رصد مسيرة 4 إرهابيين من «داعش» إلى أوروبا

تظاهروا بأنهم سوريون أنهكتهم الحرب ضمن قوافل المهاجرين بجوازات سفر مزورة

الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
TT

رصد مسيرة 4 إرهابيين من «داعش» إلى أوروبا

الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)

صباح أحد أيام أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وصل 198 مهاجرًا إلى جزيرة ليروس، وبدوا جميعًا متلهفين على الوصول إلى ملاذ داخل أوروبا، لكن في صفوفهم اختبأ أربعة رجال كانوا يحملون أجندة مختلفة تمامًا.
تظاهر الأربعة بأنهم سوريون أنهكتهم الحرب، وحملوا جميعًا جوازات سفر مزورة تحمل هويات زائفة، وكانوا جميعًا في طريقهم لتنفيذ مهمة دموية لحساب تنظيم «داعش».
وتمكن اثنان من الأربعة من التظاهر بأنهم مهاجرون طوال الطريق حتى بلغوا باريس، حيث فجرا نفسيهما في الساعة 9 و20 دقيقة من 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بالقرب من مجمع استاد فرنسا، لينجزا بذلك المهمة الموكلة إليهما في إطار أسوأ هجمات تتعرض لها الأراضي الفرنسي منذ الحرب العالمية الثانية.
أما الاثنان الآخران فلم يتمكنا من التمادي حتى هذه النقطة. ورغم أن هؤلاء الأربعة جرى توقيفهم في اليونان بسبب كذبهم بخصوص هويتهم، فإن هذا لم يتجاوز بضعة أسابيع، قبل أن يسمح لهم باستئناف رحلتهم إلى أعماق أوروبا. وتكشف قصة هؤلاء الأربعة عن تفاصيل لم تعلن من قبل، ترسم لنا صورة لقارة وجدت نفسها فجأة أمام أخطر تهديد أمني منذ نهاية الحرب الباردة. وقد تم التمكن من التعرف على قصصهم من خلال عقد لقاءات مع مسؤولين استخباراتيين والاطلاع على وثائق تحقيقات فرنسية، بجانب عقد مقابلة مع قائد لدى «داعش».
من جانبهم، أعرب مسؤولون أمنيون أوروبيون عن اعتقادهم بأن «داعش» زرع خلايا إرهابية داخل القارة على مدار العام الماضي، ويعود أحد الأسباب وراء نجاحه في ذلك إلى إخفاق الاتحاد الأوروبي في إدراك حقيقة أبعاد أزمة المهاجرين التي فتحت نفقًا إلى داخل القارة أمام التنظيم الإرهابي المسلح.
والآن، تعمل أوروبا مع تركيا على غلق أبوابها وإنهاء موجات الهجرة التي اجتاحتها العام الماضي، لكن تبقى الحقيقة أن أكثر من مليون مهاجر - رقم قياسي - دخل القارة بالفعل. وتتخوف وكالات الاستخبارات الأوروبية من أن مئات الآلاف منهم نجح في ذلك من دون المرور عبر إجراءات فحص مناسبة عند نقطة الدخول: اليونان.
ومع أن الغالبية العظمى من المهاجرين كانت تفر من أتون الحرب والفقر بالفعل، فإنه على مدار الأشهر الست الماضية ألقي القبض على أكثر من ثلاثين مسلحا مشتبها بهم أو قتلوا، كانوا تخفوا في صورة لاجئين أثناء تخطيطهم أو تنفيذهم أعمالا إرهابية؛ من بينهم سبعة على الأقل مرتبطون بصورة مباشرة بالهجمات الدموية التي تعرضت لها باريس وبروكسل.
من جانبه، يتفاخر «داعش» بأنه لا يزال لديه أكثر من ذلك بكثير في انتظار الفرصة المناسبة.
وقد كشفت اعترافات رجلين دخلا القارة عن طريق ليروس بهدف تفجير نفسيهما في فرنسا، لكن عجزا عن تحقيق هدفهما، نقاط الضعف داخل منظومة عشوائية خلقت مخاطر مجهولة الأبعاد حتى الآن.
مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، قبيل وصولهم إلى ليروس، وجهت الدعوة إلى الرجال الأربعة لحضور اجتماع سري في مدينة سورية كبرى يسيطر عليها «داعش». وقد جرى الاحتفاء باثنين منهما لاحقًا - وهما اللذان فجرا نفسيهما خارج استاد فرنسا - خلال مقطع فيديو صادر عن «داعش»، بوصفهما مسلحين من العراق لم يكشف اسماهما. أما الاثنان الآخران فهما محمد عثمان، باكستاني يقول إنه يبلغ 23 عامًا، وعادل حدادي، جزئراي يبلغ 28 عامًا.
كان عثمان وحدادي قد انضما إلى «داعش» عام 2014، حسبما اعترفا أمام محققين أوروبيين. داخل سوريا، خاضا تدريبًا مكثفًا على استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية، لكن لم يكن العنف غريبًا عن أي منهما.
بالنسبة لحدادي، كان من قبل على قوائم المراقبة للاستخبارات الجزائرية بسبب نشاطاته، بينما كان يشتبه في ارتباط عثمان بجماعة «عسكر طيبة» الباكستانية الإرهابية المتورطة في حصار مومباي عام 2008.
وقد شكل هذا الاجتماع السري نقطة تحول في مسار حياتيهما، حيث أخبرهما مسؤول رفيع بالتنظيم أنه حان الوقت كي يغادرا أرض «الخلافة»، مضيفًا أنه: «جرى تكليفكما بمهمة الذهاب لفرنسا وأن تصبحوا شهداء». وخلال مقابلات مع محققين أوروبيين ذكر الرجلان بفخر كيف وقع الاختيار عليهما لمثل هذه المهمة.
من أجل الوصول إلى ليروس، انتقل الرجال الأربعة إلى تركيا ومنها باتجاه الساحل. ومن هناك، استقلوا قاربا لأحد المهربين مكدسا باللاجئين.
يذكر أن الغالبية العظمى من طالبي اللجوء السياسي القادمين من تركيا يصلون إلى جزر يونانية يقع بعضها على مسافة نصف ساعة بالقارب. وقد بلغت أعداد الوافدين - تقدر بعدة آلاف يوميًا - درجة من الضخامة جعلت اليونان، التي ترزح بالفعل تحت وطأة التداعي الاقتصادي بسبب الركود وإجراءات تقليص الموازنة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، عاجزة عن التعامل مع السيل المنهمر عليها.
ورغم أن «فرونتكس»، الوكالة المعنية بحدود الاتحاد الأوروبي، شاركت في بعض إجراءات التفحص الأولية، فإن العبء الأكبر وقع على عاتق حرس السواحل اليونانيين وقوات الشرطة المحلية بالجزر، الذين واجهوا مهمة تفوق قدراتهم.
ولم يكن بحوزة كثير من الوافدين – خصوصا السوريين الفارين من الحرب - جوازات سفر أو وثائق سفر رسمية. ومع ذلك، تقدر وكالات الاستخبارات والأمن الأوروبية أنه حتى وقوع هجمات باريس في نوفمبر الماضي، خضع 20 في المائة فقط من الوافدين إلى القارة للتفحص الدقيق.
وخلال مقابلة معها، قالت زاتشارولا تسيريغوتي، ليفتنانت جنرال لدى الشرطة اليونانية، إن العبء فاق قدرات قوات الشرطة، مضيفة أن اليونان ناشدت الاتحاد الأوروبي إمدادها بمزيد من العون، لكن هذا لم يتحقق إلا بعد وقوع هجمات باريس.
صباح 3 أكتوبر الماضي، حاول الإرهابيون الثلاثة الاختلاط بالمهاجرين الذين وصلوا للشاطئ ذلك اليوم. وكانوا بين 47 طالبا للجوء على الأقل قالوا إنهم سوريون فارون من الحرب، لكن كانت هناك كذلك جنسيات أخرى، بينهم صوماليون ويمنيون وأفغان وفلسطينيون.
وعندما حان دورهم، قدم المسلحان العراقيان للسلطات جوازات سفر سورية مزورة. وتوحي بقايا هذه الأوراق التي عثر عليها قرب جثتيهما عند استاد فرنسا أنها تنتمي لمجموعة تزيد على 3.800 جواز سفر - جميعها أصلية - استولى عليها «داعش» بعد تقدمه داخل سوريا عام 2013.
ولم يخضع ادعاء الرجلين بأنهما سوريان يطلبان اللجوء السياسي لتحقيق جاد من جانب «فرونتكس» أو السلطات اليونانية. وبجانب عشرات اللاجئين الذين رسوا على السواحل اليونانية ذلك اليوم، لم يتم احتجازهم، وإنما أخبروا بضرورة رحيلهم عن اليونان في غضون ستة أشهر.
وتكشف وثائق سرية أن العراقيين اللذين زعما أنهما سوريان - ولم تكشف هويتهما الحقيقية بعد - انتقلا بسرعة برًا إلى صربيا، حيث جرى تسجيلهم داخل معسكر للاجئين في بريزيفو في 7 أكتوبر. وبحلول نوفمبر، كانا قد التقيا بالمتورطين الآخرين في هجمات باريس.
بحلول 13 نوفمبر، أصبح المهاجمان الوحيدين المولودين خارج أوروبا المتورطين في هجمات باريس التي نفذها 9 أشخاص وأسفرت عن مقتل 130 شخصًا بأماكن مختلفة بالعاصمة الفرنسية. إلا أنه في ذلك اليوم كان التسعة ربما سيصبحون 11 مهاجمًا ليسقط مزيد من الضحايا، لولا طرح السلطات بضعة أسئلة إضافية في ليروس.
مثل العراقيين، قدم عثمان وحداد بوثائق سورية مزورة يعتقد مسؤولون استخباراتيون أوروبيون حاليًا أنها جاءت من المخزون ذاته الذي يملكه «داعش». إلا أنه لدى استجوابهما من جانب «فرونتكس»، فإنهما على خلاف العراقيين، انهارا.
كان عثمان، باكستاني، لا يتحدث العربية جيدًا - الأمر الذي سرعان ما كشف كذب ادعائه بأنه سوري، بينما لم تكن لدى حداد أي معلومات تقريبًا عن المدينة التي ادعى أنها محل ميلاده: حلب السورية.
تبعًا لإرشادات الاتحاد الأوروبي، كان أقصى ما يمكن لمسؤولي الوكالة الأوروبية عمله هو تسليمهما إلى اليونانيين، وهو ما حدث بالفعل. وسرعان ما ضمتهم السلطات اليونانية إلى حشد متنام بسرعة من المهاجرين الاقتصاديين الذين استغلوا وثائق مزيفة للحصول على اللجوء. وجرى نقل الرجلين إلى جزيرة كوس اليونانية، حيث تعرضا لعقوبة مخففة، الأمر الذي أصبح عادة داخل اليونان، تتمثل في 3 أشهر من السجن مع إيقاف التنفيذ، بجانب أمر بضرورة رحيلهما عن البلاد في غضون شهر. ولم تبد السلطات اليونانية اهتماما بالوجهة التي سيقصدانها لاحقًا.
وبعد نيلهما حريتهما في 28 أكتوبر، بعث حدادي برسالة نصية إلى مسؤول «داعش» الذي يتولى توجيههما عبر تطبيق «واتساب» تقول: «نريد مالاً». وسرعان ما جاء المال عبر الأسلوب ذاته المستخدم غالبًا من جانب المهاجرين، حوالة من تركيا إلى اليونان. ومع امتلاكهما كثيرا من المال الآن، مضى الرجلان في رحلتهما. وكانا على بعد 25 يومًا فقط من رفاقهم من «داعش» الذين وصلوا إلى باريس.
ورغم علمهما بأن الأهداف المخطط ضربها في باريس، فإن الرجلين قالا إنهما لم يكونا على علم بمواقع الأهداف تحديدًا. كما أنهما لم يكونا على علم بهوية باقي منفذي الهجمات فيما عدا العراقيين اللذين سافرا معهما. إلا أن تأخرهما في اليونان أثر بالسلب على خطة مشاركتهما في الهجوم، الأمر الذي ربما أسهم في إنقاذ أرواح. وفور وقوع هجمات باريس، سارعت السلطات الأوروبية لإطلاق تحقيق ضخم، وبدأت في مراجعة خطوات منفذي الهجمات. وبعد العثور على جواز سفر سوري قرب استاد فرنسا، توصل المحققون إلى أن اثنين من المهاجمين وصلا إلى اليونان على أنهما لاجئان سوريان في 3 أكتوبر، ومع مراجعة البيانات بدأ البحث عن اثنين آخرين وصلا في اليوم ذاته على أنهما لاجئان سوريان أيضًا بوثائق مزورة.
وفي 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تلقت الشرطة النمساوية صورهما وأسمائهما السورية المزيفة من الاستخبارات الفرنسية. وفي غضون أربع ساعات، ألقي القبض عليهما داخل معسكر لاجئين بالنمسا. ويجري حاليًا احتجاز الرجلين، حدادي وعثمان، في أحد سجون النمسا.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.