عبد الباقي فرج... جمالية الألم

في مجموعته الشعرية «في مديح الخسارة»

عبد الباقي فرج... جمالية الألم
TT

عبد الباقي فرج... جمالية الألم

عبد الباقي فرج... جمالية الألم

حضرتني وأنا أقرأ مجموعة «في مديح الخسارة» للشاعر العراقي عبد الباقي فرج مقولة أوكتافيوباث التي تقول ما معناه «لكي تكون شاعراً متميزاً عليك إلغاء بلاغات السابقين عليك في قصيدتك والكتابة بلغتك»، إذ يحاول فرج أن يكون لنصه مساره الخاص ضمن مشروعه الذي بدأه منذ مجموعته «الإزار - دمشق1993» مروراً بـ«شرفات لا تطل على القلب – دار المدى – 1995»، و«ذلك البياض - البصرة – 2006»، و«قصائد آدم العراقي – البصرة 2010»، حتى «سماء تمتد - 2017». وهو في حقيقته مشروع يصلح لكي يكون أنموذجاً للدراسة رغم حجم المعاناة والألم اللذين عانى منهما، فهو إذاً كان قد وُلد في مهاده العراقي الغنيّ بالأساطير والحكايات تحت وطأة الاستبداد، إلا أنه لم يتصالح مع الأمكنة، نتيجة ارتباطه بها، رغم كل تحولاته المكانية ما بين البصرة وسوريا والدنمارك والمغرب وإسبانيا، وإن بدا في مثل هذا الحديث تناقضاً ما شأن ما يحدث لأي صاحب موقف يرغب في رفع الضيم عن مكانه، ما يضطره إلى اختيار مسار صعب يؤدي به إلى أن يغادر هذا المكان، ويحمله في لحظته، ووجدانه، وضميره، ويواصل الكتابة له في ملاذاته ومهاجره -كالجبل الذي لجأ إليه- وهو يترجم قصيدته إلى واقع، شأن المئات من المبدعين العراقيين -إن لم نقل الآلاف من مثقفي هذا المكان ذوي الموقف- ممن لم يتم حتى الآن تناول تجاربهم كما ينبغي، ضمن إطار ممارسة اللامبالاة تجاههم –وإن كان ما تعرض له هذا المبدع وذووه سيتكرر على نحو ما في أمكنة أخرى- شأن ما يدور حالياً في عناوين ثورات الربيع العربي، لتؤسس حال المبدع العراقي بداية مصطلح مأساوي في دورة منهكة، بل عدمية، مدمرة.
من هنا، يمكن قراءة مجموعة الشاعر العراقي فرج الذي نشر أولى قصائده باسم مستعار وهو «مظفر حسين» تيمناً بالشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، من دون أن يتمكن من الفكاك عن هذا الاسم إلا بعد نحو ربع قرن من الزمن، ليعود إلى ذلك اسمه الأول: عبد الباقي فرج، وما بين التسميتين الأولى والثانية، وما بينهما من تسمية مستعارة، مسافة من الثنائية التي يمكن أن تُقرأ على نحو خاص، في إطار فهم دواعي الاسم المستعار، وغواياته، ومن ثم سبب تلك النوستالجيا إلى الاسم الأول. يقول وهو يستعيد اسمه الأول، متحرراً من أبوة، أو ربما حالة التوحد الروحي مع «النواب» الاسم الذي استطاع أن يحرك الميدانين: الثقافي النخبوي والشعبوي طويلاً، قبل أن يخمد من دون أن يستخلف أحداً:
ربع قرن
وأنتَ تلازمني
بينما أغادرك الآن
محتفياً بالرحيل
يا صديقي مظفر.
أيُّ مظفر يعنيه، هنا؟ أهو صاحب الاسم المعير، أم صاحب الاسم المستعار؟ من المؤكد أن هذه الإضاءات لا تصلح لقراءة محض مجموعة شعرية لهذا الشاعر العراقي -فحسب- وإنما يمكن الانطلاق منها لقراءة تجارب كثيرين من أقرانه، أبناء ذلك المكان الذين تجرعوا علقم الهجرة أو التهجير، منقذين أرواحهم من بين فكي الزوال الوشيك، ليكونوا أمام حضور جزئي، ما دام أحدهم موزعاً بين أكثر من مكان.
ثمة قلق عارم، يعيشه الشاعر، مضافاً إلى قلقه الوجودي، وهو قلق إبداعي. قلق البحث عن ذلك النص الذي يمثله، وإن كان هو في حقيقته لا يتعامل مع الشعر كمسوغ وجودي وحيد، بل له فضاءاته، وأسئلته الأخرى التي يطرحها. إذ يقول في استهلالة مجموعته:
كلما خططت لكتابة قصيدة
أودت بها سخريتي
ولذا سأغري ذاكرتي
بفواجع أقل
وعيوني بتصفح الغبار (ص7)
في مجموعته «في مديح الخسارة» يحاول فرج أن يواصل الحفر في فضاء المرحلة الجديدة من مشروعه الإبداعي الذي تجلت ملامحه في مجموعته الثانية، إذ بدا أميل إلى القصيدة المكثفة -وليست القصيرة- إلى جانب بعض النصوص المطولة قياساً بها، لكن تلك القصائد المكثفة، وإن كانت لا تفك ارتباطها مع هيولى خيطها السردي، لنكون أمام نصوص تصل إلى حد التقطير، ويمكن تلقي نصه عبر صدمتين: أولاهما ناتجة عن تناوله لحالته، والأخرى تتجلى في خاتمتها، أو كبسولتها التي يعنى بها، وتأتي مغايرة للسياق العام غالباً:
يعتلي أريكته
يطلب شاياً
غير مكترث بدخان الزبائن
الدخان...
ينسلّ محتقناً
بينما يتحاور والجالسين الغبار (ص8)
هذه -القفلة- الصاعقة، المدوية، ترد على أشكال كثيرة، فهي قد تتناول روتين الحياة المملة، كما يلتقطه الناصّ، أو قد تبلغ ذروة حالتها الدرامية، كما في نص أمي:
لا لأنها
قوية كالرجال
بل لأنها حكيمة كالنساء
رفعت البيارق
يوم رحيلها (ص18)
كما أن هذه القفلة يستعاض بها عبر التركيب اللغوي، غير الاعتيادي، بعد أن تتوزع على امتداد هذا النص المكثف، وهو يختصر حياة بلد أو أب في أقل من عشرين مفردة:
كيف استحال رماداً
مسدس أبي
البندقجي في جيش عراق ما
أودعه الحائط
مساء الثامن من شباط
ليكتشفه البناؤون
وهم يكسرون ضلع البيت (ص26)
هذه القفلة ترد -أحياناً- قاسية، استفزازية، وإن كان هذا الاستفزاز في حقيقته أقل من الواقع الذي تعرض له مكانه:
فهنا أيضاً
أيد غريبة باردة
كالحرب الباردة
لوّثت
هذه السماء البيضاء
بسوائلها النووية
الرجال والنساء
الذين علقوا
بصنارة كوبنهاجن
بعيداً
عن جزيرة الثلج الخضراء
(ص 55)
ثمة ولع بيّن من لدن الشاعر باصطياد المباغتات، منصرفاً إلى الاشتغال على أذنابها النارية، الوامضة، أو الحارقة، إذ لا يكفّ عن ملاحقة طرائد المباغتة. طرائد الانقضاض. طرائد الضربة الأخيرة، المختلفة، يستعرضها وهو على حلبة النص. فها هو يفرد صفحة كاملة لخمس مفردات كما كان يفعل أوكتافيوباث:
وحيداً
دونك سيدة الأزهار
أنوم أشواكي (ص73)
يقول أوكتافيوباث في نص أفرد له صفحة كاملة:
دائماً عندما نلتقي
يكون موعدنا الغد
ولذلك لن نلتقي أبداً
وفرج من هؤلاء الشعراء الذين كتبوا التفعيلة، واستأثرتهم قصيدة النثر، ومن هنا، فهو يُعنى بإيقاع نصه، وقد يجمع بين الإيقاعين الداخلي والخارجي، وإن كان هذا الأخير مغيباً خلال نصوص هذه المجموعة عكس بعض مجموعاته السابقة، ومنها: ذلك البياض - قصائد آدم العراقي.
ثمة لغة مختلفة، يحاول أن يكتب بها الشاعر، ما أمكن، وإن قادته هذه اللغة -أحياناً- إلى الغرق في الجانب الآخر من السردية المهيمنة، خارج بعض عناصر قصها، إلا أن القصيدة تخلق له بعض التوازن الروحي، إزاء معادلته الحياتية التي تنهكه، وهو يجاهر بارتشافه كأس علقم الألم، وسموم المكابدة، لينسى تدريجياً دواعي الألم، تحت وطأة جمالياته. أجل جماليات الألم نفسه، وإن كان ثمنها حياة باذخة، وكاملة، بلا ريب!


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.