الذكاء الصناعي يجتاح وادي السيلكون.. «على أجنحة وعجلات»

طفرة كبرى في الاستثمار واجتذاب المواهب

روبوت شركة «بوسا نوفا روبوتيكس» للتدقيق في المنتجات
روبوت شركة «بوسا نوفا روبوتيكس» للتدقيق في المنتجات
TT

الذكاء الصناعي يجتاح وادي السيلكون.. «على أجنحة وعجلات»

روبوت شركة «بوسا نوفا روبوتيكس» للتدقيق في المنتجات
روبوت شركة «بوسا نوفا روبوتيكس» للتدقيق في المنتجات

لأكثر من عقد من الزمان، كان المستثمرون ورجال الأعمال في وادي السيلكون مهووسين بالاستثمار في شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف المحمولة، وهي الشبكات والتطبيقات التي تساعد الناس في أمور، مثل العثور على أصدقاء جدد، أو استدعاء سيارة أجرة إلى باب المنزل، أو المراجعة الجماعية الخارجية لمنتج من المنتجات أو فيلم من الأفلام.
والآن عثر المستثمرون ورجال الأعمال في وادي السيلكون على هاجسهم الجديد، وهو من النوع الذي لا يحمل زر «أعجبني» على غرار «فيسبوك».

عصر الذكاء الصناعي

يدور العصر الجديد داخل وادي السيلكون حول نظم الذكاء الصناعي والروبوتات، وهو التحول الذي يعتقد الكثيرون أنه سيأتي بمردود كبير على مستوى صناعة الكومبيوترات الشخصية أو شبكة الإنترنت التجارية، وهما الجيلان السابقان من قطاعات الأعمال التي نشرت الكومبيوترات والحوسبة على مستوى العالم. فلقد بدأت الكومبيوترات الآن في التحادث والاستماع والرؤية، إلى جانب اتخاذها أجنحة وسيقان وعجلات للمضي قدما في مجالات غير مقيدة في العالم الواقعي.
وظهر هذا التحول المقصود جليا في متجر لاو Lowe للتحسينات المنزلية خلال الشهر الماضي، حيث انطلق روبوت التدقيق في المنتجات، وهو من تطوير وإنتاج شركة «بوسا نوفا روبوتيكس»، في هدوء عبر ممرات المتجر باستخدام تقنية الرؤية الحاسوبية، وبدا وبصورة تلقائية في تنفيذ المهام التي ظل الإنسان العادي يؤديها يدويا لقرون عدة من الزمان.
والروبوت الجديد، الذي كان ماهرا بدرجة كافية للتحرك بشكل مستقل بعيدا عن طريق المتسوقين وتفادي العقبات غير المتوقعة في طريقه عبر ممرات المتجر، كان ينبه الناس بوجوده من خلال أصوات لطيفة تشبه أصوات الطيور. وكان ينطلق عبر ممرات المتجر بسرعة لطيفة، ويمكنه التعرف إلى الأرقام المرمزة للمنتجات على الأرفف، كما أنه يستخدم أشعة الليزر لمعرفة أي المنتجات التي نفدت من المعروض.
ويزداد تركيز المستثمرين ورجال الأعمال في وادي السيلكون على مجال الذكاء الصناعي بوفرة مالية ملحوظة. ويضم المجال الآن ما يقرب من 19 شركة تعمل على تصميم السيارات والشاحنات ذاتية القيادة، بعدما كان عددها لا يتجاوز خمس شركات قبل بضعة أعوام. كما أن هناك أكثر من ستة أنواع من الروبوتات المتحركة، بما في ذلك «الروبوت النادل» والطائرات من دون طيار (الدرون)، التي يجري تسويقها تجاريا الآن.

طفرة كبرى

يقول مارتن هيتش، المدير التنفيذي لشركة «بوسا نوفا»، التي تتخذ من مدينة سان فرانسيسكو مقرا لها: «رأينا تقدما بطيئا في الاستثمارات في مجال الروبوتات. وفجأة، حدثت الطفرة – فهناك نحو عشر شركات تحاول تأمين الاستثمارات الكبرى بهدف التركيز على تقنيات محددة للروبوتات».
وقد ارتفع تمويل شركات الروبوتات الناشئة بأكثر من أربعة أضعاف وصولا إلى 681 مليون دولار في عام 2015 من واقع 145 مليون دولار في عام 2011، وفقا لمؤسسة «سي بي إنسايتس» المعنية بأبحاث السوق. وتقدر المؤسسة البحثية، أن تبلغ الاستثمارات الجديدة مبلغ 1.2 مليار دولار خلال العام الحالي، ارتفاعا بنسبة 76 في المائة عن العام الماضي.
يقول جين هسون هوانغ، المدير التنفيذي لشركة «نفيديا» التي تعمل في مجال صناعة الرقاقات؛ والتي تأسست بهدف صناعة معالجات الغرافيك لألعاب الفيديو، ولكنها حولت مجال أعمالها بشكل حاسم نحو تطبيقات الذكاء الصناعي في العام الماضي: «كلما كانت هناك فكرة جديدة، يستحوذ عليها وادي السيلكون على الفور. ولكن يتعين علينا انتظار الأفكار الجديدة، ولا تأتينا تلك الأفكار في كل يوم على أي حال».
على النقيض من ذلك، ارتفع التمويل لشركات التواصل الاجتماعي الناشئة في عام 2011 قبل أن يشهد انخفاضا ملحوظا. وفي هذا العام، استحوذت شركات رأس المال الاستثماري على 66 في المائة من صفقات شركات التواصل الاجتماعي، وضخت ما يصل إلى 2.4 مليار دولار في هذه الصناعة. وحتى الآن لم يشهد العام الحالي سوى 10 صفقات فقط في مجال التواصل الاجتماعي بقيمة إجمالية بلغت 6.9 مليون دولار، وفقا لمؤسسة «سي بي إنسايتس» المعنية بأبحاث السوق. وفي الشهر الماضي، بيع موقع التواصل الاجتماعي المهني (لينكدإن) إلى شركة «مايكروسوفت» مقابل 26.2 مليار دولار؛ مما يؤكد على أن التواصل الاجتماعي قد أصبح من قطاعات سوق الأعمال الناضجة.

ذكاء شبكي

حتى كبريات شركات التواصل الاجتماعي في وادي السيلكون تحاول في الوقت الراهن الدخول في مجال الذكاء الصناعي، على شاكلة ما تفعله شركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى. وتستخدم شركة «فيسبوك» الذكاء الصناعي في تحسين منتجاتها. وستتنافس شركة «غوغل» في القريب مع منتجات «إيكو» من «أمازون» و«سيري» من «أبل»، وهي منتجات تعتمد بالأساس على تكنولوجيا الذكاء الصناعي، وذلك من خلال جهاز جديد يستمع إلى أوامرك في المنزل، ويجيب عن أسئلتك، وينفذ أوامر الشراء على مواقع التجارة الإلكترونية. ظهر ساتيا ناديلا، المدير التنفيذي لشركة «مايكروسوفت» مؤخرا في مؤتمر «أسبن للأفكار» ودعا إلى الشراكة بين البشر وأنظمة الذكاء الصناعي التي تُصمم فيها الآلات والماكينات بهدف تحسين حياة البشر.
أسست شركات صناعة السيارات معسكرا في وادي السيلكون هي الأخرى لمعرفة كيفية صناعة السيارات التي تقوم بواجبات القيادة بدلا عنك. وتزعم كل من شركات التكنولوجيا والسيارات بأن المجسات القوية للغاية وبرمجيات الذكاء الصناعي ستمكن السيارات من القيادة الذاتية بضغطة زر واحدة بحلول نهاية هذا العقد، على الرغم من حوادث سيارات شركة «تيسلا» الأخيرة التي أثارت التساؤلات حول السرعة التي يجب من خلالها استبدال الإنسان بالتكنولوجيا تماما في مجال قيادة السيارات.
يؤسس عهد الذكاء الصناعي الجديد في وادي السيلكون لمقدرة المنطقة التكنولوجية على إعادة اكتشاف ذاتها، والمتابعة السريعة لآخر التوجهات التكنولوجية الجديدة.
يقول بول صافو، المحلل التكنولوجي ذائع الصيت وعضو هيئة التدريس في جامعة «سينغيولاريتي»: «يعد هذا هو جوهر ثقافة المنطقة التكنولوجية الأميركية، الذي يعود على طول الطريق وحتى حمى البحث عن الذهب. لقد شيد هذا الوادي اعتمادا على فكرة أنه هناك دائما وسيلة للبدء من جديد والعثور على بداية جديدة».
ولقد حفز هذا التغيير إلى اندفاع الكثير من المواهب نحو مجال الذكاء الصناعي، الذي أصبح مفعما بالكثير من الوجوه الجديدة. ويقول ريتشارد سوشر، كبير العلماء في شركة «سيلزفورس» لصناعة البرمجيات والذي يحاضر كذلك في جامعة ستانفورد، في دورة علمية حول أساليب الذكاء الآلية بعنوان «التعلم العميق»: «إنه أمر غير مقبول؛ إذ يحاول البعض إخراج الطلاب من تعليمهم الجامعي وهم في منتصف الطريق لأنهم يعرفون الشيء القليل حول الصناعة الجديدة».

تباين الآراء

تتباين الآراء حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الذكاء الصناعي الحديث. وبالنسبة لبعض خبراء التكنولوجيا، فإن التقدم التقني اليوم يؤسس الطريق ويمهده لإنتاج ماكينات فائقة الذكاء ستحظى في القريب بمستوى ذكاء العقل البشري.
وعلى الرغم مما تقدم، فإن وادي السيلكون قد شهد بالفعل بعض البدايات الخاطئة في مجال الذكاء الصناعي من قبل، ففي فترة الثمانينات من القرن الماضي، اعتقدت مجموعة مبكرة من رجال الأعمال أن الذكاء الصناعي يعتبر موجة المستقبل الحديث؛ مما أدى إلى فورة في شركات الذكاء الصناعي الناشئة آنذاك. وكانت منتجاتهم تمثل قيمة ضئيلة في عالم الأعمال وقتها، وبالتالي انتهى حماس الأعمال التجارية بخيبة أمل كبيرة؛ مما أدى إلى فترة يشار إليها الآن بمسمى «شتاء الذكاء الصناعي». والعودة الحالية لتلك التكنولوجيا لن تشهد المصير نفسه، كما يقول الكثير من المستثمرين الذين يعتقدون أن الإمكانات الاقتصادية من حيث الكفاءات الجديدة وتطبيقاتها تتمتع بالقوة الكافية للابتكار والاستمرار. وتقول شيفون سيليز، المستثمرة الناشئة في «بلومبيرغ بيتا» والمتخصصة في شركات الذكاء الصناعي الناشئة: «ليست هناك من فرصة لشتاء تكنولوجي جديد في هذا المجال».
*خدمة «نيويورك تايمز»



«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.