عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية

آخرها «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد» لأليساندرو باربرو

لوحة تمثل الحروب الصليبية
لوحة تمثل الحروب الصليبية
TT

عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية

لوحة تمثل الحروب الصليبية
لوحة تمثل الحروب الصليبية

لم يحظَ حدث تاريخي من تأليف وإصدارات بشتى ضروب المعرفة والأدب مثلما حظيت وقائع الحروب الصليبية في كل الدول الأوروبية عامة، وفي فرنسا خاصة. فمنذ بداية انطلاقتها في عام 1095م، بعد النداء الشهير للبابا أوربان الثاني في كليرمونت بفرنسا لمسيحيي أوروبا وملوكها وأمرائها بالتوجه خفافاً وثقالاً إلى الشرق لتحرير قبر المسيح من «الكفار» المسلمين، لم يتوقف التأليف في هذا الحدث لغاية اليوم؛ إذ لا يمر عام دون أن نشهد إصدارات جديدة تتناول الحملات الصليبية بحد ذاتها: أهدافها المعلنة والمخفية، وصف وتأريخ إماراتها المختلفة، وقائع معاركها، انعكاساتها، روايات عن ملوكها وأمرائها الذي شاركوا بها وحكموا في ممالكها وإماراتها... وكان للأدب نصيب كبير من هذه المؤلفات التي قارب عددها ألفاً وخمسمائة إصدار بحيث يمكن أن نطلق عليه: «الأدب الصليبي». وآخر مؤلف يصدر حول هذا الموضوع: «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد»، مايو (أيار) 2018، لأليساندرو باربرو.
- ما خلفية هذا الاهتمام؟
أولاً، إن كلمة صليبية لم تظهر في الأدبيات الغربية إلا في القرن الرابع عشر، واستخدمها العرب نقلاً عنها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ كان العرب يطلقون على الصليبيين اسم «الفرنجة» وهو التسمية البيزنطية التي كانوا ينعتون فيها من جاء من أوروبا بشكل عام، ولكن استخدام هذه الكلمة تعزز أكثر كون معظم الصليبيين كانوا من الفرنسيين أي (les francs) فالمؤرخون العرب الذين عاصروا هذه الحملات كابن الأثير، والمقريزي، والقلقشندي وسواهم لم يستخدموا كلمة «الصليبيين» في مؤلفاتهم بل كانوا جميعاً يستخدمون كلمة «الفرنجة». قادة الصليبيين، والبابوات الذين حرضوا مسيحيي أوروبا للمشاركة بها بدورهم كانوا يدرجونها في مؤلفاتهم وخطابهم تحت أسماء مختلفة مثل: «الرحلة»، أو «حجاج بيت المقدس»، أو «مسعفو القدس». هذا ما جاء في كتب التاريخ، والمراسلات بين الكنيسة والملوك، وأكدها معجم تاريخ اللغة الفرنسية الذي أرجع استخدام هذه الكلمة إلى عام 1460م. أما «الصليبيون» فلا نجد في مؤلفاتهم كلمة «عربي»، بل كانوا يصفون العرب والمسلمين بـ«السارازيين» ((les sarasins اختلف الكتاب حول أصل هذه الصفة، التي كانت تستخدم أيضاً في الحروب التي اندلعت في الأندلس بين الإسبان والعرب.
لكن هذه الحملات التي كانت تأخذ في الوعي الشعبي الأوروبي طابع الفروسية والبطولة وخدمة المسيحية، وكان لا بد أن تنعكس في أعمال أدبية تواكبها، وتمجدها، وتمجد فرسانها. غير أن الأدب في اللغة الفرنسية لم يظهر إلا متأخراً جداً كون اللغة الفرنسية التي نعرفها اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن اللغة الفرنسية ما قبل القرن الحادي عشر، فهي وليدة مزيج من لغة الغال (لغة محكية لقبائل الغال)، واللغة الرومانية الشعبية (لاتينية شعبية)، وبعض الروافد الأخرى التي دخلت عليها لاحقاً، كاللغة العربية (بسبب الاحتكاك عبر الحروب الصليبية واستعمار بعض الدول العربية، خصوصاً الجزائر)، أو الإنجليزية. وأول نص أدبي بهذه اللغة كان نصاً شبه شعري غنائي اصطلح على تسميته بـ«أنشودة رولان»، وهي أنشودة طويلة جداً تمجِّد الإمبراطور شارلمان وبطولاته. هذه الأنشودة فتحت الباب واسعاً فيما بعد لأناشيد كثيرة كلون أدبي سيطغى خلال ثلاثة قرون لاحقة (كـ«أنشودة أنطاكية»، و«أنشودة القدس») هي فترة تطوير اللغة وتنقيتها، وبناء أسسها. ومعظمها كانت أناشيد تمجد الفرسان «الحجاج» إلى بيت المقدس، أو تحكي ملاحم أبطال هذه الحملات وملوكها، وأمرائها، (خصوصاً لويس السابع ولويس التاسع الذي يُكنَّى بـ«لويس القديس») وتحث «الحجاج» على الانخراط بـ«الرحلة» إلى قبر المسيح، في بلاد ما وراء البحار.
في القرن الثاني عشر بدأت ملامح التأثر الشرقي في هذا الأدب، بظهور الرومانسية الشرقية بأناشيد تحكي قصص حب عذري تقي نقي. وظهرت أيضاً الكتب التي تؤرخ لهذه الحملات ربما أشهرها كتاب: «تاريخ ما وراء البحار» لغيوم الصوري، و«تاريخ فتح القسطنطينية» لجوفري فيلهاردوان، و«كتاب الكلام المقدس والأعمال الخيرة» لجان جوانفيل. الكثير من الأعمال الشعرية التي اصطلح على تسميتها بالأناشيد كانت مجهولة المؤلفين، ومنها ما اندثر، لكن جميعها تحمل طابع الفكر الإقطاعي الذي كان سائداً في ذاك العصر قبل أن تتدخل البورجوازية الصاعدة وتفرض نظرة أدبية مختلفة تعتمد على الشعر الروائي المستقاة من القصة الشهيرة «تريستان وايسولت»، ورواية «الوردة» لغيوم دولاريس. وقد ظهرت أول ملامح التأثر بالأدب «الشرقي» في أعظم عمل شعري إيطالي «الكوميديا الإلهية» لدانتي، المستوحاة من «رسالة الغفران» للمعري.
كل الأعمال التي ظهرت خلال فترة الحروب الصليبية، أي من عام 1095 إلى العام 1291 (الحروب الصليبية لم تنتهِ بتحرير القدس في عام 1187م)، كانت نسخاً مكتوبة بخط اليد ولكن مع اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر وتطور اللغة الفرنسية، بدأت تظهر ملامح أدب مختلف ومتنوع في الشكل والمضمون. فالقرن السادس عشر يعتبر نقطة تحول كبرى في الأدب الأوروبي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص مع ظهور مجموعة شعراء لابلياد وكتاب «الأدب الكلاسيكي»، كالراهب فرنسوا رابليه صاحب المؤلفين الشهيرين: «كارغانتوا» و«بنتاغويل»، وجواكيم دو بيلي في كتابه: «الندم»، أو ميشيل مونتيني في: «مقالات» ويعتبر أول من ابتدع هذا النوع من الكتابة - المقالة، التي كانت بداية لعصر نهضة أدبية منقطعة النظير، ومدخل إلى عالم الكتابة الصحافية التي ستشهدها أوروبا في بدايات القرن السابع عشر، والنص النثري بعد أن كان الشعر هو اللون السائد («دون كيشوت» لسيرفنتس التي تعتبر أول رواية نثرية في أوروبا) ورغم أن معجم الأدب الفرنسي يؤكد أن الحركة الصليبية كانت عاملاً أساسياً في إنتاج أدب غزير لم يكن له وجود فيما قبل، فإن الحركة الأدبية في عصر النهضة تنظر إلى هذا الأدب بكثير من الاستخفاف، بعد أن برز أدباء أفذاذ برعوا فكرياً ولغوياً، خصوصاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ موليير، راسين، لافونتين، لا روش فوكو... (وهنا أيضاً يظهر التأثر لدى فونتين في كتابه «خرافات» بنظيره ابن المقفع في «كليلة ودمنة»)، لكن الحروب الدينية بعد الثورة على الكنيسة الكاثوليكية من قبل البروتستانت شغلت ملوك فرنسا وأدباءها، بيد أن الحركة الصليبية بقيت حية، لا سيما بعد أن استطاع محمد الفاتح أن يسقط الإمبراطورية البيزنطية، وقام البابوات بحثّ مسيحيي أوروبا وملوكها على حملات صليبية جديدة ضد العثمانيين المسلمين هذه المرة، واشتد الطلب بعد حصار فيينا من قبل السلطان سليمان القانوني. مع بداية القرن السابع عشر، عاد الاهتمام بالحملات الصليبية وتدوين حيثياتها في أكبر مؤلف تدويني لكل مجالات الحياة في «ممالك الصليبيين» (مجموعة مؤرخي الفترة الصليبية) لجاك بونغار الصادر في عام 1611 (وأعيدت طباعته في 1841 و1906 و1967) ويحتوي هذا المؤلف الضخم على المؤرخين العرب ووصف لحياة صلاح الدين ونور الدين الزنكي.
مع بداية الحركة الاستشراقية والاستعمارية التي وصفها البعض بالصليبية الجديدة بدأت تظهر أعمال كثيرة (لا مجال لذكرها جميعاً في هذا الحيِّز) ولكن نذكر كتابي شاتوبريان «رحلة إلى بيت المقدس»، و«مذكرات ما وراء القبر»، وكتاب «الحروب المقدسة فيما وراء البحار» لمكسيم فورشو.
وجاءت حملة نابليون على مصر وسوريا وهزيمته في عكا ثم تراجعه وانسحابه من مصر، لتعيد إلى الأذهان الحروب الصليبية؛ فالفرنجة عادوا برداء جديد هذه المرة باسم «تحرير الشرق من المماليك». الحركة الاستشراقية التي حاولت مد الجسور الاستعمارية مجدداً إلى بلاد الشرق حاولت بمجموعة من المؤلفات أن تظهر أن الحروب الصليبية لم تكن سيئة بالنسبة للمسلمين لأنها جلبت لهم حضارة ومعرفة (في حين أن الواقع كان العكس). في تلك الفترة بدأت تظهر الرواية التاريخية الذي يعتبر وولتر سكوت من مؤسسيها في روايته «التميمة» 1825، حول الحروب الصليبية، التي فتحت الباب واسعا أمام أعمال أخرى... مع سقوط الإمبراطورية العثمانية وعودة فرنسا وبريطانيا إلى بلاد المشرق عادت الحروب الصليبية إلى الأذهان (لا سيما بعد جملة الجنرال غورو على قبر صلاح الدين: «ها قد عدنا يا صلاح الدين»). موريس باريس عبر عن ذلك في روايته التاريخية «حديقة على العاصي»، التي يُظهِر فيها أن أميرة سورية تعشق قائداً صليبياً ثم تنتهي كراهبة في دير بعد اعتنقت المسيحية (1925)، ومن بعدها ظهرت عشرات المؤلفات، نذكر منها «أسامة أمير سوري في مواجهة الصليبيين» للمستشرق أندريه ميكل، ويحكي فيها عن الأمير أسامة بن المنقذ، و«مشرق ومغرب في زمن الصليبيين» للمستشرق كلود كاهن.


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان سيواصل دعواته للسلام رغم انتقادات ترمب

الولايات المتحدة​ صورة مركبة فيها البابا لاوون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle 00:34

بابا الفاتيكان سيواصل دعواته للسلام رغم انتقادات ترمب

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بابا الفاتيكان بأنه «متساهل مع الجريمة»، و«سيئ للغاية في السياسة الخارجية»، و«محابٍ لليسار الراديكالي».

علي بردى (واشنطن)
العالم البابا ليو الرابع عشر يخاطب الناس في ساحة القديس بطرس بمدينة الفاتيكان يوم 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

انتقد البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، الزعماء السياسيين الذين يستغلون المعتقدات الدينية لتبرير الصراعات أو السياسات القومية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
ثقافة وفنون الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة».

مالك القعقور
كتب كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كان لافتاً أن تصدر في باريس مجموعة من الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت مؤلفات عدة عن القرآن الكريم والنبي العظيم.

هاشم صالح
شؤون إقليمية يهود حريديم يحملون لافتات خلال احتجاج ضد التجنيد بالجيش الإسرائيلي في القدس 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة شاب في احتجاج لليهود المتزمتين دينياً بالقدس

تحولت مسيرة حاشدة لليهود المتزمتين دينياً ضد تجنيدهم بالجيش في القدس إلى العنف، اليوم الخميس، عندما لقي فتى في سن المراهقة حتفه، خلال الاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.