مارتين فيزكارّا... رئيس بيرو المعتدل في «صراع صلاحيات» مع شعبويي البرلمان

مارتين فيزكارّا... رئيس بيرو المعتدل في «صراع صلاحيات» مع شعبويي البرلمان
TT

مارتين فيزكارّا... رئيس بيرو المعتدل في «صراع صلاحيات» مع شعبويي البرلمان

مارتين فيزكارّا... رئيس بيرو المعتدل في «صراع صلاحيات» مع شعبويي البرلمان

في خطوة متقدمة من الصراع الدائر منذ 3 سنوات بين السلطتين الإجرائية والاشتراعية في بيرو، أقدم رئيس الجمهورية مارتين فيزكارّا مطلع هذا الأسبوع على حل البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة اليمينية، بقيادة حزب «القوة الشعبية» الذي تتزعمه ابنة الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري (المتحدر من أصول يابانية)، وقرّر الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكّرة مطلع العام المقبل.
فيزكارّا، وهو سياسي ومهندس مستقل معتدل محسوب على يمين الوسط والليبراليين، استند في قراره إلى المادة 134 من الدستور، التي اعتبر أنها تجيز له حلّ البرلمان بعد رفضه للمرة الثانية على التوالي اقتراحاً رئاسياً لتعديل إجراءات تعيين أعضاء المجلس الدستوري.

مدريد: شوقي الريّس
الأزمة التي تفجرّت أخيراً في بيرو بين رئيس الجمهورية والبرلمان لها خلفيات سياسية لا تنفصل عن مشاكل عدد من دول أميركا اللاتينية، لا سيما إساءة استخدام السلطة والفساد وطراوة عود الديمقراطية في ظل خطر التدخلات العسكرية.
في بيرو، كانت المعارضة، بقيادة كيكو فوجيموري (44 سنة)، التي تمضي حالياً عقوبة بالسجن الاحترازي لفترة 18 شهراً رهن التحقيق والمحاكمة بتهمة غسل الأموال، تناور منذ أسابيع من أجل تعيين قضاة موالين لها في المحكمة الدستورية.
وقال فيزكارّا (56 سنة) عند إعلانه قراره: «فليكن الشعب هو صاحب القرار النهائي لمعرفة من هو على حق: الغالبية البرلمانية التي أقرر اليوم حلّها لمنعها السلطة التنفيذية من القيام بعملها، أو الحكومة التي تحتاج لأغلبية جديدة للقيام بواجباتها الدستورية».
وكان البرلمان قد رفض يوم الاثنين الماضي مناقشة اقتراح تقدم به رئيس الجمهورية، عن طريق الحكومة، لتعديل النظام الأساسي للمحكمة الدستورية. وقرر انتخاب أحد الأعضاء المحسوبين على المعارضة التي رجحت كفتها داخل المجلس الدستوري الذي يُنتظر أن يبتّ قريباً في مجموعة من قضايا الفساد الحسـّاسة التي تطال سياسيين، من بينها الطعن المقدّم في قرار المحكمة الذي قضى بسجن فوجيموري.

الإنذار بحل البرلمان
في نهاية الأسبوع الماضي، وجّه فيزكارّا تحذيراً إلى البرلمان بأنه سيُقدم على حل المجلس النيابي والدعوة لانتخابات جديدة إذا أصرّت المعارضة على رفضها مناقشة اقتراح تعديل إجراءات تعيين قضاة المجلس الدستوري لاعتماد غالبية الثلثين من أعضاء البرلمان لاختيارهم. لكن المعارضة اليمينية أصرّت على موقفها وقرّرت اختيار أحد القضاة الموالين لها وفقاً للنظام الداخلي المعمول به حالياً في المحكمة. وقال فيزكارّا إن قراره حل البرلمان هو ثمرة «سياسة التعنّت والعرقلة المتعمّدة التي تمارسها المعارضة باستمرار لشلّ عمل الحكومة ومنعها من إجراء الإصلاحات اللازمة، ولتعذّر التوصّل إلى حل في الظروف الراهنة». وبعد ساعات من إعلان الرئيس عن قراره، ردّت المعارضة البرلمانية باتخاذ قرار يقضي بتعليق رئاسته مؤقتاً وتعيين نائبته مرسيدس آراوز في منصبه، خلال جلسة لم يشارك فيها سوى نواب المعارضة.
وشهدت العاصمة ليما ومعظم المدن الكبرى في بيرو مظاهرات مؤيدة لقرار فيزكارّا بينما كان البرلمان يصوّت لتكليف نائبته ويدعوها إلى أداء القسم الدستوري بعد إعلان «العجز الأخلاقي المؤقت» للرئيس. وفي حين أكدت أوساط قانونية أن دستور بيرو لا يلحظ مثل هذه الصلاحيّة للبرلمان، صدر عن قيادة القوات المسلحة بيان يؤيد شرعيّة رئاسة فيزكارّا، وعقبه بيان مماثل صدر عن قيادة الشرطة.

الفضائح المالية
وتجدر الإشارة إلى أن المساعي الحثيثة التي تبذلها المعارضة منذ فترة من أجل «السيطرة» على المحكمة الدستورية، تتزامن مع اقتراب موعد مثول أحد الشهود الرئيسيين في قضية «لافا جاتو» أمام المحكمة، حيث ينتظر أن يدلي باعترافات موثّقة حول دفع مبالغ مالية ضخمة لعدد من أقطاب المعارضة السياسية ومساعدات لتمويل حملاتهم الانتخابية.
يذكر أن هذه القضية التي كشفت عن حالات كثيرة من الفساد المالي طالت سياسيين في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، انطلقت منذ 4 سنوات من البرازيل، وكان من أبرز ضحاياها الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيغناسيو لولا الذي ما زال يقضي عقوبة بالسجن لمدة 12 سنة.
جدير بالذكر، أن اللجنة الأميركية لحقوق الإنسان كانت قد نظرت خلال اجتماعها الأخير في الشكاوى التي قدمتها حكومة بيرو وهيئات حقوقية ضد المعارضة البرلمانية، وذلك لمحاولة المعارضة تغيير ميزان القوى داخل المحكمة الدستورية بهدف التأثير على قراراتها حيال الطعون التي قدّمها محامو الدفاع عن عدد من السياسيين والرؤساء السابقين الذين يخضعون للتحقيق في قضايا الفساد وغسل الأموال.

مواجهة مفتوحة
تشكّل هذه الأزمة ذروة المواجهة المفتوحة بين الحكومة والبرلمان منذ الانتخابات البيروفية العامة التي أجريت في عام 2016 وأسفرت عن فوز ساحق لحزب «القوة الشعبية» وانتخاب بيدرو بابلو كوزينسكي (البولندي الأصل) رئيساً للجمهورية. لكن مع اندلاع فضيحة «لافا جاتو» عن طريق شركة «اوديبريخت» البرازيلية الضخمة للمقاولات التي كانت تدفع مبالغ ضخمة لرشوة سياسيين في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، من بينها بيرو، اضطر كوزينسكي للاستقالة بعد ثبوت ضلوعه في عمليات الفساد وصدور حكم بإيداعه السجن. وعلى الأثر، تولى الرئاسة مارتين فيزكارّا، نائب كوزينسكي، الذي جعل من مكافحة الفساد المستشري العنوان الرئيسي لولايته، وسعى إلى إقرار مجموعة من القوانين والإصلاحات التي اصطدمت بمعارضة شديدة في البرلمان الذي يخضع 17 في المائة من أعضائه لملاحقات قانونية. وفي المقابل، سعى حزب «القوة الشعبية» منذ ذلك الوقت إلى استخدام سيطرته على الغالبية في البرلمان للضغط على الحكومة ومحاولة الإمساك بزمام المبادرة في إدارة البلاد انطلاقاً من السلطة التشريعية، ما أثار موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الشعبية، ودفع الرئيس إلى استخدام الصلاحيات الاستثنائية التي منحها الدستور له لحل البرلمان، ودعا إلى إجراء انتخابات مسبقة في 26 يناير (كانون الثاني) المقبل.
وفي الرسالة التي وجّهها فيزكارّا إلى مواطنيه عند إعلانه حلّ البرلمان، دافع الرئيس عن قراره قائلاً إن «بناء نظام ديمقراطي وطيد يقتضي تعزيز المؤسسات وليس استغلالها لأغراض مشبوهة.
مؤسسات الدولة هي ملك لكل المواطنين وليس لجماعات معيّنة، مهما بلغ شأن تمثيلها السياسي في البرلمان». وما يستحق الذكر هنا، أن فيزكارّا كان قد طرح مطلع الصيف الماضي إجراء استفتاء شعبي لتعديل الدستور وتقديم موعد الانتخابات لمنتصف العام المقبل كمخرج من الأزمة المستعصية الناشئة عن الصدام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، غير أنه اصطدم برفض قاطع من المعارضة البرلمانية لاقتراحه. وتفيد استطلاعات الرأي الأخيرة بأن 70 في المائة من المواطنين يؤيدون قرار الرئيس بحل البرلمان، وأن 84 في المائة يعترضون على أداء المجلس النيابي وممارساته التعطيلية.
ويرى مراقبون أن هذا الصدام يدفع بيرو نحو أزمة عميقة مفتوحة على احتمالات خطيرة ليس مستبعداً أن يكون للقوات المسلحة دور فيها. فالرئيس، من ناحيته، يعتبر أن خطوته هي السبيل الوحيدة لإخراج البلاد من حال الشلل السياسي الذي تعاني منه منذ وصوله إلى الحكم، في حين تعتبر المعارضة قراره بمثابة انقلاب على المؤسسات وعلى الإرادة الشعبية.

أين يقف الجيش؟

ورغم أن القيادات العسكرية والأمنية العليا سارعت إلى تأكيد ولائها التام لفيزكارّا بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلّحة، ما يوحي في الظاهر بسقوط احتمالات تدخل الجيش في الأزمة خارج الأطر المرسومة ضمن الدستور، فإن أوساطاً دبلوماسية تعتقد أن موقف القيادات العسكرية العليا قد لا يعكس بالضرورة ما يعتمل فعلاً في الصفوف المتوسطة بين الضبّاط الذين يميل كثير منهم إلى قوى المعارضة.
منظمة الدول الأميركية، في أوّل موقف لها من الأزمة، عدّت أن «الدعوة لإجراء الانتخابات خطوة بنّاءة ضمن أحكام الدستور، وأن القرار النهائي يعود للشعب البيروفي، الذي هو مصدر السلطة، وبالتالي، صاحب الكلمة الفصل في حسم الأزمة عن طريق الاقتراع». لكن المنظمة دعت في المقابل، المحكمة الدستورية إلى النظر في «شرعيّة القرارات الصادرة عن المؤسسات، وفي التباين المحتمل بين التأويلات الدستورية».
من جهة ثانية، وبينما كان فيزكارّا يعلن عن تكليفه وزير العدل فيسنتي سيبايّوس بتشكيل حكومة جديدة، عُلم أن وزيري الخارجية والاقتصاد الحاليين لن يشاركا فيها لاعتراضهما على قراره حل البرلمان وقربهما من الغالبية البرلمانية المعارضة، حصل تطوّر مفاجئ أدّى إلى تخفيف الاحتقان السياسي الذي تعيشه بيرو منذ مطلع هذا الأسبوع.
إذ أعلنت نائبة رئيس الحكومة مرسيدس آراوز، اعتذارها عن قبول قرار البرلمان بتكليفها القيام بأعمال رئيس الجمهورية، معدّة «أن الظروف ليست متوافرة راهناً لتولّيها المنصب»، وأن الجلسة البرلمانية التي جرى فيها التصويت على القرار غير مستوفاة الشروط القانونية الكافية.
وللعلم، فإن أسباب الاضطرابات السياسية التي تشهدها بيرو منذ سنوات، على غرار كثير من بلدان أميركا اللاتينية، تعود بنسبة كبيرة إلى الفساد المالي والسياسي المستشري، وأيضاً إلى الدور النشط الذي تقوم به الأجهزة القضائية في كشف حالات الفساد وملاحقة مرتكبيها.
ومن اللافت أن جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على بيرو منذ عام 2001 وحتى اليوم جارٍ التحقيق معهم ضمن ملاحقات قضائية بتهم الفساد المالي وسوء استخدام السلطة.
وكانت السلطات الأميركية قد ألقت القبض في يونيو (حزيران) الماضي على الرئيس البيروفي اليميني الأسبق آليخاندرو توليدو في ولاية كاليفورنيا، تنفيذاً لطلب استرداد صادر في حقه بعدما فرّ من بيرو في أعقاب صدور قرار من المحكمة بسجنه 18 شهراً بتهمة قبوله رشوة مالية ضخمة من شركة المقاولات البرازيلية لتسهيل حصولها على عقود ضخمة في بيرو إبان ولايته. وكانت النيابة العامة البيروفية قد طلبت إنزال عقوبة السجن لمدة 16 سنة بالرئيس السابق أويانتا أومالا (يسار الوسط) و26 سنة بزوجته لضلوعهما في فضائح مالية واختلاس الأموال العامة. يذكر أنه عندما داهمت الشرطة والنيابة العامة منزل الرئيس الأسبق آلان غارسيّا تنفيذاً لمذكرة جلب في حقّه بتهمة غسل الأموال والرشوة، أقدم على الانتحار بإطلاقه النار على نفسه داخل منزله بالعاصمة ليما.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.