مدينة الموصل في رواية إماراتية

«حارس الشمس» لإيمان يوسف تطرح أسئلة الغياب العراقي

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل
TT

مدينة الموصل في رواية إماراتية

تدمير «داعش» لآثار الموصل
تدمير «داعش» لآثار الموصل

في معرض لندن للكتاب، وفي جناح مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، عرضت دار نشر قنديل آخر الإصدارات الروائية في منطقة الخليج، ومنها رواية «حارس الشمس» للكاتبة والمهندسة الإماراتية إيمان اليوسف التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة «جائزة الإمارات للرواية» مناصفة مع رواية الكاتب سعيد البادي «مدن ونساء».
استوقفني الإهداء: (إلى الآثار العراقية ما كان منها موجودا وما اختفى إلى الأبد)، وجرني إلى قراءة الرواية في غضون يومين، ترى ما الذي يجعل مهندسة إماراتية وكاتبة شابة تختار بيئة غير بيئتها كي تكتب عنها؟! الكتابة هي إذعان لحلم ما، وفي حالة إيمان يوسف الكتابة عن العراق، في أزمته الحالية، وتحديدا عن مدينة الموصل، هي انقياد نحو الكابوس بكل معانيه.
«حارس الشمس» قُسّمت 30 فصلا، الفصل الأخير من الرواية يدور على مقربة من جامع النبي يونس لحظة تفجيره من قبل عصابات «داعش»، وأعتقد أن الكاتبة اختارت خاتمة روايتها قبل الشروع في بدايتها.. النهاية لحظة توتر جوهرية والحدث الذروة، وكل أحداث الرواية ستبنى باتجاه هذه النهاية.
بطل «حارس الشمس» هو حسين منصور، عراقي من أهالي الموصل، حارس ليلي وسادن في جامع النبي يونس، قليل الكلام وقليل الحظ، يحلم بقطعة أرض يزرعها بزهور دوار الشمس؛ كي يستدل على الضوء الذي ستدير له دوار الشمس أعناقها، وكي تقيه الأرض مذلة التشرد في وطنه. هو بلا ذرية ولا زوجة، وحيد إلا من رحمه (أمه المحتضرة، ومدينته الموصل). جامع النبي يونس هو بطل الرواية أيضا، يقصده الناس للتبرك وطلبا للشفاء والاستجمام. حسين منصور سيظل مخدرا بضعفه وحيرته، مأزوما بفشله وإحباطاته وخساراته يتخذ من الجامع (البطل) مسكنا له.
الكاتبة وظفت الكثير من الميثولوجيا المحلية والعادات الشعبية في إثراء تفاصيل السرد، وهذا واضح منذ الصفحات الأولى، كما في ص 18 فهناك اعتقاد لدى أهل الموصل أن المرأة حين ترمي عباءتها من مئذنة جامع النبي يونس وتسقط العباءة بجانب ولد أو رجل من المارة، فستلد تلك المرأة ولدا. ونجحت في تطريز السرد بنوادر باللهجة الموصلية (لغاد، أمك عتموت...)، والحلويات والأطعمة الموصلية (من السما، لقم). كذلك أغنت الكاتبة السرد بالحقائق التاريخية عن الموصل وجوامعها ومئذنة الحدباء وجسورها عبر شخصية مليكة (الجزائرية- الفرنسية)، وهي باحثة في هندسة القباب والمنارات الإسلامية ترافق زوجها (الفرنسي - العراقي) يحيى في رحلة العودة إلى الموصل لبيع أرضه، الشعرة الأخيرة التي تربطه ووالديه بالوطن، حيث تلاشى كل أمل بعودة المهاجرين.
محور الرواية هي الأرض التي يحلم حسين بشرائها، ويحلم يحيى ومليكة باستردادها وجني المال من بيعها، والأرض التي سيعود إليها جواد ابن المرأة الشيعية الفقيرة الذي فُقد في الحرب، كأن الأرض هي الأم وهي التي ستستقبل الغائبين عند إيابهم.
الرواية تلاحق كل أشكال المعاناة العراقية وتحاول تضمينها بالسرد، زمن الديكتاتور والحروب والغزو الأميركي والاقتتال الطائفي والتهجير...إلخ. بصفتنا قراء تواجهنا حيرة في هذه الرواية، وهي تماهي الظالم والمظلوم وتبادل الأدوار بينهما، لا يوجد ظالم ولا مظلوم، الكل ضحايا مأزق العيش في وطن مستباح بالحروب والغياب.
استخدمت الكاتبة أسلوب الراوي العليم الذي يصف الشخصيات والأحداث بلغة شعرية حادة، شعرت أحيانا بأني أقرأ قصائد نثرية متكاملة وأحيانا خذلت النبرة الشعرية العالية بساطة السرد، وجعلت القارئ يتأرجح بين جمل معقدة الوصف ومفردات ثقيلة الوطء على مجريات الحدث. لكن هناك تقاطعات جميلة بين استرداد الماضي بفقرة، ووصف الحاضر بفقرة تليها مباشرة كما في ص 64. الكاتبة امتازت بالوصف الديناميكي والجمل القصيرة المتلاحقة في وصف المشاهد؛ مما جعلنا نتخيل ما نقرأه كأنه شريط سينمائي.
الأسماء في الرواية رغم محليتها فهي ذات دلالات واضحة: حسين منصور، علاء الجندي المسيحي، أم جواد الأرملة الشيعية البصرية، دجلة زوجة حسين منصور المختفية، دجلة رمز الماء، والحياة تختفي باختفاء الماء، وماء الحياة هو الأمان أيضا، اختيار هذا الاسم موفق جدا لرمزيته ودلالاته الإيحائية المرتبطة بالزمن السردي.
الموت والتلاشي حاضر في الرواية، وتحديدا منذ الفصل الثالث، حيث تبدأ فصول التواري الأبدي، أم حسين العجوز المحتضرة تصف الموت بـ(الزائر الملثم الذي تراه في عيون رُضَعها الذين فقدتهم واحدا تلو الآخر)، نحن أمام حزن نبيل يفجر أسئلة وجودية لأم منكوبة بفقد أولادها ولا تدري لماذا تحل عليها المصائب دون غيرها. حسين بطل الرواية هو وليدها التاسع، رأت الأم التماعة الموت في عينيه أيضا، لكنه نجا منه بالإهمال وكثرة البكاء، ما أجمل هذه المفارقة التي ابتكرتها الكاتبة؛ فالبطل حسين كان عليه أن يختار بين الموت صمتا كما إخوته أو البكاء طويلا. الأم من جهة أخرى اختارت لابنها (حسين) مصيره حين تنبأت له (حسين لا ولد له ولا حظ) ص23. الكاتبة هنا تجاوزت الثنائيات المتناقضة إلى تلك المتكاملة والمتداخلة، بل أحسنت مزجها (الموت - البكاء، الحياة -الحلم، الأرض - المال).
في الفصل الخامس هناك ترابط بين حياة الجامع الليلية بحياة حسين منصور؛ فالناس لا يعرفون شيئا عن الجامع ليلا، وكذلك يجهلون حسين منصور الذي يستأنس بالظلام والسكينة كما استأنس يونس بظلام جوف الحوت عن حياة العائلة والأسرة، متذبذبا بين اليقظة والحلم حتى تغدو الخيالات بالنسبة له واقعا، ومحتارا بين حلمه في جمع المال لشراء أرض وبين واجبه في منح المال لأمه المريضة كي تجري عملية. حسين منصور فاقد القدرة على تمييز الخير من الشر، وهو غير مهتم بالحكم على الأشياء والسلوكيات. إن الطابع المعقد لفعل حسين منصور عندما اتخذ على عاتقه تهديد أم جواد لاسترجاع الأرض التي سكنتها وأولادها، هو عقدة هذه الرواية التي ظلت مسترخية الأحداث رغم أنها تدور في مدينة تعتصرها التغييرات السياسية وتلتهمها نيران الطائفية والتشنج الديني، فحسين منصور لم يسأل نفسه هل هذا فعل خير أم شر؟ هناك حيرة سترافق القارئ حتى النهاية من لا يقينية شخصية حسين منصور من ذاتها.
جمعت الكاتبة في الصفحة 87 بين تأريخ موت (أبي جواد) رب الأسرة الشيعية الفقيرة التي سكنت أرضا مجهولة الملكية في الموصل، بالسكتة القلبية، وبين التاريخ الذي قبض فيه الجنود الأميركان على صدام حسين، لقد أحسنت الكاتبة توأمة موت الفقير المهمش مع نهاية الظالم، كأنما تقصدت رمزية نهاية الظالم والمظلوم معا.
قصص الحب باهتة في الرواية، ورغم ذلك فهي تترك بصمة أكبر من حيزها في البناء السردي، كما قصة حب حسين منصور لدجلة، وقصة حب ملكية ويحيى.
الرواية هي الجنس الأدبي الأقرب للقارئ المعاصر، تعيد محاكاة الواقع وتكبيره بالكلمات كي نعي حجم نكباتنا الصغيرة، متاعب الحياة الشخصية، والتغيرات الكبيرة، وأعني الحروب والموت والهجرة، الرواية هي المرآة العاكسة لهيمنة اللغة في وصف مكابداتنا ومأزقنا الحياتي بصنوفه كافة. الكاتبة مثلا لا تغفل وقع الموت وتفاصيله الصريحة المتربصة بالناس في طريق بغداد الموصل وكيف أن ياسين أخ حسين منصور يتخذ من هذا الطريق مصدر رزق بعمله سائقا رغم الموت، وهنا نحن أمام مفارقة ملامسة الموت لأنه مصدر الرزق.
«حارس الشمس» رواية بلا خيال، لكنها تستخدم الموروث الميثولوجي الشعبي لتعزيز الحكاية، هي رواية عن الحاضر بناسه ووقائعه، الحاضر المتشكل بفعل ماض ترك بصمة دامية فيه، والسائر نحو مستقبل مستنبطا بفعل الوقائع الحالية، هي رواية أهلنا ومدننا العربية ومعالمها التي دُمرت بفعل الحروب وفقدت ذاكرتها الجمعية بفقدان أهلها الذين هُجّروا وغُيبوا.
«ما هي التعويذة الملعونة التي أصابت هذه الأرض المباركة لتدفن الحضارة والأصالة فيه تحت طبقات من الدمار والخراب» تتساءل الكاتبة في الصفحة 65. إن كارثة تدمير الآثار أو تفجير جامع أثري في الموصل ليست كارثة محلية، وإن كانت تمس أهل الموصل وجدانيا أكثر من غيرهم، بل هي كارثة إنسانية كما غيرها من الكوارث في محو وإزالة آثار الشعوب وتاريخها وذاكرة أجيالها. هنات بسيطة وقعت فيها الكاتبة مثل اختلاف تسمية الابن الثاني لأم جواد، في الصفحة 71 تسميه (حيدر) الشاب الذي يبيع الخضر لمساعدة عائلته، وتسميه (سعد) بدءًا من الصفحة 91. أو كما ذكرت الكاتبة أن الجنود العراقيين هم من قبض على صدام حسين بمساعدة الأميركان، والصحيح أن سرية أميركية هي من قبضت عليه فقط.
نهاية الرواية موفقة جدا حين جعلت الكاتبة الطفل (هادي) شاهدا على تفجير الجامع، وإن وقع وسال دمه لكنه نهض، فهل سيكون مستقبل الموصل هاديا كما اسم الطفل الشاهد؟ لقد استقصت هذه الرواية بطريقتها الخاصة وبمنطقها الخاص جوانب الألم العراقي في تلك البقعة من الأرض، وحاولت الإلمام بتلك اللعنة المزمنة، لعنة الحروب والديكتاتورية، ولعنة الواقع المتشظي، ولعنة ما سيأتي.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».