لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

مؤلف كتاب «البروج المشيدة» يتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن السادات و«القاعدة»

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
TT

لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً

قبل لقائي الصحافي الأميركي لورانس رايت بوقت قصير اتصلت بي الشابة كريستين، إحدى المسؤولات عن مسرحيته الجديدة «كامب ديفيد» التي ستعرض قريبا في العاصمة الأميركية واشنطن. بصوت محرج سألت: «هل يمكن تأجيل اللقاء لأيام قليلة؟ لاري مضطر الآن لإعادة كتابة بعض أجزاء المسرحية».
لم يفاجئني سبب التأجيل لمعرفتي أن المؤلف الذي يحضر البروفات ويتحدث مع أبطال العمل بشكل متواصل، يعيد باستمرار كتابة النص.. رددت عليها بعد أن ابتلعت طعم الخيبة الذي يترافق عادة مع إلغاء المواعيد المهمة: «حسنا، يمكنني تأجيلها. لكن هل صحيح أنه أعاد كتابة المسرحية أكثر من 24 مرة؟!». أجابت بصوت منشرح خلا تماما من النبرة الاعتذارية التي عبرت عنها قبل ثوانٍ: «هذا رقم قديم.. لقد أعاد كتابتها أكثر من 30 مرة حتى الآن!».
رغبة الإتقان الشديدة ليست غريبة على رايت أو «لاري»، كما يناديه المقربون منه. صحافي المجلة العريقة «النيويوركر» ومؤلف الكتاب المعروف عن تنظيم القاعدة «البروج المشيدة» اعتاد العمل الشاق الذي يمتد شهورا وحتى سنوات. في واحدة من إعادات الكتابة المتواصلة هذه، التقط رايت نسخة من المسرحية وعاد بها بعد ساعة بشكل أفضل مما كانت عليه. المخرج المندهش من الجودة والسرعة وجد ردا سريعا من الكاتب: «أنا صحافي أعيش طوال الوقت على الخطوط النهائية للنشر!».
قابلت رايت بعدها بأيام خلف كواليس المسرحية.. أشاهده يقطع الممرات القصيرة.. وقع خطواته السريعة والخفيفة لا تكاد تسمع إلى أن وقف إلى جانبي.
يضع النظارة الأنيقة المتوقعة من رجل فوق الستين مصمم على الحفاظ على وسامته ولمعان عقله. يرتدي جاكيت أسود طويلا، ويرسم ابتسامة ذكية تشي بأنه يعرف مسبقا جميع الأسئلة التي سوف أطرحها عليه. وجهه المتعب يكشف بوضوح عن أنه لم ينم جيدا منذ أيام.. «أهلا، شكرا لقدومك». لاحظت أنه ينطق اسمي بالطريقة الصائبة وليس «مادوه» أو «مامادووه» كما يتلعثم غالبية الأميركيين الذين ألتقيهم وهم يتورطون بنطق هذا الاسم الغريب عليهم.
بالطبع سينطقه بطريقة سليمة. فـ«لاري» يتحدث بعض العربية ويعرف العالم العربي منذ وقت طويل.. البداية كانت بالمصادفة البحتة. كان لاري الشاب من المعارضين بشدة لحرب فيتنام منذ البداية، ولم يكن يريد أن يرتبط بها بأي شكل من الأشكال.. «أنا معارض وناقد منذ الصغر»، هكذا يصف نفسه. ولكن الحكومة الأميركية قررت أن تجند الشباب إجباريا وتبعث بهم إلى جبهات القتال هناك، ولكن المتمرد الصغير لم يرغب أن يكون جنديا مطيعا في حرب لم يكن مؤمنا بها. للممانعين مثله خيارات قليلة، أحدها هو العمل في مؤسسات أميركية خارج الولايات المتحدة ولوقت طويل نسبيا، وبمرتب قليل.
وجد هذا الخيار مناسبا.. في نيويورك قرر أن يعبر الشارع إلى مبنى الأمم المتحدة للبحث عن عمل من هذا النوع.. لم يعثر، ولكن قيل له هناك إن الكثير من المؤسسات الأميركية في الخارج قد تقبله لديها.
قدم طلبه وجاء الرد على الفور. قال له الشخص المسؤول عن استقبال الطلبات: «هل تستطيع أن تسافر الليلة إلى القاهرة لتعلم اللغة الإنجليزية لطلاب الجامعة الأميركية؟.. «الليلة؟» تفاجأ رايت بسرعة قبول الطلب وفكرة السفر السريع لعامين لمكان لم يزره ولم يعرف عنه أي شيء قبل ذلك بما فيها اللغة التي يتكلم بها أهلها. وأكمل معترضا: «لا لا أستطيع الليلة السفر». رد عليه المسؤول: «وماذا عن الغد؟!»، «الغد؟! نعم، نعم، لا بأس بالغد؟!»، هكذا وافق سريعا.
ذهب لزيارة صديقته في مدينة بوسطن التي أصبحت فيما بعد زوجته ليخبرها برحلته الطويلة ومن مطار جي إف آي كيندي في نيويورك اتصل بوالديه ليعلن لهما أنه ذاهب للقاهرة ولن يرياه إلا بعد عامين. في صباح اليوم التالي من وصوله للقاهرة ذهب إلى عمله الجديد. يقول رايت إن أول سؤال طرحه على الطلاب المسلطة نظراتهم عليه: «أي أحد في هذا الفصل يتحدث اللغة الإنجليزية؟!» ليجاوبه أحد الطلاب الصغار: «نعم، أنت!»، يضحك رايت على هذه القصة في كل مرة يرويها. لا تزال الابتسامة على وجهه.. «لقد أحببت هؤلاء الطلاب كثيرا. ساعدوني لأدخل بسهولة للثقافة المصرية». المواقف الطريفة لا تزال، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاما، تعيد إنتاج الذكريات الجميلة في مخيلته. كانت تلك البدايات لتعلق الكاتب بمدينة القاهرة ومصر والعالم العربي والإسلامي بشكل أوسع. هذا التعلق المبكر اتخذ منعطفا آخر بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) التي أصابته بالصدمة والاضطراب ربما أكثر من أي أحد آخر. يقول: «شعرت بالصدمة العنيفة. أحسست أن الثقافة التي أحبها هاجمت الثقافة الأخرى التي أحبها وأعيش بها». ويضيف بنبرة جادة: «تنامى لدي إحساس يقول إنني أكثر من أي أحد آخر عليه أن يكتب عن أحداث سبتمبر من أجل نفسه قبل الآخرين. شعرت بأنني أقوم بمهمة. إذا لم أقم بها أنا، فمن سيقوم بها إذن؟». هذا الإحساس الغريب بالمهمة والواجب دفعه ليكتب كتابه الشهير «البروج المشيدة» الذي حقق له الكثير من الشهرة وضمن له جائزة بولتيرز. يصمت رايت للحظات فيما يبدو أنه يغوص في الماضي البعيد. يلف يده على خلف عنقه، ويضيف: «لو لم أعبر ذلك الشارع إلى الأمم المتحدة بحثا عن عمل في الخارج. كان من المستحيل أن أكتب (البروج المشيدة)».
الشاب الناقم على حكومته بلده في ذلك الوقت وقع سريعا في حب القاهرة والناس هناك. كان ذلك في عام 1969. يتذكر: «القاهرة كانت مختلفة في ذلك الوقت. أحببت أم كلثوم وحضرت لها نصف حفلة. نصف حفلة لأنني تقاسمت التذكرة مع صديقي. اتفقنا على أن أحضر في البداية وأخرج ويأتي هو مكاني. وعبد الحليم، نعم، كم أحببت عبد الحليم».
سياسيا، كانت القاهرة تغلي بشدة. حضر رايت آخر عام من حياة الرئيس جمال عبد الناصر، وشهد الصدمة الشعبية التي أعقبت رحيله. ولكن الرئيس الذي يلعب أحد أبرز شخصيات مسرحيته الجديدة هو الرئيس الراحل أنور السادات. في هذه المسرحية يركز على المحادثات السرية التي تمت خلال محادثات «كامب ديفيد». يقول: «كنت هناك عندما أصبح السادات رئيسا. كان الجميع يعتقد أنه كان رجلا ضعيفا ولن يستمر طويلا. سيبقى لوقت قصير حتى يأتي رئيس آخر قوي مكانه. ولكن السادات قلب الموازين. أثبت أنه الرئيس القوي». يقول رايت، إن مسرحيته التي تعتمد على محادثات «كامب ديفيد» للسلام التي استمرت ثلاثة عشرة يوما بين الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس الأميركي جيمي كارتر تهدف إلى التأكيد أن السلام ممكن حتى من قبل شخصيات مليئة بالعيوب كالشخصيات التي أنجزت الاتفاقية التاريخية.
المسرحية لا تتطرق فقط إلى المساومات والمناقشات الصاخبة التي كادت تفشل المعاهدة في اللحظات الأخيرة، ولكنها أيضا تسعى لكسر القشرة الخارجية للشخصيات الرئيسة، ومن ثم الغوص في نوازعها الداخلية العميقة.
سألته: «لنتحدث عن كتابك البروج المشيدة».. كيف اخترت هذا العنوان المعبر؟
- استمددت العنوان من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة»، التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا. «البروج المشيدة» يقصد بها الهدف، وهما برجا التجارة في نيويورك. استخدمها بن لادن كشفرة ملغزة تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة. يرسم ابتسامة على شفتيه ويكمل: «كنت سأسميه (سيدرككم الموت)»، ولكن من يقرأ العنوان سيعتقد أن الكتاب يتحدث عن فك لغز إحدى الجرائم الغامضة». كتاب رايت الشهير هذا يعد بين الكتب الأبرز التي كشفت عن الوجه الحقيقي لتنظيم القاعدة.
التقى رايت مئات الشخصيات في محاولة منه ليدخل إلى عقل التنظيم المظلم. بعد أن قرأ كتابه أحد الصحافيين الكبار، علق قائلا: «كتاب رايت هذا يجعل منا مجموعة من الهواة». في هذا الكتاب خصص الكثير من الصفحات لشخصية زعيم القاعدة بن لادن. يتمتم رايت وكأنه يتحدث لنفسه: «أحيانا أتساءل لماذا فعل بن لادن ما فعله. عاش حياة رغيدة وهانئة ولم يتعرض للسجن والتعذيب كما حدث للظواهري مثلا».
يؤكد مؤلف الكتاب أن «القاعدة» خسرت الكثير بعد مقتل بن لادن. شخصيته كانت تستقطب الكثير من الشبان المتطرفين من كل مكان. بعد مقتله ضعف الرابط الآيديولوجي الذي كان يربط الجماعات المختلفة بعضها البعض.
في عام 1998 ألف رايت فيلما بعنوان «الحصار» من بطولة بروس ويليس ودينزل واشنطن. بدا كـ«نبوؤة غريبة ومزعجة ومثيرة للاشمئزاز لأحداث 11 سبتمبر»، كما يقول في إحدى المقابلات. مشاهد الفيلم شديدة الشبه بما حدث في يوم هجمات سبتمبر. التفجيرات الانتحارية، الدخان المتصاعد، الوجوه المكسوة بالسخام، الأعين الفزعة، والإحساس بنهاية العالم، كل هذه المشاهد حدثت في الفيلم قبل أن تحدث في الواقع. هذا الفيلم كان أحد الدوافع التي جعلته يتعين بأن عليه أن يكتب «البروج المشيدة» ومن ثم فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» الذي يظهر فيه متنقلا بين مدن مختلفة وهو يمسك بقلمه ودفتره الصغير، وعيناه المحتارتان تبحثان عن إجابات وتفسيرات. ولكن هناك سببا شخصيا أعمق يدفعه باستمرار للمزيد من الكشف والبحث، وهو العامل الديني الذي يغريه للتقدم أكثر وأكثر. لا يتعلق ذلك بكتاباته عن العالم الإسلامي والقاعدة فقط، ولكنه كتب الكثير عن الطوائف الدينية في الولايات المتحدة مثل الآميش والمرمون، وأخيرا طائفة الساينتولوجي. في الصغر كان رايت متدينا، ولكنه فقد إيمانه في سنوات المراهقة. يحاول رايت أن يشرح هذه النزعة: «لدي رغبة قوية للكتابة عن الدين والقضايا والشخصيات الدينية. الكثير من الصحافيين في أميركا لا يرغبون الكتابة عن الدين لاعتقادهم أنه قضية شخصية ويجب ألا تمس. ولكن الإيمان الديني أقوى بكثير من الإيمان السياسي. قد تكون للشخص عقيدة سياسية، ولكنها لن تؤثر على سلوكه وميوله، ولكن الإيمان الديني سيتدخل في كل جانب من حياة الفرد المؤمن ويتحكم فيه بشكل كامل، وبالتالي سيؤثر بقوة على المجتمع بأكمله».
في العام الماضي نشر رايت كتابه الجديد «Going Clear» عن طائفة الساينتولوجي التي بدأت بالخمسينات وأسسها كاتب القصص رون هوبارد. هذه الطائفة التي اكتسبت شهرتها بسبب قدرتها على استقطاب الكثير من نجوم هوليوود مثل توم كروز وجون ترافولتا وآخرين. يقول رايت أن الكنيسة الساينتولوجية عرفت أن الأميركيين يقدسون المشاهير لذا لا يوجد هناك وسيلة أخرى لجذبهم إليها أفضل من إقناع مشاهير السينما لاعتناق عقيدتها. بدد رايت الأوهام عن سيرة مؤسس الكنيسة رون هوبارد التي تختلط فيها الأوهام بالحقائق. في الحرب العالمية الثانية خدم هوبارد في البحرية الأميركية وزعم أنه أصيب بالعرج وبعمى بصري جزئي. يكتب هوبارد في أحد مؤلفاته عن حالته بعد تلك المرحلة: «واجهت مستقبلا معدوما. هجرت العائلة والأصدقاء. الشخص المعاق وعديم الحيلة الذي كنته». يدعي هوبارد أنه تمكن من معالجه نفسه بنفسه من دون تدخل طبي. ما قام به أصبح جوهر دينه الجديد. استخدام العقل الخلاق لتبديد أوهام الضعف والخوف التي تسكن العقل الاسترجاعي. قدم هوبارد الذي يبدو في غالبة صوره التي تلقط بعناية وهو ينظر بشموخ اكتشافاته «العلمية» للمنظمة الأميركية لعلوم النفس التي رفضت نظرياته واعتبرتها مجرد خزعبلات لا تستند إلى حقائق علمية متينة. هذا الرفض غرس الكراهية في قلب هورباد تجاه كل ما يتعلق بعلم النفس: نظرياته، أساليبه العلاجية، عقاقيره وأطباؤه. كتب مرة واصفا المعالجين النفسيين بأنهم «سيعذبون ويقتلون أي شخص لو كانت لديهم القوة لفعل ذلك». هذه الكراهية أصبحت ركيزة أساسية في عقيدة الساينتولوجي التي لا تعترف بالطب النفسي وعلاجاته وتعده شرا محضا. يضع البعض علامات النفور على وجوههم عندما يتحدثون عن الساينتولوجي. يقول رايت: «لكنني أردت أن أكشف عن أسرارها وأفهم لماذا توسع نشاطها وتزايدت كنائسها وتمكنت من اجتذاب الكثيرين لها». ليقوم بذلك قام رايت بإجراء مقابلات مطولة مع المؤلف والمخرج السينمائي بول هاغيس، مخرج الفيلم الشهير «كراش» الحائز على جائزة الأوسكار. هاغيس أعلن قبل سنوات عن انشقاقه عن الكنيسة بعد أن قضى عقودا طويلة في خدمتها أوصلته إلى المراتب العليا في تسلسلها الهرمي.
يقول رايت إنه اختار هاغيس لسبب محدد.. «إنه شخص خلاق جدا. أذكى مني وأكثر مهارة وإبداعا. لماذا إذن انضم لطائفة الساينتولوجي؟ هذا يعني أن أكثر الناس ذكاء قد ينجذبون لها. وهذا ما أردت أن أنبه القارئ له. هاغيس تمرد على الكنيسة بسبب الأسرار الغريبة التي بدأت تتسرب للعلن من بين أسوار القلعة المصمتة. من أكثر هذه الأسرار إثارة للامتعاض هي، كما كشف عنها رايت في كتابه، تعرض عدد كبير من أعضاء الكنيسة للضرب والتعنيف النفسي من قبل قائد الكنسية الحالي ديفيد ميسكافج الذي خلف هوبارد بعد رحيله في عام 1986. رفعت الكنيسة الكثير من القضايا على رايت ولكنها لم تربح أي واحد منها. يحاولون إنهاكك عاطفيا».
في مقابلات رايت مع هاغيس يكشف عن الأسباب الخفية التي جعلته ينضم لطائفة الساينتولوجي.
من خلال شخصية هاغيس استطاع رايت أن يدخل القارئ في رحلة طويلة إلى العوالم الغريبة والسرية للكنيسة. هذا هو أسلوبه الذي يفرقه عن غيره. دائم البحث عن شخصيات مثيرة يسافر معها في رحلة طويلة ينقل فيها القارئ إلى أعماق تحقيقاته وقصصه الصحافية.
يوصف رايت بأنه يعتمد على أنفه في البحث عن القصص الصحافية الفريدة.. الجري وراء الروائح المشهية يقذف الصحافي وحيدا في العراء معتمدا على نفسه فقط في المضي في طريق طويل ومضنٍ قد ينتهي إلى لا شيء. في كتابه «البروج المشيدة» التقى أكثر من 600 شخص ليضع يده على جوهر المشكلة (في كتابه عن الساينتولوجي التقى أكثر من 200 شخص). وعلى الرغم من تواضعه فإنه غير قادر على إخفاء بريق الفخر والرضا عن النفس المنعكس على عينيه المرهقتين. يقول لي: «أعاني من ذاكرة سيئة، لذا أجمع أكبر قدر ممكن المعلومات وأدونها في دفتر ملاحظات وأقوم بتصنيفها. أنا مثل الرسام الذي يريد أن يجمع أكبر قدر من الألوان حتى يرسم لوحته بأفضل صورة ممكنة».
كيف يمكن للصحافي أن يحافظ على حياده في التحقيق الصحافي حتى لو كان يتحاور مع شخصيات ارتكبت جرائم مروعة ضد آلاف الأبرياء كما فعل تنظيم القاعدة. في فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» يعبر رايت عن هذه المعضلة على طريقته المفضلة وهي «رسم المشاهد التي تعلق في ذاكرة القارئ» كما يقول. كان يلتقي مجموعة من المتشددين المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في ببرمنغهام. قبلها بأيام قبضت «القاعدة» في العراق على مواطنة أميركية مارغريت أتت لمساعدة الجرحى وهددت بقتلها. توسلت مرارا في التلفزيونات طلبا للمساعدة. اتفق المتعاطفون على أنه يجب قتلها.. «كانت جاسوسة» صاح أحدهم. هز البقية رؤوسهم بالموافقة من دون أي إحساس بوخز الضمير. شعر رايت بخطورة هذه الرؤوس المتيقنة التي تكتفي فقط بهز رؤوسها من دون أن تفكر بنفسها. ولكن في الحقيقة لم يقل كلمة واحدة لسبب واحد: كان صحافيا يبحث فقط عن المعلومة في أكثر الأماكن خطورة.
تعلق رايت بالقراءة والكتابة بدأ منذ الصغر. أمه التي كانت تدفن وجهها دائما بين دفتي كتاب كانت هي محرضه الأساسي.. «كانت هي السبب الذي جعلني أحب الكتابة. ربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لجذب انتباهها». ينشرح وجهه: «كانت تأخذني معها للمكتبات كل الوقت. كنت تحب مجلة (النيويوركر) كثيرا. كما كنت سعيدا لأنها كانت على قيد الحياة عندما أصبحت كاتبا في المجلة».
تطرق كريستين على الباب معلنة عن نهاية الوقت. قلت في نفسي: الآن حان وقت دفع مكافأة موافقتي على تأجيل الحوار. أتت المكافأة سريعة. رد رايت: «امنحينا بعض الوقت. بادرته بالسؤال الأخير الذي قلته له بطريقة بدا جليا أنها آلية ومخطط لها. أنت محب للموسيقى وعضو في إحدى الفرق الموسيقية. هل هذا النشاط بمثابة علاج لك من الكتابة عن (القاعدة) والشرق الأوسط المضطرب دائما؟»، «لا لا، الحقيقة أنا أبحث هذه الأيام عن أورغ موسيقي عربي. أريد أن أتعلم عزف الموسيقى العربية»، قال ذلك وهو يرسم في الهواء شكل هذه الآلة الموسيقية التي يريد العزف عليها.



«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟
TT

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

أطلقت منصة «ثريدز» المملوكة لـ«ميتا» مزايا بصرية جديدة تهدف إلى «تحفيز سلوك النشر لدى المستخدمين»، في خطوة يرى خبراء أنها محاولة لاستعادة الزخم إلى المنصة التي صعدت بوتيرة متسارعة في البدايات ثم عانت من خفوت.

وتشمل تحديثات «ثريدز» التي أُطلقت في مايو (أيار) الجاري «إدراج ميزة آلية تُمكن المستخدم من تقسيم الكتل النصية الطويلة إلى منشورات متعددة ومتسلسلة»، بينما ركزت الخطوة الثانية على اختبار ملصقات متحركة مصممة لإبراز المنشورات وجعلها أكثر جاذبية بصرية داخل تجربة المستخدم.

لقد كانت بدايات «ثريدز» لافتة إلى حد أنها سجلت رقماً قياسياً في تاريخ الإعلام الرقمي عند إطلاقها في يوليو (تموز) 2023 كأسرع التطبيقات نمواً واكتساباً للمستخدمين.

وحسب بيانات أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، عقب إطلاق التطبيق مباشرةً فإن «المنصة نجحت في جذب مليون مستخدم في الساعة الأولى من إطلاقها، ثم تجاوز حاجز مائة مليون مستخدم في غضون أربعة أيام وست ساعات فقط، وسط معدلات تفاعل استثنائية بلغت 95 مليون منشور في اليوم الأول». غير أن هذه الوتيرة لم تستمر طويلاً، بينما بدأت المنصة -التي أطلقتها «ميتا» بالأساس لمنافسة «إكس» مستغلةً عثراته- في التراجع الفوري عقب التدشين، وفق مراقبين.

وذكرت بيانات سابقة لمؤسسة «سنسور تاور» للأبحاث الرقمية أنه «بعدما سجلت المنصة ذروة تفاعل تاريخية بلغت نحو 44 مليون مستخدم نشط يومياً في يوليو (تموز) 2023 انخفض هذا الرقم بنسبة تجاوزت 70 في المائة، ليستقر عند حدود 13 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول أغسطس (آب) من العام نفسه».

ولم يقتصر التراجع على أعداد الزوار؛ بل امتد أيضاً، وفقاً لتقارير شركة «سيميلار ويب» المتخصصة في تحليل البيانات الرقمية، خلال أغسطس 2023، إلى البقاء الزمني للمستخدم، إذ «انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم النشط يومياً من 21 دقيقة إلى ما يتراوح بين 4 و6 دقائق فقط بعد ثلاثة أسابيع من التدشين، ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً يقارب 79 في المائة في قدرة التطبيق على الاحتفاظ بالجمهور».

عبد الكريم الزياني، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة العين في أبوظبي، يرى أن الميزات البصرية وحدها لن تكفي لإنعاش «ثريدز». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الأساسية ليست في شكل المنشورات؛ بل في غياب هوية واضحة تجعل المستخدم يشعر بأن المنصة تقدم له قيمة يومية مختلفة عن باقي التطبيقات».

ويضيف أن «ميتا» تحاول جعل «ثريدز» أكثر جاذبية من الناحية البصرية، وهذا يعني أنها تقترب تدريجياً من روح «إنستغرام»، وهذا قد يساعد على جذب المستخدمين المعتادين على المحتوى المرئي، لكنه قد يُضعف تميّزها كمنصة للنقاشات النصية السريعة التي تنافس «إكس».

وعن جدوى تحديثات «ثريدز» في استعادة الزخم، يقول الزياني: «قد تزيد التحديثات من التفاعل على المدى القصير، لأنها تمنح المستخدمين أدوات تعبير أكثر تنوعاً؛ لكن نجاح المنصة يبقى مرتبطاً بجودة الخوارزمية وقدرتها على عرض محتوى مهم وتحفيز النقاش الحقيقي بين المستخدمين». ويتابع: «المستخدم لن يعود يومياً بسبب الملصقات المتحركة فقط، بل لأنه يجد أخباراً سريعة ونقاشات مؤثرة ومحتوى يهمه».

ومن ثم «إذا لم توفر (ثريدز) هذه العناصر، فلن تكون الإضافات البصرية وحدها كافية للإقناع باستخدام المنصة باستمرار».

وعلى الرغم من إعلان زوكربيرغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استعادة التطبيق لمسار النمو التدريجي ووصوله إلى نحو 275 مليون مستخدم نشط شهرياً، فإن مراقبين لا يرون نمو الحسابات النشطة شهرياً دليلاً على الوصول للمستخدم.

وهنا، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن تراجع «ثريدز» لا يعود إلى ضعف الإبهار البصري حتى تؤتي هذه التحديثات جدواها، بينما تكمن الأزمة في أن المنصة لم تأتِ للمستخدم بجديد، إذ اعتمدت على تكرار تجربة «إكس» فحسب.

وأردف رمزي أن «مواجهة الخفوت على المنصة يحتاج إلى الابتكار والتجديد، والخروج بجديد يختلف حتى عن منصات (ميتا) نفسها». وعدّ تحديثات المنصة سطحية ولم تأتِ بجديد للمستخدم، إذ قال: «جميع التحديثات تركز على تجربة المستخدم، وهو أمر غير كافٍ لاستعادة الصعود بعد خفوت مدوٍّ، لا سيما وسط منافسة محتدمة مع منصات مخضرمة في السوق».

ثم تطرق رمزي إلى تحديثات «ثريدز» وما إذا كانت تمثل فرصة للأخبار، فذكر أن السياسة الأوسع لشركة «ميتا» فيما يتعلق بالأخبار باتت واضحة؛ «إذ إن (ميتا) تتَّبع سياسة ممنهجة مفادها الابتعاد عن المحتوى الجاد مثل الأخبار والتحليلات، ظناً أنها تورطها في مشكلات سياسية وقانونية».

واستطرد: «ظهر هذا التوجه منذ ألغت الشركة خاصية المقالات الفورية، وصولاً إلى تقليص مشروع (فيسبوك) للصحافة والحد من وظائفه وتمويله». ومن ثم استبعد أن تتحول «ثريدز» إلى منصة للأخبار الجادة أو النقاشات الرصينة، مشيراً إلى أن «المحاولات الراهنة لجذب انتباه الجمهور مجدداً تفتقر إلى الفاعلية المطلوبة، فقد توفر تجربة جيدة للمستخدم، غير أنها لن تحقق الصعود المستدام للمنصة».


وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».