سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير
TT

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

سياسة فرنسا الخارجية: تأرجح بين الاستمرارية والتغيير

الحدث جاء فارقا في الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا قياسا لما عرفناه سابقا: إيمانويل ماكرون الذي أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية كان أول رئيس انتخب على أساس برنامج سياسي يثمن العولمة ويدعو بوضوح إلى مزيد من الاندماج الأوروبي.
وهذا التحدي يبرز بقوة على ضوء المنافسة التي كانت تواجهه ممثلة بـمارين لو بن «مرشحة اليمين المتطرف» المتمسكة بخط سياسي مناقض تماما وعلى ضوء الأوضاع العالمية التي كانت تدفع باتجاه خيارات انتخابية تستوحي تغليب القومية إن لم يكن الانتماءوية. والمثال الأكبر على ذلك كان دونالد ترمب، في الولايات المتحدة الأميركية.
من هذه التوجهات الماكرونية، كانت تستشف نزعة الانقطاع عن السياسات والتوجهات السابقة. وأكثر من ذلك، فإن ماكرون ندد بالاستعمار ونعته بأنه «جريمة ضد الإنسانية»، كما انتقد من سبقه إلى رئاسة الجمهورية متهما إياهم بـ«الجمود» والنزوع نحو توجهات المحافظين الجدد فضلا عن الإفراط في اتباع سياسة التدخل «في الدول الأخرى». وبالمقابل، فإنهم، وفق ماكرون، اتسموا بـ«البرودة» فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي. وبذلك كان ماكرون ينأى بنفسه ليس فقط عن النزعة القومية - الشعبوية المهيمنة وقتها بل أيضا عن النزوع باتجاه تيار المحافظين الجدد الذي برز في فرنسا منذ بداية القرن الـ21، وبالنسبة للرئيس الجديد، وحده الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان موضع إعجاب لديه.
المقارنة بين إعلانات النوايا والوعود المسبقة وبين النتائج التي تحققت على أرض الواقع تبين وجود تمايزات ملحوظة. صحيح أن ماكرون، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي بدا وكأنه يعيد التأكيد على تبنيه سياسة تدافع عن العولمة من جهة ولكن أيضا عن التعددية الممثلة بالأمم المتحدة ودورها من جهة أخرى. وهذا الدفاع عن التعددية المعمقة والمتجددة يبرز كخيار صلب ولكن كذلك كمؤشر على توجهات دبلوماسية دولة راغبة في استخدام موقعها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي كعامل يضاعف من قوتها. لكن الواقع شيء آخر، إذ إن القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تبتعد أكثر فأكثر عن المنظمات الدولية التي تمثل التعددية. أما على المستوى الأوروبي، فإن الصعوبات والعوائق موجودة أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن «إعادة تأسيس» الاتحاد الأوروبي التي يريدها ماكرون والتي جدد التأكيد عليها في خطاباته اللاحقة «أثينا في 7 سبتمبر وجامعة السوربون في 26 من الشهر نفسه» من الصعوبة بمكان أن يتنكب لها وحده فيما الشركاء الرئيسيون مصابون بالشلل. فألمانيا تعاني من صعوبات تشكيل حكومة جديدة وإيطاليا غارقة في التحضر للانتخابات القادمة وإسبانيا تتخبط في تمزقاتها الداخلية. يضاف إلى ذلك كله الصعوبات المترتبة على انسحاب بريطانيا «البريكسيت». لكن حتى اليوم ما زال الخط الذي يدافع عنه ماكرون بالغ القوة، إذ يدعو إلى «سيادة أوروبية» تقوم على تمكين «الاتحاد» من الدفاع عن نفسه بنفسه وجعله أكثر فاعلية وبروزا. لكن ما يريده ماكرون ما زال نظريا. وحدها عودة «التحالف الكبير» للحكم في ألمانيا «اليمين والاشتراكي الديمقراطي» توفر الاستقرار وتسمح بإعادة إطلاق الدينامية الأوروبية، شرط ألا تفضل ألمانيا أن تلعب، ضمنا، ورقتها الخاصة والفردية التي تؤمّن لها أفضل من أي ورقة أخرى مصالحها.
هذه المبادئ المعلنة لماكرون التي تشدد على الانقطاع لا تلغي حقيقة طابع الاستمرارية في قيادة السياسة الخارجية لفرنسا. ذلك أن هذه السياسة تبدو أكثر قابلية لتحمل عدد من بعض مظاهر التعديل على الهوامش منه على تقبل التحولات العميقة. والأدلة على ذلك كثيرة: مهما تكن التحوطات النظرية لـماكرون، فإن سياسة التدخل العسكري ما زالت على حالها خصوصا في أفريقيا. الخط الذي يسير عليه كامل الوضوح حيث إن فرنسا تلعب دور التنسيق النشط لا بل المهيمن في الحرب على التنظيمات الجهادية في بلدان الساحل الأفريقي فيما تسعى للحصول على الدعم المالي من شركاء آخرين، من جهة، وعلى دور أكبر للدول الأفريقية المعنية من جهة أخرى. بيد أن هذا الخط يطرح ثلاث إشكاليات بشأن المستقبل يمكن صياغتها بثلاثة أسئلة: أولها، هل من الممكن الحصول على نتائج حاسمة من خلال اتباع هذا النهج في محاربة التنظيمات الجهادية؟ والثاني: أليس اتباع هذا الخط والبقاء عليه يشكلان عودة للسياسة الاستعمارية التي يندد بها ماكرون؟ والأخير، ألا تركب باريس عددا من المخاطر من خلال فتح الباب للحصول على تمويلات «خارجية» تساوي نصف المبالغ المالية التي ستصرف «على القوة الأفريقية المشتركة لبلدان الساحل»؟
في الشرق الأوسط ونزاعاته، يبدو التموضع «السياسي» الفرنسي أكثر تعقيدا، لا بل إن المعطيات تبدو، من وجهة نظر معينة، معكوسة: فرنسا حاضرة في أفريقيا ومهمشة في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى. فالخيارات الفرنسية التي كانت تجعلها أكثر قربا من الفلسطينيين حتى زيارة أرييل شارون لباريس في عام 1995 لم تتوقف عن التراجع. نيكولا ساركوزي ثم فرنسوا هولاند قطعا خطوات كبيرة للتقارب مع إسرائيل لكن هذا التقارب المترافق مع تعديل السياسة الفرنسية لم تكن له أي انعكاسات على الطرف الإسرائيلي. ولم يحد ماكرون عن هذا المنحى: منذ الأسابيع الأولى لوصوله إلى الرئاسة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى باريس للمشاركة في الاحتفال التذكاري لترحيل مجموعة من اليهود باتجاه ألمانيا من المكان المسمى «فال ديف» في باريس. وبهذه المناسبة توجه لنتنياهو مسميا إياه «عزيزي بيبي» «الاسم المصغر لنتنياهو» وذهب إلى حد اعتبار الصهيونية نوعا من معاداة السامية. ولا شك أن تداعيات ذلك قد تراجعت بفضل الانتقادات التي وجهها ماكرون لقرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. ورغم ذلك عاد الرئيس الفرنسي لاستقبال نتنياهو بعد يومين فقط في قصر الإليزيه...
بموازاة الطريق المسدودة التي وصلت إليها الدبلوماسية الفرنسية في الملف الفلسطيني، ثمة طريق مسدودة أخرى هي الملف السوري. ذلك أن الرئيسين اللذين سبقا ماكرون إلى قصر الإليزيه راهنا على رحيل سريع للرئيس السوري الأمر الذي قاد إلى تهميش باريس سريعا في هذا النزاع. لذا، فإن العهد الجديد جعل من العودة إلى قلب الملف السوري عنصرا أساسيا لسياسة فرنسا الحالية.
يبقى النظر في سياسات فرنسا إزاء القوى الكبرى. فمن جانب هناك الولايات المتحدة الأميركية، حيث سعى ماكرون إلى اجتذاب رئيسها دونالد ترمب من خلال استقباله مع كافة المظاهر الاحتفالية في 14 يوليو (تموز) الماضي والتشديد على الصداقة التاريخية بين الطرفين. والحال أن رهان ماكرون لا يخلو من الخطورة لأنه جاء كخطوة أحادية وأبقى الحلفاء الأوروبيين خارج اللعبة خصوصا أن ترمب لا يبدو مستعدا لتقديم تنازلات كما برز ذلك في قراره الانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ الموقعة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، كذلك، فإن هذا الرهان جاء غامضا لأنه لم يترافق مع أي تعديل في سياسة فرنسا الأطلسية ولا حول العلاقات الفرنسية - الروسية ناهيك عن علاقاتها مع مجموعة «دول البريكس» خصوصا الصين التي لم تظهر على شاشة الدبلوماسية الفرنسية في الأشهر الستة الأخيرة. واضح بالنسبة لنا أن انعدام اليقين بشأن تعاطي الولايات المتحدة بشؤون العالم يوفر الكثير من الفرص للاتحاد الأوروبي. والقادم من الأيام وحده سيظهر لنا ما إذا كانت أوروبا قد نجحت في استغلالها وأن ماكرون كان المحرك الأول لها.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.