حينما يتحول الشعر إلى طيف لوني

الفنان العراقي ساطع هاشم في معرض فردي بلندن

من المعرض
من المعرض
TT

حينما يتحول الشعر إلى طيف لوني

من المعرض
من المعرض

كيف لا يتأثر صاحب الألوان بالشعر، خصوصًا إذا كان الشعر صديقه ورفيق عمره؟ هذا ما حصل مع الفنان العراقي المغترب ساطع هاشم في معرض منفرد له تحت عنوان «لا شيء غير جميل»، على قاعة المركز البولوني في همرسميث في لندن، ويستمر حتى منتصف الحالي، خصوصًا في لوحته المعنونة «بلادي» المؤرخة 2009، وهو العام الذي أطل فيه الفنان على عقده الخامس، التي تبدو كأنها استرجاع موجز لنصف قرن مضى من حياته.
في النصف الأعلى من اللوحة يسيطر لون واحد هو «التركواز»، وهو خلفية لقصيدة الشاعر العراقي رشدي العامل «وطني» الذي كتبها الشاعر حين دخل عامه الخمسين أيضا:
هزمتني الأحلام،
تقصي ما أرادوه وتدني
تعبت مزاميري،
فبعت أصابعي، وكسرت دني
ورجعت ملتحفًا ضباب الليل
في وطني، كأني في الفجر، ما ناغيت غبشته
ولا أبصرت مرأى
القصيدة في هذه اللوحة هي دلالة انتماء الفنان لمرحلة اجتماعية ثقافية معينة في تاريخ العراق. يكرر الفنان بعض أبيات القصيدة بخط مموَّه إلى أن تتلاشى في النصف السفلي من اللوحة الذي يسيطر عليه اللون الأسود والأخضر القاتم، دلالة واضحة على موطنه الأول (العراق/ أرض السواد)، وهناك تكوينات لونية مبهمة أقرب إلى أن تكون بشرية بعيون مفتوحة تهيمن على منتصف اللوحة.
هذه التكوينات المتحركة تتزاحم فيها الألوان، كأن الفنان يشرح التركيب البيولوجي لها، لكن ليس بمبضع التشريح، بل بضربات اللون التي تسيل وتتحول إلى فقاعات، كأنما هذه اللوحة هي مرثية لأحلام وأمنيات الحياة التي تنفجر واحدة بعد الأخرى وتتلاشى. ولوحة «بلادي» تحتل صدارة القاعة التي ضمت أيضًا خمسة وعشرين عملاً فنيًا.
يقول ساطع هاشم إنه عندما يرسم لا يفكر بالأسلوب الذي يتبعه للبدء بلوحة، بل يذهب بتلقائية نحو ألوانه ويطلق العنان لمخيلته، لذا تباينت الأعمال المعروضة في الأساليب والخامات والثيمات والتقنيات. فهناك ثلاث لوحات تجريدية مبنية على أساس القواعد الرياضية لواقعية الكمّ، وهي عالم الأطياف اللونية أو بمعنى فيزيائي هي ألوان الموجات الكهرومغناطيسية التي طور الفنان فيها أسلوبه الخاص، في مجال واقعية الكم التي كان أبرز روادها الفنان الرائد الراحل محمود صبري. وهناك سلسلة من أربع لوحات هي تخطيطات حبرية على الورق، استلهم الفنان فيها الموروث الرافديني والرموز الشعبية للتعبير عن مواضيع راهنة كاللوحة التخطيطية التي كتب في أعلاها «22.3.2016 بروكسل تحت القصف الإرهابي... داعش أعلنت المسؤولية بعد قتلها آلاف العراقيين».
لوحة «الوجه/ 2012» أكرليك على قماش هي لوحة يلتقط ويشرّح فيها الفنان الأحاسيس الداخلية والانفعلات لرأس بلا ملامح (وأعتقد أن الفنان تعمد تغيب الملامح ليسقطها المتفرج على نفسه ربما)، بمزيج من الأطياف اللونية، ولا غرابة فساطع هاشم مهتم منذ أمد بعيد بتأثير اللون على فيزياء الإنسان وحالته النفسية. وعليه، فعندما يغطي رأسًا ما بالألوان المتدرجة المتماوجة فهو يعبر ضمنًا عن تباين التركيب البيولوجي للرأس البشري، وكذلك تباين مزاجه وحالاته النفسية.
من أبرز اللوحات المعروضة أيضًا لوحة (الشباب والكهولة / 2016)، أكرليك على قماش، وفيها يتجه ساطع هاشم نحو التعبيرية الواقعية، فعلى خلفية بنية داكنة تقف امرأتان، إحداهما منحنية مع الخطوط الخضراء الداكنة، وترتدي الملابس التقليدية لنساء العراق والأخرى تتوهج مع الأخضر المشع بقوام ممشوق. المرأتان تواجهان بعضهما، وأعتقد أنهما تتبادلان الأدوار أيضًا.
عناوين اللوحات في المعرض، هي جزء من فك شفرتها، فقد اختيرت جميع العناوين بعناية فائقة، وكأنها جزء مكمل للعمل الفني. عمد هاشم أيضًا في أغلب لوحات هذا المعرض كما في لوحة «الجبل يردد أغنيتها / 2016»، وهي أكرليك على قماش، إلى إلغاء تفاصيل وملامح الشخوص واستبدالها بفاعلية وحركية اللون، كأن اللون هو مولد الحركة أو هو الدافع نحو الحركة. لكن ما من لون صاف أو مشع لوحده. ففي هذه اللوحة هناك تكوين أنثوي يمتطي حصانًا، وكل ما حولهما في حالة غناء ونشوة، لون الأفق في هذه اللوحة هو لون السكينة والدفء. بينما تختلط الألوان في الجزء السفلي من اللوحة بزخارف كثيرة بما يشبه لحن إيروتيكي يتردد صداه، وينسحب نحو هدوء خضرة الأفق.
ألوان ساطع هاشم ليست قيمًا شكلية مجردة وُضِعت للزينة أو لإبهار المتلقين (رغم أنها تتضمن هذه الغايات)، بل إن لها وظيفة عملية، كواسطة اتصال ودعاية ونقل الأفكار، ومن هنا أسلوبه الخاص جدًا في رسم البورتريه الشخصي، فلوحة «سيلفي/ 2016» وهي أكرليك على قماش، يصور فيها الفنان نفسه بمجموعة من الأطياف اللونية يغلب عليها زخارف باللون الأصفر، ويحوط وجهه بهالة تشبه هالات القديسين أو ربما هي المجال الكهرومغناطيسي الذي يحوط كل إنسان، مع نظرة جانبية واضحة وفاقعة بفعل الأصفر، الذي يسيطر على مساحة البورتريه.
لساطع هاشم ثلاث ملهمات رئيسية في أعماله، كما يقول، أولها تاريخ الفن فهو دارس ومتابع لتاريخ الفن والموروثات الفنية والآثارية للإنسانية جمعاء، وثاني الملهمات، هو العلم والفيزياء، خصوصًا كيفية تحليل الموجات الضوئية والكهرومغناطيسية والإمساك بألوانها الطبيعية، ومن ثم تحويل هذه الألوان إلى طلاءات وأصباغ تجارية، وثالث مصادره الإبداعية هو البيئة التي عاش ويعيش فيها هاشم؛ فمن بيئة العراق الزراعية حيث ولد في محافظة زراعية هي ديالى، ومن ثم انتقاله إلى الجزائر التي يصفها بأنها أجمل بلدان العالم من حيث الطبيعة، وفيها تفتحت ذائقته على أهمية اللون وتدرجاته الطبيعية، وانتقاله إلى روسيا حيث اللون المسيطر هو الأبيض نتيجة تساقط الثلج الذي يتحول إلى الفضي ما إن تشرق عليه الشمس، وأثناء وجوده في روسيا أثرى فنيًا من متحف الأرميتاج الذي كان يزوره باستمرار، ومن الثقافة الروسية المحلية والإيقونات الدينية. ثم انتقاله إلى براغ والسويد واليونان وبريطانيا، فكما يقول ساطع هاشم إنه تأثر بثقافات وطبيعة كل هذه البلدان التي عاش فيها لكنه في الوقت نفسه، لا يزال يستلهم موروثه العراقي التاريخي والشعبي في أعماله.
تعكس الأعمال المعروضة الاهتمام المستمر للفنان ساطع هاشم بموضوع تاريخ اللون وعلاقته بالإنسان وعقائده المتقلبة عبر الزمن، وهو الفرع الجديد في الدراسات الفنية التي تشغل الفنان منذ سنوات طويلة، حيث تبدو بوضوح تلك الرموز التي استعملها الإنسان، منذ أن وجد على هذه الأرض للتعبير عن معانٍ وأفكار مجردة، مثل الحب والموت والغواية ورحلة العذاب البشري الروحية المجسدة في غالبية المعروضات الحالية والمنفذة على القماش أو الورق في علاقات هارمونية منسجمة تبعث على المسرة والمتعة والمعرفة على حد سواء.
كتب عنه المؤرخ ورئيس قسم تاريخ الفن في جامعة لافبره في المملكة المتحدة كوردون ميلر يقول: «الألوان على الخصوص لها أهمية استثنائية عميقة عند الفنان ساطع، فهو يعتبر اللون وكأنه وحي يسري في النفس والجسد، ويتضمن التحولات الثقافية للجنس البشري. ويرى أن اللون كتركيب ثقافي مميز مفروض على مبادئ الإدراك البصري».
ساطع هاشم من مواليد مدينة بهرز (محافظة ديالى) العراق حاصل على شهادة الماجستير سنة 1989 بالرسم الجداري من أكاديمية موخينا للفنون الجميلة (ليننغراد) الاتحاد السوفياتي سابقًا، ويقيم حاليًا في مدينة ليستر البريطانية كفنان متفرغ، وقد أقام كثيرًا من المعارض الشخصية، وأسهم في معارض جماعية كثيرة حول العالم.
كرمته بلدية مدينة ليستر حيث يقيم عام 2010، وذلك بتسمية إحدى القاعات التي تحتوي على اثنتين من جدارياته في كلية التعليم وسط المدينة باسمه (قاعة ساطع هاشم).
وتقتني أعماله مجموعة من المتاحف والمجموعات الفنية العامة والخاصة، ومنها المتحف البريطاني في لندن، متحف مدينة ليستر - نيوولك، متحف كالينينغراد للفن المعاصر في روسيا، هاندلس بنك في استوكهولم وغيرها.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.