«الشرق الأوسط» ترصد أبرز المعالم التاريخية التي طالها الدمار في جنوب اليمن

متاحف ومدارس ومساجد استخدمتها الميليشيات ثكنات عسكرية في الحرب

ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
TT

«الشرق الأوسط» ترصد أبرز المعالم التاريخية التي طالها الدمار في جنوب اليمن

ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن
ما تبقى من بوابة ميناء السواح التواهي بعدن

الميليشيات الحوثية وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، لم تغادر ولم تنسحب من مدن عدن ولحج والضالع، جنوب البلاد، إلا بعد أن عاثت بمعالمها الأثرية والروحية والتاريخية والثقافية، عبثا وخرابا ونهبا وتدميرا غير مسبوق في التاريخ الحديث، بحسب الشواهد وما يطرحه السكان والمسؤولون في تلك المدن. «الشرق الأوسط» تجولت ورصدت الدمار الذي لحق بتلك المعالم.. بأيدي الميليشيات الانقلابية، التي حولتها إلى ثكنات.
فما من مدينة مرت بها جحافل تتار القرن، وفق وصف محافظة الضالع، إلا وتركت خلفها دمارا وخرابا مهولا طال أهم المعالم والمنشآت في تلك المحافظات، بطرق وأساليب توصف بالشيطانية. إذ لجأت إلى تدمير أهم المباني الأثرية والدينية والسياحية والإدارية وبدناءة وخسة وخبث لا يمكن لإنسان سوي يدعي المروءة والشجاعة فعل تلك الأفكار الشيطانية التي اتبعتها الميليشيات أثناء معاركها مع المقاومة والجيش والتحالف، وفقا لتعبير البعض.
فعند دخول الميليشيات تلك المدن، كان أول ما فكرت فيه هو سيطرتها على المراكز المهمة ذات القيمة الاقتصادية والوجدانية والتاريخية وليس العسكرية، وإذا عجزت عن اقتحامها فتكون أهدافا لصواريخها المدفعية ولقذائف دباباتها. وابتكرت الميليشيات طرقا عدة كي تنتقم من المجتمع الذي وقف ضدها، فقصفت أهم المنشآت بدءا بالمباني الأثرية والتاريخية، مرورا بدور العبادة والمنشآت الاقتصادية والسياحية، وليس انتهاء بكل شيء جميل وبديع وإنجاز ومقدس وتاريخ نفيس، للانتقام منه وبشكل همجي، أعاد للأذهان تاريخا من الأفعال العبثية للفرق الانكشارية العثمانية، بحسب تشبيه كثيرين.
يقول المراقبون إن الميليشيات اختارت أهدافها بعناية فائقة لتخفي مسلحيها من ضربات الطيران، وما خفي على الإنسان البسيط هو ما سبق أن ذكره أحد المشايخ الموالين للميليشيات، والذي كشف عن أن اختيار تلك المباني لم يكن اختيارا عفويا أو عسكريا ولمقتضيات حربية وإنما خلف ذلك الاختيار أفكار شيطانية حاقدة هدفها الخراب والدمار لكل منجز ومعلم وإرث.
وقال مدير عام مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف بمحافظة الضالع، محمد منقوش، لـ«الشرق الأوسط» إن التراث المعماري يُعدّ إحدى أهم ركائز التراث الثقافي والحضاري لأي شعب من الشعوب، فهو يعكس مدى ما وصلت إليه هذه الشعوب من تقدم في فن البناء والعمارة وما يلحق بها من أنماط تتنوع بتنوع عاداتها، وبيئتها فهي قد تجسد في واقع الحال هوية وتراث هذه الشعوب.
وأضاف: «وقد تتشابه العمارة في مختلف البلدان، إلا أن لكل بلد أو منطقة طابعه الخاص الذي يتميز به، إما عن طريق عناصر البناء أو نمطه أو زخرفته، طبعًا يدخل في عناصر البناء المواد المستخدمة وطريقة أو نمط البناء أو ملحقاته كالزخرفة أو غير ذلك».
وأشار منقوش إلى أن محافظة الضالع لا سيما مدينة الضالع، تكتنز تاريخًا وتراثًا يعود إلى آلاف السنين، لافتا إلى أن ما يميز مدينة الضالع هو معلم دار الحيد الذي يطل شامخًا هو والقلعة على المدينة، منوها بأن مبنى دار الحيد ليس قديمًا إلا أنه يعتبر مبنى أثريًا حيث يشير قانون الآثار إلى إمكانية احتساب أي معلم أثرًا إذا ما اتصف ببعض الصفات أو المميزات التي تحمل أو تعكس نمطا تراثيا مميزا للمنطقة أو لدوره المميز في تاريخ المنطقة.
وأوضح منقوش أن قصر دار الحيد تاريخه مرتبط بتاريخ المنطقة في مرحلة ما من مراحلها التاريخية والسياسة، فقد اعتبر أثرا كونه يحمل طابعا محليا في البناء بكل عناصره، مؤكدا توثيقه كمعلم تاريخي من قبل مكتب الهيئة العامة والآثار.
وأعرب عن أسفه لتعرض المعلم، بحكم موقعه المميز، لأضرار سواء إبان الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني أو الحرب الأخيرة التي أتت على كثير من معالم المنطقة ومنها دار الحيد الذي يمثل رمزية معبرة عن مدينة الضالع ونموذجا لتراثها المعماري.
وأشار إلى رصيف ويلز، بمدينة التواهي، جنوب عدن، الشهير لدى العامة برصيف السياح، الذي بني على نسق ميناء بومباي في الهند، سنة 1905م، وخلال قرن وعقد من الزمان بات من معالم المدينة البارزة، لافتًا إلى أن البوابة ظلت وطوال مائة وعشرة أعوام واقفة في المكان وبطرازها المعماري الفريد والجميل المكون من حجارة وسقف قرميدي مايز ونادر.
بدوره، قال د. أمين العلياني، مستشار محافظ لحج، لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات قصفت عددًا من المعالم الأثرية والتاريخية، أبرزها مدرسة المحسنية وقصر الروضة الذي هو كلية ناصر للعلوم الزراعية في الوقت الحاضر، وقصر الحجر، الذي توجد فيه إذاعة لحج المحلية.
وأكد العلياني أن مدرسة المحسنية كانت مركزًا للإشعاع الفكري والتنويري في منطقة شبه الجزيرة العربية، عندما كانت الميليشيات تعيش في كهوفها. وكشف عن أن القصر الكبير فيه أرشيف لحج الفني والثقافي والأدبي، لافتا إلى نهب بعضه بفعل المتحوثين والخلايا النائمة الموالية لتلك الجحافل الآتية من كهوف التخلف والجهل والعنجهية.
وأضاف العلياني أن الميليشيات اتخذت المعالم الأثرية مقرا لعملياتها بهدف جعل الدمار مبررا من ضربات طيران التحالف ومحاولة من الميليشيات إثارة نقمة السكان على قوات التحالف، باعتبارها المتسبب بكل هذا الخراب والدمار، فيما الحقيقة أن الميليشيات هي من جعل الدمار يطال تلك الآثار والمعالم التاريخية.
وقال الكاتب والباحث العدني، بلال غلام حسين لـ«الشرق الأوسط» إن المتحف الحربي أول ما تأسس كان عبارة عن مدرسة الإقامة (Residency School)، لافتا إلى قصة تأسيسها التي بدأت عام 1866م من خلال طلب تقدم به المقيم السياسي لمستوطنة عدن حينها، ميرويثر، الذي طلب من حكومته افتتاح مدرسة حكومية، وبعد الموافقة افتتحت المدرسة وسُميت بمدرسة «الريسيدينسي» أي مدرسة الإقامة، وكانت هذه المدرسة في بدايات تأسيسها تضم إلى جانب أبناء عدن العرب، أولاد الجنود من الهنود المنضوين في الجيش البريطاني وغيرها من الجنسيات الأخرى الموجودة في عدن.
وأضاف غلام أنه ومنذ بدايات القرن التاسع عشر تحولت التسمية إلى مدرسة السيلة، وسُمّيت بهذا الاسم نظرا لموقعها على مجرى سيلة الطويلة التي يتدفق منها فائض مياه صهاريج المدينة إلى البحر. ودرس وتخرج فيها النوابغ من أبناء عدن، وبعد خروج بريطانيا من عدن تحول المبنى إلى متحف وسُمي بـ«المتحف الحربي»، وبقي كذلك حتى دخول عصابات صالح وميليشيات الحوثي إلى عدن وتمركزهم فيه أسوة ببقية المباني في مدينة عدن التي تمركزوا فيها، وهدم جزء كبير من المبنى جراء الحرب الأخيرة ولم يتم ترميمه حتى يومنا هذا.
وأشار إلى أن المعلم الآخر هو مدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية، التي تأسست عام 1912، وكان أول مدير لها محمد المكي، وفي عام 1947م قام الشيخ محمد عمر بازرعة بوضع حجر الأساس لتوسعة المدرسة وبنائها على الطراز الحديث، وبعد وفاته قام بالإشراف عليها ابنه علي محمد عمر بازرعة، وبعد وفاة مدير المدرسة محمد المكي، تولى الشيخ علي محمد باحميش إدارتها.
وأسوة بمدرسة الإقامة، درس كثير من أبناء عدن النوابغ في هذه المدرسة التي رفدت عدن بكثير من الفنانين الموسيقيين، وفيها تأسست أول فرقة للكشافة العدنية في عدن.
وبعد استقلال عدن عن بريطانيا عام 1967م أممت المدرسة كغيرها من المرافق، وآلت إدارتها إلى الدولة الوليدة وتحولت تسميتها إلى «مدرسة القومية»، وبعدها إلى «مدرسة الشهيد ناجي»، وبعد توحيد اليمن عام 1990م أعيدت المدرسة إلى مُلاكها الأصليين وأُعيدت لها تسميتها القديمة التي كانت عليها، إلى أن دمرت أخيرا نظرا لتمركز عصابات صالح والحوثي.
وكانت مؤسسة «أجين» الثقافية ذكرت أن أهم المعالم الثقافية التي تضررت بفعل الحرب الهمجية البربرية، منها المتحف الحربي في مدينة كريتر، فهذا المبنى البديع في بنائه، وموقعه في قلب المدينة، وعلى دفتي شارع أخذ اسمه من اسم «المتحف» المعلم التاريخي المكون من طابقين عريضين، بواجهته البديعة ذات الأقواس، والحجر الشمساني، نسبة لجبل شمسان السامق المطل على مدينتي المعلا وكريتر جنوب عدن، فيما أعواد الخشب الأحمر، تضفي عليه لمحة عدنية مميزة.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.