«رحَّالة»... تآزر الوثيقة التاريخية مع الخيال

ترجمة عربية لرواية البولونية أولغا توكارتشوك الحائزة نوبل للآداب 2018

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

«رحَّالة»... تآزر الوثيقة التاريخية مع الخيال

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

صدرت عن «دار التكوين»، في بيروت، رواية «رحَّالة»، للكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، ترجمة إيهاب عبد الحميد الذي أفلح في التقاط المعنى المجازي لعنوان الرواية بوصفه «عَتَبَة نصيّة» تُمهّد للقارئ الولوج الصحيح إلى الفضاء السردي البعيد عن المعاني الحقيقية لـ«الرحلات الجوية» التي لا تقصدها الروائية، وإنما تذهب أبعد من ذلك، لتناقش فلسفة التنقّل عبر ثنائية الحركة والسكون، والوعي واللاوعي، والحياة والموت.
ولا يُعدّ هذا النص السردي رواية بالمعنى التقليدي، فهو لا يتوفر على الحبكة، ويفتقر إلى الشخصيات التي تُهيمن على المسارات السردية، ولا يعالج ثيمة محددة، فهو خليط من أفكار وشطحات كثيرة تنتظم في 116 فصلاً، يتألف بعضها من جملة طويلة واحدة، فيما يمتدّ البعض الآخر إلى 31 صفحة. وهذه الفصول برمتها تُروى من قبل ساردة عليمة قد تتقنّع بقناع المؤلفة نفسها، أو تحمل القسم الأكبر من رؤاها وقناعاتها الفكرية والثقافية. إذن، نحن أمام رواية متشظيّة (Fragmentary Novel) تتألف من مقالات قصيرة أو مذكرات أو نصوص سردية أو وثائق تاريخية أو خيال مجنّح مُفعَم بالحيوية والجاذبية والسحر، ذلك لأن توكارتشوك قد بدأت حياتها الأدبية شاعرة، قبل أن تنتقل لكتابة القصة والرواية، وتتفرغ لهما كلياً.
ويُفيدنا الفصل الاستهلالي بأنّ أول رحلة قامت بها الراوية في حياتها كانت عبر الحقول سيراً على الأقدام، الأمر الذي يكشف أهمية الحركة التي ورثتها عن أبويها اللذين كانا يتحركان من مكان إلى آخر، ولا يحبذّان الاستقرار مطلقاً. ونتيجة لهذا التجوال المتواصل، فقد اكتسبت الراوية مهارات الاستدلال المكاني، خصوصاً أنها تمتلك ذاكرة فوتوغرافية تنطبع فيها ملامح البنايات والأمكنة والأشخاص، كما أنها درست علم النفس، وتعلّمت الكتابة في القطارات والفنادق وقاعات الانتظار، ورغم قناعتها بأنّ الكتب الإرشادية تتقادم بسرعة ما عدا كتابي «غرب التنوير» لبندكت شميلوفسكي و«موبي ديك» لملفيل.
ولا تعْلق جميع الحكايات في ذهن القارئ، فمنها ما يمرّ مرور الكرام، مثل حكاية السيدة ياسمين التي تشجع الناس في بلدها على الكتابة، ومنها ما يُنقش على شاشة الذاكرة، مثل حكاية الطبيب الهولندي فيليب فيرهاين الذي قام بتشريح ساقه المبتورة، أو حكاية جوزفين سليمان التي تطلب من ملك النمسا أن تدفن أبيها المحنط بطريقة مسيحية تليق به، أو حكاية لودفيكا التي قامت بنقل قلب شقيقها المحنط سراً إلى وارسو، إضافة إلى قصص أخرى بعضها ممتع، وبعضها الآخر مستفز، لكنّ القصص والحكايات برمتها لها وظيفة سردية تتجاوز حدود الإمتاع إلى الفائدة، كما أنها تهز المتلقي من الأعماق.
فمن بين الالتماعات الطريفة الشذرات التي نقرأها على أغلفة الفُوَط الصحيّة، من قبيل أقصر حرب في التاريخ بين زنجبار وإنجلترا عام 1896م التي استمرت 38 دقيقة، أو أقوى عضلة في الجسم هي اللسان؛ معلومات على شكل ومضات تُدهشك قليلاً، ثم تتوارى بسرعة البرق الخاطف، لكن هناك معلومات تستفز الذاكرة وتعلق بها، ومن بينها إصلاحات أتاتورك في العشرينات، هذا الرجل الذي أراد أن يحوّل تركيا إلى بلد متحضر، لكنه لم يلتفت إلى الجوانب الإنسانية، إذ سمح لقواته الخاصة أن تقبض على آلاف الكلاب الضالة وتنقلها إلى جزيرة قاحلة، وبعد عدة أيام بدأت الكلاب يفترس بعضها بعضاً، ولم ينجُ منها الكلب الأخير الذي نفق من الجوع والعطش الشديدين.
وتنطوي رسالة جوزفين سليمان الثاني التي وجهتها إلى فرانسيس الأول على حكاية مأساوية، مفادها أن أباها المحنّط بأمر من جلالة الملك يُعرض أمام العيون الفضولية في «خِزانة الأعاجيب» الخاصة بالأمير، وتطالب بدفن أبيها بطريقة مسيحية لائقة، لا أن يظل رُفاته المحنّط رفقة الأجنّة والعلاجيم التي تسبح في الكحول، وهي تؤمن كامرأة كاثوليكية أنّ والدها الراحل لن يُبعث من دون جسده يوم الدينونة. ربما يكون تشريح المرأة الشابة هي الحكاية الصادمة التي تسبب فزعاً للمتلقي وهو يتخيّل مشرط الجرّاح يفتح جسدها المكتمل بضربة واحدة لكي يُرينا الطريقة التي صنعتنا بها يدُ الخالق. ثم يواصل الحكاية، فنفهم أن هذا الجسد الذي كان راقداً في ثلاجة الموتى عمره سنتان، وأن صاحبته قد شُنقت بدلالة الأثر الأفقي الذي يظهر على رقبتها، ثم انتقل من الجهاز الهضمي إلى القلب، مُذكراً بأن البشر لا يستأثرون بالخلود مثل الآلهة. وفي أثناء التشريح، نسمعُ همساً يدور بين الراوية وعمّها الذي يؤكد أن الضحية قد قتلت طفلها الوحيد، وأنها كانت مومساً.
ولا يقتصر الانتحار على الإنسان فحسب، بل يتعداه إلى بعض الحيوانات، وربما تكون حكاية الحوت الذي جنح إلى الشاطئ الأسترالي خير مثال لما نذهب إليه، وهكذا تمضي الحكاية، لنُدرك أنّ الحوت يستغرق بضعة أيام لكي يموت، وأنّ مخ الإنسان لا يختلف كثيراً عن مخ الحوت.
ويشتمل النص السردي على أكثر من عائلة، بعضها يظهر ويتلاشى ما إن تنتهي حكايته، لكن البعض الآخر يعاود الظهور ثانية مثل عائلة كونيكي، وزوجته وابنه اللذين اختفيا في جزيرة «فيس» لـ49 ساعة، وعندما بدأ الابن يعاني من اضطرابات في النوم أخذه إلى طبيبة نفسانية، وطلب منها أن تنوّمه مغناطيسياً، وتعرف ماذا حصل له بالضبط في تلك الساعات.
لا يمكن الإحاطة بكل القصص والحكايات التي وردت في متن هذه الرواية المتشظية التي تَمثلتها لجنة تحكيم جائزة «نوبل» طويلاً، وقالت إنه «الخيال السردي الذي يصوّر بشغفٍ موسوعي عبور الحدود بصفته شكلاً من أشكال الحياة»، أي أن أعضاء اللجنة، أو بعضهم في الأقل، قد انتبه إلى ثنائية الإقامة والرحيل، وهذا هو جوهر الرواية العميق وروحها النابضة، وقد أعلن القساوسة في الكنائس الدنماركية: «إن منْ يشاركون في الحملات الاستكشافية للقطب الشمالي سوف يضمنون عملياً الخلاص لأرواحهم»، وكأنّ النجاة أو النهاية السعيدة مقرونة بالحركة، ولهذا السبب فإن الطُغاة يكرهون الرّحالة، سواء أكانوا غجراً أم بدواً متنقّلين، ولذلك يريدون إبطال حركة الزمن. وبما أنّ الكاتبة تميل إلى المنحى الفلسفي، كما أسلفنا، فلا غرابة أن تضعنا في قلب العاصفة الفكرية، فتصفنا جميعاً بأننا «مثل السلحْفاة في مفارقة زينو، لا نتجه إلى أي مكان، وإنما نتسكع في داخل لحظة ما لا تنتهي».
تخلص الكاتبة إلى القول إننا نكتب بعضنا بعضاً في أثناء تجوالنا المتواصل، وعندما «نتوقف عن الترحال، نصبح أصناماً» مسمّرين: و«منْ يتوقف، يُصبح مثل حشرة مثبّتة بدبّوس، يخترق قلبه مسمار خشبي، تثقب أقدامه ويداه، ويتم ربطه بالسقف وعتبة البيت». ووفق هذه الرؤية، ينبغي التأمل في ثنائية الإقامة والاغتراب، من دون أن ننسى علم نفس السفر الذي يدرس المعاني المجازية للأماكن التي يمرّ بها الكائن البشري الذي يترفّع عن الصغائر، ويتوغل في أسئلة الكون الكبرى، عسى أن يجد فيها بعض الإجابات المُقنعة أو التطمينات التي تخفّف عنه وطأة الحياة التي لا تخلو من المشقّة الفكرية والقلق الوجودي.
جدير بالذكر أن توكارتشوك قد أصدرت حتى الآن 16 كتاباً، أبرزها: «منزل النهار.. منزل الليل»، و«الخِزانة»، و«كتب يعقوب»، و«سِرْ بمحراثك على عظام الموتى»، وغيرها من الروايات التي تجاوزت حدودها المحلية، لتصبح جزءاً حيوياً من الثقافة العالمية.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.