حد ما مدة اختباء ريان في بيت الأسطى طه، لكن هذا الانتظام لا يحاول كسر اضطراب التواريخ والأزمنة، فالاضطراب هو الأصل في كتابة السرديات الكبرى، كما تشرح لنا هند، ولنجمة الحسن، كيف أنهم يروون حكاياتهم على سطح البيت لتصعد بعدها إلى السماء، وتنتظر هناك حتى يجدها راوٍ ويصنع منها حكاية كبيرة تتولى إثارة الأسئلة الكبرى: سؤال الدولة، وسؤال الأمة، وسؤال هند التي برعت في صناعة عطر التراب، فاكتفت به في غياب ريان، وصارت تكلِّم النجوم وتستدعيها إلى فراشها على سطح دارهم. لكن سؤال الهوية يظل خاتمة متوقعة للرواية، بعد حكاية ملفقة تماثل حكاية تلفيق الهوية الوطنية التي حُرمت منها يارا ومزهر، فأدركها اللقيط ورواها.

- ناقد أكاديمي من العراق



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.