تصدع الغرب وصمود الشرق أمام جائحة «كورونا» وطغمة الإنترنت

تصدع الغرب وصمود الشرق أمام جائحة «كورونا» وطغمة الإنترنت
TT

تصدع الغرب وصمود الشرق أمام جائحة «كورونا» وطغمة الإنترنت

تصدع الغرب وصمود الشرق أمام جائحة «كورونا» وطغمة الإنترنت

من بين الكتب العلمية المنشورة أخيرا استوقفتني ثلاثة عناوين، أولها كتاب «نداء لليقظة - لماذا كشفت جائحة الوباء ضعف الغرب، وكيف يمكن علاجه؟» الذي يتحدث عن الأزمة الوبائية التي يعاني منها العالم اليوم وعن إخفاق الغرب أمام تحديات هذا الاختبار العظيم.

تصدع وبائي
يستعرض الكتاب الذي ألفه جون مكليثويت رئيس تحرير «مؤسسة بلومبرغ الإخبارية» وأدريان ولدريج الكاتب في مجلة «إيكونوميست»، جوانب «صمود الشرق وتصدع الغرب» في مواجهة جائحة «كوفيد - 19»، إذ أخفقت أغلب الدول الغربية وخصوصا أربعا من الدول السبع الأغنى في العالم، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، في المواجهة مقارنة بدول الشرق التي جابهت التحدي ونجحت فيه.
ويحمل الكاتبان، ربما عن حق، قيادات تلك الدول بذلك الإخفاق، وإخفاق مؤسسة الدولة فيها، إلا أنهما لا يتعمقان في دراسة اختلافات تأثير الجائحة على مختلف الدول من جهة، ودور عوامل أخرى في انتشار الوباء مثل تفتح المجتمعات الغربية والأعداد المتزايدة من السكان المصابين بأمراض مزمنة.
ويبدو أن دول الشرق كانت مهيأة أكثر لمواجهة فيروسات جديدة خصوصا بعد موجة وباء «سارس» (متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الشديد)، الذي انتشر قليلا في الصين وآسيا في أوائل القرن الحادي والعشرين، والذي لم يتحول وباؤه إلى جائحة لأنه كان يعشعش داخل الجهاز التنفسي الأسفل، ما يصعب انتقاله بين الأفراد.
كما أن سرعة تقبل المجتمعات الشرقية للإجراءات الحكومية بهدف العزل والإقفال ساعدت على مجابهة تحديات الوباء الجديد.
ويعتقد الكاتبان أن مرحلة ما بعد الجائحة تتطلب إجراء إصلاحات عميقة في مؤسسة الدولة، ويطرحان بعض التصورات المنتقاة الخاصة بهما، أهمها: إخراج قطاعات الرعاية التي تقدمها الدولة سواء كانت صحية أم اجتماعية من نطاق المناورات السياسية، وزيادة أجور الموظفين، وأيضا إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية لمواجهة التحديات!
لقد سرع هذا الوباء من اتجاه ميلان موازين القوى لصالح دول الشرق، فبينما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تواجهان خلال السنوات العشر الماضية مشاكلهما الداخلية تعززت مواقع دول الشرق مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان والصين بفضل جهودها ونجاحاتها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية. لذا يقترح الكاتبان على الدول الغربية التعمق في فهم أزمة الوباء بشكل إبداعي لوقف تدهور نفوذها العالمي.
ويشير نقاد الكتاب إلى أنه لم يتناول في العمق إخفاقات بريطانيا، خصوصا أنها دخلت عصر «كورونا المستجد» وهي ممزقة بالتناحرات السياسية بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي التي امتدت ثلاث سنوات، وبعد مرور فترة 10 سنوات من التقشف المالي.
The Wake - Up Call: Why the pandemic has exposed the weakness of the West - and how to fix it

«طغمة الإنترنت»
الكتاب الثاني الذي استوقفني عنوانه: «المنظومة: من الذي يملك الإنترنت وكيف امتلكت الشبكة حياتنا؟» للكاتب الصحافي الاستقصائي جيمس بول الذي اشتهر ضمن مجموعة الكتاب العاملين على وثائق «ويكيليكس»، الحائز على جائزة بوليتزر عام 2014 لعمله ضمن فريق موقع «الغارديان» الإلكتروني على تغطية تسريبات عميل الاستخبارات الأميركية الهارب إدوارد سنودن.
يدقق الكاتب في آليات عمل شبكة الإنترنت بكل خطوطها وأسلاكها ومراكز تخزين ومعالجة البيانات فيها وطرق الإشراف عليها وإدارتها ومراقبة مستخدميها... هذه الشبكة التي تغلغلت إلى بيوت الناس ومشاعرهم، ولامست كل جوانب حياتهم.
يقول الكاتب إن الهدف من كتابه هو «وضع مذكرات... غير رسمية... للإنترنت، أي سرد القصة الحقيقية لها، من دون رتوش، ومن دون موافقتها!». لذلك أجرى مقابلات مع اللاعبين الكبار في حياة الإنترنت - المبدعين الأوائل الذين دخلوا الآن في أعمار السبعينات، وكذلك أصحاب الرساميل الاستثمارية، وأصحاب شركات الكابلات، وما يسميهم بـ«رجال الإعلانات»، إضافة للمراقبين، والمتلصصين، وأشباه المشرفين على الشبكة، كما يقول.
ويدحض المؤلف الأساطير الشائعة حول مجانية الإنترنت لأنها مملوكة - بحيث يمكن تحويل قطاعاتها إلى أموال - من قبل الأوليغارشية التي تستحوذ على البنية التحتية لها، وتمتلك محركات البحث، والمنصات الإلكترونية. وقد زادت الإنترنت من تماسك وقوة أولئك الذين يمتلكون النفوذ المالي والسياسي.
ولكي نجابه هذه القوى الكبرى المتحكمة بالإنترنت علينا أولا فهم منظومتها التي يتحدث عنها، ففي قلب هذه المنظومة يكمن قطاع الأعمال الرابح لنموذج الإعلان الإلكتروني، الذي يعتمد على مراقبة المستخدمين وتعقبهم وجمع المعلومات عن أماكن وجودهم.
ويقول الكاتب: في زمن ما كان الحديث يجري عن (المجمع الصناعي - العسكري)، وهو المصطلح الذي أطلقه الرئيس الأميركي الأسبق آيزنهاور متنبئا بصعود نفوذه السياسي، إلا أن الحديث يجري الآن عن «المجمَع المعلوماتي العسكري»، حيث يؤدي الترويج الإعلاني خدماته لتأمين احتياجات الحكومات.
جيمس بول الصحافي الباحث كتب يفسر عالم الإنترنت الساحر الذي تتحكم فيه الشركات الكبرى، يقول: غالبية التطبيقات تمتلكها شركات خاصة، فنحن نتراسل عبر «واتساب» و«إنستغرام» و«فيسبوك» وهي منصات مملوكة كلها للملياردير مارك زوكربيرغ. أما «هانغزآوتس» و«ميت» فتمتلكهما «غوغل» بينما تمتلك «مايكروسوفت» «تيمز». ولعل أفضل مثال على سرعة جني الربح على الإنترنت هو مثال تطبيق «زووم» لعقد المؤتمرات المرئية الذي لم يكن مشهورا قبل جائحة «كوفيد» والذي تضاعفت قيمته السوقية مرات عديدة الآن.
لقد تحولت شبكة الإنترنت إلى ساحة عامة يمتلك القطاع الخاص أكثر أجزائها، وهي لم تكن كذلك عندما خلقت كمشروع عمومي قبل نحو ثلاثة عقود عندما ابتكر السير تيم بيرنرز - لي الشبكة العنكبوتية العالمية عام 1989. وبدلا من أن تصبح الإنترنت مشاعة عالمية للنشر والتعليم والفنون تحولت إلى قطاعات تمتلكها شركات خاصة... إذ إن كل خط من الكابلات مملوك لأحد ما، وكل مركز للبيانات يعود لجهة ما، وكل بياناتنا مملوكة لجهات مختلفة... أي أننا لا نحتفظ بحق ملكيتها.
The System: Who owns the Internet and How it Owns Us?

«نادي الأعضاء»
الدكتور البلجيكي الأصل بيت هوبيك Piet Hoebek استشاري الأمراض البولية، واختصاصي في شؤون العضو الجنسي الذكري كما يقول، أصدر كتابه الموسوم «نادي الأعضاء: دليل الرجل إلى العضو الجنسي»، الذي يعتبره دليلا للرجال طال انتظاره.
يقول هوبيك، 58 سنة، إن «العضو الذكري عضو على درجة من التعقيد يحتاج إلى دليل خاص لإدارته بشكل صحيح»... ويضيف «أرى كثيرا من الأفراد الذين يعتقدون أن لديهم مشاكل فيه». ومرضاه يعانون من مختلف المشاكل إذ يرى بعضهم أن «المجتمع من حولهم يخلق المشاكل لهم بحيث إن مفهوم (الاعتيادي أو الطبيعي) يختلف عما هو في أدمغتهم».
وهذا ما دفعه لنشر كتابه «الأصيل» الهادف إلى نبذ الأساطير والخرافات وشرح عمل العضو الذكري وتأكيد صلاحيته. وهو يسرد كل ما يحيط بالعضو من مساحة القلفة التي تصل إلى مساحة بطاقة بريدية كما يقول، إلى ضرورة الجلوس للتبول كما تتطلب الطبيعة من الرجال... لأنك لا ترى الغوريلا واقفة لقضاء تلك الحاجة!
ويتحدث الكتاب عن الحجم والطول فيقول إن «الحجم غير مهم في الواقع» وإن الغالبية العظمى من الناس تقع في خانة الحجم الطبيعي له. ويصف المتباهين بالحجم بأنهم «رجال الاستعراض». ويحذر الكاتب من إجراء عمليات الإطالة لأن الجراحات الطبية لتكبير العضو الذكري غير موجودة أساسا ولذلك فإن تلك العمليات زائفة... وتوجد تقنية واحدة للإطالة بطول 1 سنتمتر بوضع أداة انتصاب إلا أنها تدمر كل منظومة الانتصاب الطبيعية للعضو.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.