الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

من امرئ القيس إلى محمود درويش

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد
TT

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

يرى كثيرون أنه لا يمكن الوثوق بآراء الشعراء حين يكون في ميدان السياسة، منطلقين من فكرة أنَّ الشعراء انفعاليون آنيون، يتفاعلون مع الحدث بطريقة غير عقلانية، وبالنتيجة لا يمكن التعويل على آرائهم في السياسة. وبصراحة، هذه الفكرة من الممكن أنْ تفتح باباً للحديث عن الشعراء السياسيين، وأقصد بذلك الشعراء الحقيقيين الذي عُرفوا ووسِموا بأنهم شعراء مؤثرون في خريطة الشعر، ولكنهم في الوقت نفسه عملوا في السياسة، فمنهم من نجح ومنهم من أخفق.
إنَّ خريطة الشعراء السياسيين خريطة طويلة عريضة، ولا يمكن رسم حدود واضحة تفك هذا الاشتباك، فمن امرئ القيس الذي فقد ملك أبيه بسبب الشعر إلى آخر شاعر معاصر معنا دخل ميدان السياسة، وله رأي في العملية السياسية، فما بينهما، عددٌ كبيرٌ من الشعراء الذين التصقت السياسة بمشروعهم الثقافي، ولم تنفك تسير بخطٍ موازٍ مع الشعر. والشعراء السياسيون هم غير الشعراء الذين كتبوا في السياسة، فلا تكاد تخلو تجربة شاعر من الشعراء العرب من رأي له في السياسة، من خلال نصوصه واحتجاجه، على ما دار أو ما يدور حوله، وهذا الصنف هو غير الصنف الذي أبحث عنهم، إنَّما هؤلاء مشتركون بالهموم العامة للناس، سابقاً وحالياً.
الشعراء السياسيون -كما قلنا- ابتداء من امرئ القيس الذي لهث وراء ملك أبيه، ولكن الشعر واللهاث خلف النساء، سواء في الواقع أو في النصوص، أعميا عينه عن أنْ يحافظ على ملك أبيه، ويضيع بشكل نهائي، حيث يقول:
بكى صاحبي لمَّا رأى الدرب دونه
وأدرك أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنَّما
نحاول ملكاً أو نموت فنُعذرا
وفي هذين البيتين إشارة للملك الذي يحاوله امرؤ القيس، والذي ضاع منه، ويبدو أيضاً أن التحالفات منذ زمن طويل بالنسبة لنا، نحن العرب، والحفاظ على ملكنا، لا تتم إلا برضا القيصر عنا.
ومن امرئ القيس إلى بعض الخلفاء الذين عُرفوا بأنَّهم شعراء، أمثال يزيد بن معاوية الذي يروي له ابن خلكان في وفيَّات الأعيان بعضاً من عيون شعره، ومنها:
تقول نساء الحي: تطمعُ أنْ ترى
محاسن ليلى؟ مت بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها
سواها؟ وما طهرَّتها بالمدامعِ
وكذلك الوليد بن عبد الملك الذي يقول:
وإنْ لم أكن فيكم خطيباً فإنَّني
إليكم إذا جدَّ الوغى لخطيبُ
ولكنهم خلفاء أشداء، لم يكن الشعر هاجسهم الرئيس، إنما الملك والخلافة هي التي تسوسهم، بخلاف امرئ القيس الذي خلق للشعر، وليس للملك، لذلك حافظوا على ملكهم بقوة، وهذا يُحيلنا إلى بعض الخلفاء الشعراء من العباسيين الذين تولوا الحكم، وفقدوه لأيام وأسابيع، أو بالكاد سنة واحدة، مثل «ابن المعتز» الذي عُرف بشعره، وبكتابه المهم في البديع، كما أن الأندلس فتحت شهية الخلفاء للشعر كثيراً، فمثلاً «المعتمد بن عبَّاد» الخليفة الأندلسي الذي حكم إشبيلية وقرطبة، واتسع سلطانه حتى وصل إلى مرسية، وله ديوان شعر طبع في القاهرة عام 1951، حيث جمعه «أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد»، يقول في بعضٍ من قصائده:
ولقد شربتُ الراح يسطعُ نورها
والليل قد مدَّ الظلام رداءَ
حتى تبدَّى البدر في جوزائه
ملكاً تناهى بهجة وبهاء
إنَّ معظم الخلفاء الذين كتبوا الشعر كان فعلهم ذلك من باب الإلمام بكامل المعارف التي تأدبوا عليها، حيث يقف الشعر في المقام الأول من تلك المعارف، ولكن جل كتابات الخلفاء هي من الشعر الخالي من روح الشاعر المتمرد المجنون، وهو أقرب إلى شعر العلماء أو النظم بشكل عام، لذلك لم تحفظ ذاكرة الشعر على طول رحلة الشعر العربي إلَّا نادراً من نصوص بعض الذين حكموا أو عملوا في السياسة، حتى إن هناك طرائف تُروى عن أبي نؤاس بأنَّه في أحد الأيام، وفي مجلس الخليفة «المأمون»، وهو من أكثر الخلفاء ثقافة ووعياً، أنشد المأمون قصيدة له في مجلسه، ومن ثم طلب رأي أبي نؤاس بها، فأجابه أبو نؤاس بأنها خالية من البلاغة، فغضب المأمون وأمر بحبسه في الإسطبل مع الحمير والبغال، وظل أبو نؤاس شهراً في ذلك المكان، ولمَّا أفرج عنه ذهب إلى مجلس الخليفة المأمون ثانية، وعندها أنشد المأمون قصيدة جديدة له أيضاً، ولمَّا انتهى منها قام أبو نؤاس، فنادى عليه المأمون: إلى أين يا أبا نؤاس، فقال له: إلى الإسطبل، يا أمير المؤمنين.
وبهذا، فإن تاريخنا العربي، تاريخ الحكم والسياسة والشعر، هو تاريخٌ ملتبسٌ، بحيث وقف الدين في بدايته موقفاً حاداً من الشعر، وكأنَّ الشعر مصدرٌ للقلق على الزعامة، بوصف الشاعر متصدياً معروفاً ناطقاً باسم القبيلة، وبهذا فهو في الواجهة التي تُعدُّ موقفاً ثقافياً يُحاصِر في بعض المرات المواقفَ السياسية، ومن تلك اللحظة فالصراع قائمٌ بين الثقافي والسياسي، ونادراً ما اجتمعا بشخصٍ واحد، وحين يجتمعان، فإنَّ الصراع بين السياسي والثقافي، والشعري تحديداً، لن يكفَّ أبداً، وحين تنتصر القصيدة على الموقف السياسي، سيسقط ذلك الحاكم في العادة، كامرئ القيس وابن المعتز، اللذين اتخذا من الشعر طريقة سلوك وحياة، لذلك فإنَّ السياسي الذي بداخلهما انهزم أمام الثقافي، ولكن الثمن هو فقدان الملك.
إنَّ صراع السلطة والشعر تجلَّى في شخصية «المتنبي» تجلياً كبيراً، وهو الشاعر العظيم الذي لم يستطع الشعر أنْ يملأ روحه، فقد بقي لاهثاً وراء السلطة والملك، فهو العظيم الذي ينتظر من كافور ولاية ليكون عليها أشبه بالمحافظ أو القائم مقام، حيث يقول:
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أنالُه؟
فإنَّي أغنَّي منذ دهرٍ وتشربُ
فيما نرى موقفاً آخر للشريف الرضي الذي يمتدح أحد الخلفاء العباسيين، ولكنه يقول له لا فرق بيني وبينك بصفتهما أبناء عمومة:
عطفاً أمير المؤمنين فإنَّنا
في دوحة العلياء لا نتفرَّقُ
ما بيننا يومَ الفخار تفاوتٌ
أبداً كلانا في المعالي معرقُ
إلَّا الخلافة ميّزتك فإنَّني
أنا عاطلٌ عنها وأنت مطوَّقُ.
وحين نصل للعصر الحديث، نجد على سبيل المثال «الجواهري» الذي يصف في «مذكراته» لحظة الحنق والغضب التي وصل لها في يوم من الأيام لأنَّ الحكومة استوزرت «محمد رضا الشبيبي» مرة، ومرة «علي الشرقي»، وهما من أقاربه، ولم تستوزره، فيقول: «كنتُ أكاد أمزَّقُ عباءتي لأنَّني لم أستوزر مثلهما، وإلا فبماذا يفضلانني»، فيما يورد الدكتور «محمد حسين الأعرجي» رسالة كتبها الجواهري في عام 1980 إلى أحد أصدقائه من زعماء المعارضة العراقية، يقول في بعض منها: «المصيبة، يا حبيبي، أن هناك من لا يتذكرني إلَّا عندما يحتاج أنْ أغنَّيه، حتى لكأنَّي لستُ شيئاً غير ذلك، وحتَّى لكأنَّ كل ذلك التاريخ وكل تلك الجولات وكل تلك التضحيات لا تستحق أكثر من أنْ تُسمَّى شعراً، وصاحبها شاعراً، وعلى هذه المقاييس المضحكة المبكية معاً كان الواقع المر يطبق علي حين تُقتسمُ الحصص، ولك أنْ تتذكر الشواهد عليها». والغريب أنَّ الجواهري لم يتغير إزاء طموحه للسلطة، فمنذ أن كان عمره في الثلاثينيات، كان غاضباً لأنَّه لم يستوزر، وحتى حين وصل عمره إلى الثمانينيات، كان غاضباً أيضاً لأنَّه لم يُشمل بتوزيع الحصص، والأغرب من ذلك أنَّه كان منزعجاً من صفة الشاعر فقط، فهي لا تُشبع غرورَه -على ما يبدو- رغم أنَّه ملأ الدنيا المعاصرة، لكنَّه بقي طامحاً لأن يكون له مستقبلٌ سياسي.
فالجواهري الشاعر لم يكتف بالشعر، إنما يطمح لمكانٍ سياسي، فيما يتخذ «صدام حسين» موقفاً آخر لا يقل غرابة عن موقف «الجواهري»، ولكنه في اتجاه مغاير تماماً، ذلك أن أحد الشعراء العراقيين يروي لي أنه جاء مع أحد وفود المحافظات لزيارة صدام حسين.
وبعد أن أنهى الوفد طلباته، انصرفوا جميعاً، لكن صدام حسين طلب من الشاعر أن يبقى. ويذكر لي ذلك الشاعر أنه بقي في القصر الجمهوري ما يقارب الثلاثة أيام، في كل ليلة يلتقي به صدام حسين، ويعرض عليه قصائده، حيث يقول لي صديقي الشاعر: بات الخوف يهيمن عليّ، فكيف لي أن أقول لصدام حسين إنك تكسر في الوزن. ولكنه كان يقول له: «سيدي، ثمة مشكلات في العروض»، فيقول له صدام حسين: نعم، أنا الآن أقرأ في ميزان الذهب، وأحاول أن أتعلم العروض. وقد بقي صديقي الشاعر على هذه الحال ثلاثة أيام، في كل ليلة يعرض صدام حسين عليه قصائده، والشاعر يبدي ملاحظاته، إلى أن دخلت أميركا إلى أفغانستان، عندها تغير جدول الرئيس، وعاد صديقي إلى محافظته؛ موقفان غريبان بصراحة، حاكم مثل صدام حسين يملك كل شيء، لكنه يطمح في أنْ يكون شاعراً، والجواهري الشاعر الذي يملك قيادة الشعر على مدى قرن من الزمن، يطمح أن يكون وزيراً أو مسؤولاً في الحكومات.
لقد انخرط معظم الشعراء العراقيين المعاصرين، وخصوصاً بعد الخمسينيات في الحركات السياسية، وانتظموا مع الأحزاب في ذلك الوقت، وكان الحزب الشيوعي من أكثر الأحزاب التي انخرط في صفوفه الشعراء، ولكن لم يصلوا إلى مصدر القرار المؤثر في حركة البلد، إلا أنهم حصلوا على الدعم الإعلامي من ماكينة الحزب في ذلك الوقت، أمثال عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وآخرين، فيما اختط بعض الشعراء خط القومية العربية، وحزب البعث على وجه التحديد، ليكونوا جزءاً من ماكينته العقائدية، ومن خلاله تسلموا مناصب في إدارة الدولة، بعد سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم في العراق بعد 1968، وظهرت طبقة من الشعراء الذين خرجوا من حاضنة البعث، ليستلموا مناصب كبرى في إدارة الدولة، أمثال الشاعر شاذل طاقة الذي كان وزيراً للخارجية، والشاعر صالح مهدي عماش الذي كان وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الجمهورية، والذي كانت له سجالات شعرية معروفة مع الجواهري، وكذلك الشاعر شفيق الكمالي الذي أصبح وزيراً للثقافة، وحميد سعيد وسامي مهدي وعبد الأمير معلة الذين أصبحوا وكلاء لوزارة الثقافة على مدى سنوات طويلة من حكم حزب البعث، كما أن هناك قيادات أخرى في مفاصل حزب البعث، أمثال الشاعر كمال الحديثي وآخرين.
ولنا بـ«محمود درويش» مثالٌ كبيرٌ على ذلك، فهو من حرر «وثيقة استقلال فلسطين» التي كُتبت وأعلِنت في الجزائر عام 1987، ولكنَّه عاد واختلف مع «ياسر عرفات» بعد اتفاقية «أوسلو» التي وصفها «درويش» بأنَّها خيبة أمل، والتي على أثرها رفض درويش تولي منصب وزير الثقافة.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».