«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

سهيل سامي نادر كان يريد لحياته أن تمضي في مكان آخر

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة
TT

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

ليس سوى «سوء حظ»... هكذا ببساطة جارحة يكتب لنا سهيل سامي نادر ذكرياته عن عمله الصحافي في زمن الانقلابات. «سوء حظ»؛ كلمتان نكرتان يتصل بعضهما ببعض لتؤلفا عنواناً مشبعاً بالألم والسخرية والكوميديا السوداء. وهما معاً الصيغة الصادمة التي يجري عبرها اختصار نصف قرن من العذاب الشخصي للكاتب، وهو ذاته بعض تاريخ الصحافة في العراق، وتاريخ العراق في زمن الانقلابات، زمن المحن المتوالدة. فهل كان الأمر مجرد «سوء حظ» لازم واحداً من أبرع صحافيي العراق وأكثرهم مهارة وكفاءة وحظاً سيئاً؟ هل حقاً أن مصائر الناس والبلاد تصنعها الأقدار السيئة والحظوظ المتدنية في بلادنا سيئة الحظ؟
ثلاث قضايا كبرى تعلَّق بها كتاب «سوء حظ... ذكريات صحافي في زمن الانقلابات: المدى، بغداد، 2020»، ولقد تحكمت بالكتاب السيري، فكان تأكيداً لها وترديداً لبراهينها. هذه القضايا عبرت عنها مقدمة الكتاب بصراحة ووضوح كافيين؛ فهي المفاتيح الممهِّدة لعالم الكتاب. أولها مقصده من تركيبة «سوء حظ»، وهي لا تحيل، هنا، إلى مجرد تاريخ شخص مفرد عاش وعمل في إطار زمني محدد؛ إنها تربط «وللدقة علينا، ربما، أن نكتب تعجن!» مصائر أجيال عراقية كثيرة بصفة «سوء حظ» في سياق تاريخ عراقي محدد، إنه ما بعد انقلاب فبراير (شباط) عام 1963، ذلك الحدث الرهيب الذي جعل الكاتب وأقرانه ومن جاء بعدهم «مجرد شريك بسوء حظ ضم أجيالاً من العراقيين فقدوا الأمان وتحولت حياتهم إلى جحيم». نحن هنا إزاء «سوء حظ» وطني يشمل بلاداً كاملة في سياق تاريخي متصل ومعلن. يبدأ الحظ السيئ، شخصياً ووطنياً، بانقلاب فبراير عام 1963. ولا بأس، لكن لماذا يبدأ الكاتب بهذا الانقلاب؛ ألم يعنون الكتاب بقوله: «ذكريات صحافي في زمن الانقلابات»؛ أليس ما حدث قبل مذبحة فبراير هو انقلاب أيضاً، ألم يسمِ الكاتب نفسه ما حدث عام 1958 انقلاباً، ونص على هذه الكلمة في كتابه هذا وفي مقالات سابقة أثارت غضب جماعات سياسية محدَّدة؟ ليس لدي تفسير لما حدث سوى أمر واحد. يتعلَّق بحداثة عهد سهيل سامي نادر، شبابه المبكر بالنسبة لحدث يوليو (تموز) عام 1958، فسهيل المولود في البصرة عام 1943 لعائلة عراقية معروفة بانحيازها اليساري؛ أبوه سامي نادر، مثلاً، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، لم يزد عمره، آنذاك، على خمسة عشر عاماً. ماذا يعني هذا؟ لا شيء؛ فسهيل نفسه قد كتب مراراً أن ما حدث عام 1958 هو تمرين أولي على الحياة، وهو مختلف كلياً عن انقلاب فبراير الرهيب الذي دشن الصياغات الكبرى لتأميم الحياة والأمل والخطاب بمستوياته المختلفة في العراق. لكن «سوء حظ» يلتقي هنا، عميقاً، مع السياق المقاوم للقبح وتدمير الحياة السوية في العراق. إنه بعض ما يسميه الكاتب نفسه «تحويل سوء الحظ إلى ضرب من المزاح والمرح»، وهو عندي السبيل المتاحة، الوحيدة ربما، لمقاومة اليأس والخذلان بالضحك والسخرية. في فصول الكتاب، بالضبط، في اللحظات التي نجد فيها سهيل يكتب عن سيرته تحضر السخرية والنكتة المفارقة في لجة الخوف والكراهية المضادة.
وهناك ما يسميه صاحب رواية التل «سيطرة الأزمان القصيرة» التي تبدو لنا صياغة مختلفة لموت الذاكرة عند العراقيين. نعم، لم يكن سهيل سامي نادر في وارد مناقشة قضية الذاكرة والتذكر في سياق كتابه، هذا شأن آخر لا يتصل ربما بجوهر سيرته المتأثرة بفعل السلطة الضاغط عليه وعلى غيره ولا شك، لكن سيرة الذاكرة وموتها في عقول ومخيال الناس حاضرة، بقوة، ونحن نقرأ ونشاهد فعل السلطة المخرب لكيان الدولة. وإن شئتم يمكننا أن نتحدث عن سيرة موجزة لموت الدولة في العراق برواية سهيل سامي نادر. هل نحن نقوِّل الكاتب ما لم يقله؟ لا أعتقد، فقصر الزمن شاهد ودليل على موت الذاكرة الجمعية في مجتمع ما. تحضر قسوة النسيان المفروض على الناس عبر ما يسميه الكاتب «تراكم المشاكل» بدلاً من تراكم الخبرة. وهو فعل السلطة التي تنتقي أدواتها المخربة، وفي الطليعة منها تدمير ذاكرة المؤسسات بزعم تشييد ذاكرة جديدة. يكتب نادر أن لا أحد يبقى في مكانه طويلاً «يُستبدل الأشخاص عن طريق الغضب أو الترقيات، ويختفي أشخاص عن طريق السجن أو القتل أو الهجرة، وتفسد المؤسسات بألوان من التدخلات السياسية والفكرية والمزاجية». وهذا أسوأ أنواع ألزهايمر الوطني المضاد لفعل الذاكرة. في زمن الانقلابات لا ذاكرة للدولة وشعبها سوى ما يريده القائمون على السلطة.
القضية الثالثة الرئيسية أننا في سياق كتاب ينهمك بكتابة سيرة مهنية دامت خمسين عاماً، وما زالت مستمرة، ولسنا، من ثمَّ، بصدد سيرة ذاتية «شخصية». هل هناك فارق بينهما؟ سهيل سامي نادر نفسه يقول لنا في مقدمته إن محنته في هذا الكتاب انحصرت في عدم التوسع بأمرين: حياته الشخصية والسياسة. لكن متن السياسة توسع كثيراً لأنه جزء أصيل، أو هكذا هو في عراق الانقلابات، فصارت السيرة المهنية بعضاً من مشكلة السلطة في العراق. يسمي الكاتب سيرته «ذكريات»، وهذه الكلمة تضعنا أمام مقدار لا بأس به من الذاتية المتصلة بسيرة الكاتب الشخصية. نتأمل العنوان مجدداً؛ إنه يتحدث عن ذكريات صحافي في زمن الانقلابات، ثمة هنا هامش شخصي يتحرك بموازاة السيرة المهنية، وكلاهما يتشكَّل في إطار زمن سياسي مضطرب. هامش السيرة الشخصية للكاتب يحضر في تفاصيل وفصول متن السيرة، مع حرص كبير على ألا تتحول حياة الكاتب الشخصية إلى مأثرة كبرى، أو كما كتب في رسالة شخصية: «أنا حذر من أن أمنح حياتي قيمة كبيرة». وبتصوري أن هذه القيمة حاصلة لا محالة؛ في الأقل إنها إحدى صياغات الخطاب المضمرة، نجدها في منطق الخاسر سيئ الحظ، صاحب القصة. كذلك في منطق المقاومة الساخرة، في تذكير القارئ المستمر أن ثمة حظاً سيئاً يطارد الكاتب؛ في الخشية من ورطة الكتابة، وفي التشديد على منطق البريء، مصحح الأخطاء.
لا يحيد سهيل سامي نادر عن هذه القضايا الثلاث الرئيسية في فصول وفقرات الكتاب كلها. وعندي أنها المبادئ التي انتظمت وصاغت الكتاب. ولها الفضل كله في تمكين الكاتب من الظفر باللحظات الكبرى في سيرته المهنية، وهي ذاتها، ربما بتصرف، هوامش السيرة الذاتية، مثلما هي المفاصل الكبرى للتاريخ السياسي للعراق. كان منطق الخاسر، سيئ الحظ، مثلاً، وراء اكتشاف مأثرة الستينيين المنسية، إنها في مكان آخر، بعيداً عن الصخب والجدالات الشعرية الكبرى حول البيان الشعري وجماعة كركوك. يعود بنا الكاتب إلى قلب بغداد، بالضبط إلى ساحة التحرير، حيث نصب الحرية الذي دشن الستينات العراقية؛ هنا القصة كلها، فيما جرى نسيانه، إنها مأثرة الفنانين التشكيليين العراقيين التي جرى إهمالها لحساب المنجز الستيني في الشعر والرواية والقصة القصيرة. وأحسب أن الخاسر هو وحده القادر على اكتشاف المهمل الثمين؛ لأنه بعض خسارته. فقد تحول شعر الستينات العراقية إلى محض ظواهر شعرية مهمة ولا شك، فيما ظل الفن حاضراً في الذاكرة والوجدان. ولا رهان على خيارات الناس؛ عندما جعلوا من نصب الحرية مكاناً للتنديد والتظاهر ضد السلطة الفاسدة المخربة. لا رهان أبداً، إنما هو بعض مأثرة الفنان الستيني المنسي والمهمل، وهو صنيعه في ذاكرة الأجيال اللاحقة.
ومثلها، بالضبط، قصة موت الذاكرة في زمن تأميم الحياة والخطاب، وهو ما يسميه سهيل سامي «سلطة الأزمان القصيرة»، كما أشرنا سابقاً، فإنها تظهر بصفة الحاكم والمتحكم في متن السيرة المهنية، شأن السيرة الذاتية، فلا طموحات كبيرة، ولكن لا خيبات مدمرة أيضاً. يعرف الخاسر أن لا أمل يُرجى من الكتابة؛ فهي التي ستراكم الحظ العاثر، تستجلبه من كل حدب وصوب حتى لو كان في جزر الواق واق. لكن نادر العارف بطبيعة السلطة في بلاده سمح لنفسه بأن يكتب بدراية ومعرفة وتبصر يُحسد عليها. هل كان الحسد نوعاً من سوء الحظ؟ ربما...
في «سوء حظ» يجهد مصحِّح الأخطاء، كما وصف نفسه في الكتاب بلا قصد وفي سياق محدَّد، أن يتوخى أقصى درجات الموضوعية في كتابة سيرته المهنية؛ فهو يعرف أن كتابة سيرة الذات ورطة لا أصعب منها، وهو يعرف كذلك أنه فخ لا بد منه. فكيف ستكون الحال عندما نكتب عن ذات فاعلة ومبدعة في سياق عراقي ملتبس وعصيب؟ «سوء حظ» إضافة مهمة في النقاش حول الخطاب الثقافي العراقي في عهود ما بعد فبراير 1963 ويتصل بزمن الديكتاتور والاحتلال. وعندي أن الكتاب يضيء مناطق معتمة كان الكاتب قد عاش تفاصيلها وكتب عنها بمنطق العارف الأمين المصحِّح للأخطاء، لا سيّما في حالة العراق الذي أُحرقت مكتباته وسجلاته ووثائقه، فصار تاريخه الثقافي مشاعاً للمدَّعين. «سوء حظ» تاريخ موجز لسيرة الخاسر، سيئ الحظ، لكنه كذلك تاريخ موجز للبلاد سيئة الحظ.
* ناقد عراقي



هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended