مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر

٢٣ خبيرًا وباحثًا في الدورة الأولى لمؤتمر دبي للترجمة

أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات  ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
TT

مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر

أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات  ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر

يعد مؤتمر دبي للترجمة الذي افتتح أعماله في مقر جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية، في مدينة دبي الطبية، في العشرين من الشهر الحالي، والذي انتهت أعماله أمس، أول مؤتمر دولي للترجمة في المنطقة. وقد احتضن المؤتمر الذي نظمته مؤسسة الإمارات للآداب بالشراكة مع المجلس التنفيذي لإمارة دبي، بالتزامن مع إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2016 عامًا للقراءة، وإطلاق السياسة الوطنية للقراءة، مجموعة مترجمين وأدباء ومختصين قادمين من جامعات ومؤسسات أكاديمية دولية. واتسمت فعالياته بالشمولية والتنوع، عبر جلسات قدمها 23 خبيرا وباحثا، على شكل محاضرات مركزة وورش عمل متخصصة، لإثراء الحراك المعرفي للترجمة، ورفع سوية هذه الصنعة الحضارية.
وفي افتتاح المؤتمر، أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة وتنمية المعرفة، على أهمية الترجمة في حياتنا العربية، واعتبرها من أهم أسس نهضة العرب، كما استعرض تاريخ الترجمة في الثقافة العربية منذ هارون الرشيد والمأمون وبيت الحكمة إلى وقتنا الحاضر، وأشار إلى تقدم العرب والمسلمين في هذا المجال، وقيامهم بالترجمة من اللاتينية والفارسية والتركية والسنسكريتية والعبرية وغيرها.
وقالت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة الدولة للتسامح: «إنَّ الترجمة هي سبيلُنا لفهمِ ومعرفةِ الآخر، تفاعلاً مع ثقافتِهِ وحضارته، وإثراءً لتواصلنا الإنساني والمعرفي، كما تُعيننا التّرجمةُ على تعزيزِ قيمِ التّسامُحِ والحوارِ والتّفاهمِ وقبولِ الآخر.
أما عبد الله الشيباني، أمين عام المجلس التنفيذي لإمارة دبي، فألقى كلمة قال فيها: «وإذ أُمعن النظر، فإنني أدركُ أنَّ ذلك الجيلَ لم يكن ليعيشَ قلقَ (هاملت) وأسئلتَه الكبرى ذات يوم، أو تمزقَ (الملك لير) وندمَه، أو سذاجَة (عُطَيْل) وغيرتَه، أو طموحَ (مَكبِث) ونهايتَهُ، لولا النصوصُ الرائعةُ التي قدمها له جبرا إبراهيم جبرا في (المآسي الكبرى) لشكسبير. كما أن ذلك الجيلَ الحالم لم يكن ليجولَ في شوارعِ وأزقةِ (سان بطرسبرغ) في روسيا القيصرية بصحبةَ (غوغول) و(تشيخوف) و(ديستوفسكي) وغيرَهم، لولا العملُ الدؤوبُ لأبي بكر يوسف وسامي الدروبي. أما (ماكوندو)، تلك القريةُ المنعزلةُ في ثنايا غابات الأمازون، فقد كان سامي الجندي هو أول من رسم له خريطتَها، وأرشدَه إلى دربِها، بصحبةِ (ماركيز)».
وفي هذا الشأن، قالت السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب: «لقد حرصنا على وضع برنامج شامل وتثقيفي، يتناول قضايا الترجمة بشكل محفز وممتع في الوقت ذاته»، مضيفة: «غالبًا ما يُنظر إلى الترجمة باعتبارها موضوعًا مملاً، ولكننا نأمل أن يُلقي هذا المؤتمر الضوء على مكانة الترجمة الحقيقية، وأهميتها التي تزداد بشكل خاص في مجال الأدب والأعمال الروائية، إذ تفتح الترجمة للقرّاء عوالم جديدة، وتوسع مداركهم، وتزيد من اطلاعهم على الثقافات ووجهات النظر المختلفة»، لافتة إلى أنه على الرغم من وجود 22 دولة ناطقة بالعربية، فإن العربية لا تزال متراجعة عن اللغات الأخرى، من حيث عدد الكتب التي تتم ترجمتها ونشرها سنويا، ومؤكدة على أن النصوص المترجمة تشكل مصدرًا أساسيًا وغنيًا، ووسيلة ناجعة لنقل العلم والمعرفة.
وقد شارك في المؤتمر مجموعة من الكتّاب والأدباء والمترجمين والمثقفين، منهم: أهداف سويف،، واليازية خليفة، وكريستينا حايك، وكلايف هوبز، وفراس الشاعر، وغانم السامرائي، وهيمفري ديفيز، وإيمان شيبة، وليزلي ماكلوكلين، ومايكل كوبرسون، ومحسن الموسوي، ونانسي روبرتس، ونوره النومان، ونجوم الغانم، وفيليب كيندي، وغيرهم.
وعُقدت في اليوم الأول من المؤتمر أربع جلسات: تناولت أولاها «رحلة الترجمة عبر تاريخ الأدب العربي»، واشترك فيها كل من محسن الموسوي، وكلايف هولز، وتتبعت الجلسة المراحل التاريخية للترجمات من العربية إلى الإنجليزية التي بدأت بترجمة القرآن منذ العهد العثماني، وتواصلت إلى اليوم، وتظهر كثرة الترجمات التي حظي بها القرآن على مدى تلك القرون الأهمية التي أولتها المجتمعات الأخرى لهذا النص المقدس الذي هو مفتاح فهم الإسلام والشعوب المسلمة، كما تطرقت الجلسة أيضًا إلى ترجمة الأدب العربي، والأهمية التي اكتسبها في العصر الحديث.
وأما الجلسة الثانية، فكانت بعنوان «عامل الإبهار.. الترجمة من العربية إلى الإنجليزية»، وقد تحدثت فيها أهداف سويف، وهيمفري ديفيز، ودارت حول المعايير التي يجب اعتمادها في اختيار الكتب لترجمتها. وجاءت الجلسة الثالثة تحت عنوان «الترجمة التجارية.. هل هي اتجاه مستمر؟»، بمشاركة مايا كسرواني ومحسن الموسوي ومحمد حماد، ودارت حول سلبيات التهافت على أكثر الكتب مبيعا والكتب التجارية وأفلام الرعب في الوطن العربي. وانعقدت الجلسة الرابعة تحت عنوان «ما يستعصي على الترجمة»، وتحدث فيها كل من فراس الشاعر، وليزلي ماكلوكلين، وكلايف هولز، ومايكل كوبرسون، ودارت حول كيفية استيعاب الترجمة للكلمات الأجنبية والمصطلحات التي تستحدث.
ومن المواضيع التي ناقشها المؤتمر: «أثر انتشار الترجمة التجارية على جودة النصوص الأدبية»، و«الدبلوماسية الأدبية.. تغيير التوجهات ومناطق الخطر في الترجمة»، و«الترجمة الآلية.. ما لها وما عليها». كما قدم المؤتمر فرصة للاستماع لآراء المؤلفين والمترجمين ووجهات نظرهم.
وفي اليوم الثاني، قدمت جلسات متنوعة أخرى، مثل: جلسة «أي نوع من المترجمين أنت؟»، نظرة متعمقة في صناعة الترجمة. وقد تحدث فيها محسن الموسوي وكلايف هولز عن دور المترجم في الارتقاء بالنص الأصلي، ومدى الاقتراب من النص الأصلي، والمبادئ التوجيهية الأساسية في صناعة الترجمة، وكذلك تدريب المترجمين على أفضل الممارسات.
وفي جلسة «الطلب على المترجمين.. آفاق مهنة الترجمة»، تحدث كل من غانم السامرائي وهيمفري ديفيز واليازية خليفة، وتطرقوا إلى آفاق الترجمة الواسعة في ميادين الإعلان والصحافة والدوائر الحكومية والآداب والطب والترجمة الفورية وترجمة السينما والتلفزيون، كما تطرقوا للتدريب الأكاديمي الحالي، وما يحتاجه المترجم من مهارات، وكذلك تناولوا التخصص في الترجمة وتقييم المترجمين، وتقدير أجورهم وأتعابهم نظرًا لهذا التقييم.
وفي جلسة «من كاتب إلى مترجم.. ومن مترجم إلى كاتب»، تحدث كل من أهداف سويف وليزلي ماكلوكلين ونورة النومان عن هل يمكن أن يكون الكتّاب أهم المترجمين؟ وهل بمقدور المترجم أن يتقمّص شخصية الكاتب وأسلوبه؟ وهل يظل الناشر صاحب الكلمة الأخيرة؟ وتناول فراس الشاعر ومحمد حماد ونجوم الغانم موضوع بعث الحياة في الأعمال الأجنبية من جديد، من خلال الترجمة التي تظهر على الشاشة عندما نشاهد الأفلام والبرامج التلفزيونية، وهل سيمكن الارتقاء بمستوى الترجمة؟ وتحدث هيمفري دسيفيز وفيليب كينيدي عن الدبلوماسية الأدبية، وتغيير التوجهات ومكامن الخطر في الترجمة، وتوسيع قراءات المترجمين، وكيفية مساهمة ذلك في مّد جسور التفاهم بين الأمم وكسر الحواجز، كما تحدثت أهداف سويف عن كتبها التي كتبتها باللغة الإنجليزية، وهي من بين الأكثر مبيعًا.
وفي جلسات اليوم الثالث، تحدث كل من غانم السامرائي واليازية خليفة ومحمد حماد وكريستينا حايك عن تأثير أجهزة الكومبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة والتواصل العالمي في الترجمة، والفرق بين القاموس الورقي والقاموس الإلكتروني، والتكيّف مع المستقبل دون إغفال قيمة المساهمة البشرية.
وتحدث محسن الموسوي وفراس الشاعر ونانسي روبرتس في «فرخ البط عوّام.. لذا لا تضع كل بيضك في سلة واحدة»، وهي جلسة مخصصة للمقارنة بين الأمثال والأقوال المأثورة والتعابير الاصطلاحية في الترجمة، وكيفية تجنّب الأخطاء الشائعة، وضمان إيصال المعنى للمتلقي على وجه الدقة، ومواكبة التعابير الجديدة، واستخدام اللغة.
وفي جلسة «التمكن من العربية.. إتقان العربية وخوض غمار التجربة»، تحدث كل من كلايف هولز وليزلي ماكلوكلين ومايكل كوبرسون عن أن اللغة العربية من أصعب اللغات في الترجمة من اللغات الأخرى.
وفي الجلسة الختامية «مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر»، تحدث كل من فيليب كينيدي وغانم السامرائي ونانسي روبرتس عن الأجهزة ومدى قدرتها على مضاهاة قدرة الإنسان على ترجمة اللغات في السنوات المقبلة، واتفق المشاركون على أن العنصر الإنساني ضرورة قصوى في إتقان الترجمة الحقيقة الفاعلة الدقيقة.
وتعامل المشاركون في مؤتمر دبي للترجمة مع الترجمة باعتبارها جسرًا مفتوحًا باتجاهين يعبر المسافات بين الشعوب والثقافات.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.