شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

مخاوف من تداعيات أية انتهاكات لاتفاق فيينا على المستثمرين

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات
TT

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

شركات أوروبية تتسارع للعودة إلى إيران في خضم «شبح» عودة العقوبات

قبل أن يجف حبر الاتفاق النووي الإيراني، سارعت قيادات ومسؤولون تنفيذيون أوروبيون بالتوجه إلى المطار لاستئناف العلاقات التجارية مع سوق إيرانية وصفها كثيرون بأنها «كنز ثمين».
بعثت ألمانيا وفدًا بعد خمسة أيام فقط من توقيع الاتفاق في فيينا في 14 يوليو (تموز)، بينما وصل وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، إلى طهران يوم الأربعاء الماضي. ومن المقرر أن يصل مسؤولون حكوميون إيطاليون إلى العاصمة الإيرانية غدا الثلاثاء، كما أعلنت قيادات في مجال الأعمال التجارية زيارة طهران قريبًا، وتشمل نحو 70 أو 80 من كبار المسؤولين التنفيذيين بكبريات الشركات الفرنسية، إلا أنه رغم الحديث عن «كنوز» إيران فإن إقرار انفتاح حقيقي داخل السوق الإيرانية يحمل مخاطر جمة للشركات، ويزيد تعقيد قرار الانسحاب مجددًا إذا ما عاودت إيران مساعيها لامتلاك السلاح النووي.
اللافت في الأمر هو أن الولايات المتحدة بمفردها تمامًا، فهي غائبة عن المشهد في إيران كعنصر اقتصادي، ذلك أن الاتفاق النووي الأخير لا يسهم كثيرًا في رفع العقوبات الأميركية الناشئة عن إدراج واشنطن لإيران بقائمة الدول الراعية للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان.
أما الوضع الأوروبي فأيسر بكثير، ما يزيد إمكانية تباين مستويات الاستثمار داخل إيران بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بدرجة كبيرة في غضون فترة قصيرة. وقد يجعل ذلك الأوروبيين أكثر ترددًا حيال إعادة فرض عقوبات ضد طهران إذا انتهكت الاتفاق الأخير.
ويعدّ إغراء السوق الإيرانية للمستثمرين الغربيين أحد أهم العوامل التي وضعتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة بعين الاعتبار لدى اتخاذهم قرار إبرام اتفاق مع إيران.
ووصف نحو 20 مسؤولا حكوميا ومسؤولا تنفيذيا ومحللا بالمجال التجاري في أوروبا والولايات المتحدة وإيران الفرص التجارية التي توفرها إيران بـ«المغرية»، لكنها تظل شائكة وغير مؤكدة.
وقال فيليب جوردون، منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط خلال السنتين الماضيتين، الذي يعمل حاليًا بمجلس العلاقات الخارجية: «لا نقع دائما على سوق تحمل إمكانات ضخمة وطبقة وسطى ناشئة»، في إشارة إلى السوق الإيرانية، إلا أنه حذر من أن «الدول ستتردد قبل أن تقدم على الانسحاب مجددًا من إيران».
وما يثير قلق الأوروبيين على نحو خاص هي البنود التي يطلق عليها اسم «بنود الارتداد»، وهي تتيح للولايات المتحدة أو أي دولة موقعة على الاتفاق إعادة فرض العقوبات سريعًا ضد طهران حال وجود انتهاك إيراني واضح للاتفاق، حتى إن كانت الشركات قد استثمرت مليارات اليورو في السوق الإيرانية. ورغم أن الاتفاق يتضمن شرطًا يحمي الاستثمارات القائمة، فإن هناك كثيرا من الشكوك حول كيفية تنفيذ ذلك على أرض الواقع.
ومن المتوقع أن تبدأ عملية رفع العقوبات على طهران بعد ستة شهور على الأقل، إلا أنه رغم المخاطر القائمة فقد قرر الأوروبيون أن المنافع تفوق المخاطر، وسرعان ما شرعوا في إرساء الأسس اللازمة للقيام بنشاطات تجارية داخل إيران. وقد سارعوا إلى ذلك قبل واشنطن بحكم أن الحكومات الأوروبية أبقت على علاقات مع إيران خلال الفترة التي قاطعتها واشنطن منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب أزمة الرهائن التي اندلعت عام 1979.
ويحمل الاتفاق النووي بالنسبة للأوروبيين، الذين انضموا إلى موجة عقوبات واسعة اتخذت ضد إيران عام 2012، فرصة لإعادة فتح سوق نادرة تضم قرابة 75 مليون مستهلك. ويذكر أنه عام 2011 استورد الاتحاد الأوروبي سلعًا إيرانية بقيمة 17 مليار يورو، أي ما يعادل 18.7 مليار دولار، بينما صدر إليها سلعا بقيمة 10.5 مليار يورو (11.5 مليار دولار)، وذلك تبعًا لما أعلنته الإدارة العامة لشؤون التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي.
من جهتها، قالت إيلي غرانميه، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «لقد أدى الأوروبيون ما عليهم. سياسيًا، ليس هناك تجميد للعلاقات الدبلوماسية بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي وإيران. وعلى مدار الـ15 سنة الماضية، احتفظ الأوروبيون بقاعدة اتصال داخل إيران»، مضيفة أن الأوروبيين «لا يعيدون اختراع العجلة».
جدير بالذكر أن بعض العقوبات التي تفرضها واشنطن سيجري رفعها تبعًا للاتفاق الجديد. ومن أهم هذه العقوبات ما يعرف باسم «العقوبات الثانوية»، التي تشير إلى عقوبات يجري فرضها على الكيانات الأجنبية المتعاونة تجاريًا مع إيران. وقد جرى استغلال هذه العقوبات في تغريم مصارف، بينها «بي إن بي باريبا»، مصرف فرنسي تعرض لغرامة ضخمة بلغت 8.9 مليار دولار في يونيو (حزيران) 2014 لإجرائه صفقات تجارية محظورة مع إيران والسودان وكوبا.
ويكمن الاستثناء الأميركي الوحيد بالنسبة لحظر المعاملات التجارية مع إيران في الطائرات المدنية، ما شكل خبرًا سارًا لشركات مثل «بوينغ» وشركات غربية أخرى تتبع في ملكيتها شركات أميركية، حيث كان بإمكان هذه الشركات الفرعية التقدم بطلب ترخيص للقيام بأعمال تجارية مع إيران.
لكم رغم وجود هذه الاستثناءات، لم يستفد سوى عدد قليل من الشركات ما دفع بالشركات الأميركية إلى ممارسة ضغوط لتخفيف العقوبات كي تتمكن من منافسة نظيراتها الأوروبية.
في هذا الصدد، قال ستيفين جي. مكهيل، شريك في «سكواير باتون بوغز» وهي شركة محاماة في واشنطن ذات نشاطات تجارية واسعة: «لدينا كثير من العملاء يتصلون بنا ويسألون: متى يمكننا الذهاب إلى إيران؟». وأضاف: «الإجابة كانت: لا يمكنكم ذلك، حتى إن كنتم تنتمون إلى الفئة القليلة التي باستطاعتها ذلك.. سيكون هذا صعبًا للغاية بالنسبة لأي شخص أو شركة أميركية».
من ناحية أخرى، أعربت شركات أوروبية عن قلق خاص حيال بند «الارتداد» وكيفية تنفيذه عمليًا. فلنفترض أن شركة ما استثمرت مئات الملايين، إن لم تكن مليارات، اليورو في مشروعات قد يستغرق تنفيذها عدة سنوات وتتضمن بناء بنية تحتية وتنفيذ استثمارات رأسمالية، فإنها تحتاج بكل تأكيد إلى ضمانات بأن العقوبات لن توقف هذه المشروعات.
في هذا السياق، يرى هاري تشيلينغوريان، رئيس شؤون استراتيجية أسواق السلع العالمية لدى «بي إن بي باريبا»: «ستحتاج شركات النفط إلى تمويل طويل الأمد من مصارف للقيام بصفقات هناك (في إيران)، لذا ستحتاج إلى الشعور بالثقة. لكن ما الذي سيحدث في حال عودة العقوبات؟ ما الضمان الذي تطلبه حال حدوث ذلك؟».
من جهته، أعرب غوردن، من مجلس العلاقات الخارجية، عن اعتقاده بأن من تولوا صياغة الاتفاق النووي مع إيران تعمدوا ترك مساحة للتأويلات في ما يخص بند الارتداد، مشيرًا إلى أنه لن تجري بالضرورة إعادة فرض جميع العقوبات في تلك الحالة.
وأوضح أن الاتفاق ينص على أن العقوبات المجددة «لن تطبق بتأثير رجعي» على عقود وقعت قبل رصد انتهاك للاتفاق. واعتمادا على ذلك، فإنه بإمكان الشركات والحكومات الأوروبية القول بأن العقود الحالي توقيعها حاليًا سيتم استثناؤها من أية عقوبات مستقبلية.
أما فيريدون خافاند، أستاذ جامعي فرنسي - إيراني بمجالي الاقتصاد والقانون بجامعة باريس ديسكارت، فيرى أن الأولوية الأولى لإيران ستكون تحديث بنيتها التحتية بمجال التنقيب عن النفط، ما قد يعني استثمارات جديدة بقيمة 185 مليار دولار، تبعًا لتصريحات صدرت مؤخرًا عن مسؤولين إيرانيين.
وتشمل بعض المجالات الواعدة الأخرى صناعتي البتروكيماويات والسياحة. وتتفاوض طهران حاليًا مع «أكور»، سلسلة فنادق فرنسية، لبناء فنادق جديدة لتوسيع مجال السياحة، حسبما ذكر كثير من الخبراء التجاريين.
كما أكدت شركة «بيجو» واحدة من رواد صناعة السيارات بفرنسا، الأسبوع الماضي أنها تمضي قدمًا في مفاوضات مع شركة «خودرو» الإيرانية لصناعة السيارات لتصنيع سيارات داخل إيران ونقل التكنولوجيا الفرنسية هناك. ويذكر أن إيران شكلت ثاني أكبر سوق لـ«بيجو» خارج فرنسا في الفترة التي سبقت فرض العقوبات الاقتصادية.
وبالمثل، خاضت شركة «سيب» الفرنسية لصناعة الأجهزة المنزلية طيلة العام الماضي مفاوضات لإبرام صفقة تجارية، حسب ما أفاد به نائب الرئيس التنفيذي لها، فريدريك فيرورد. ويذكر أن هذه الشركة تعمل في إيران منذ خمسينات القرن الماضي، وعقدت صفقات مع إيران بقيمة 50 مليون يورو سنويًا قبل العقوبات.
وقال فيرورد: «يمكن لإيران أن تصبح في حجم سوق مثل تركيا أو إسبانيا بالنسبة للسلع المنزلية»، منوهًا بأن لديها طبقة وسطى ضخمة.
في ألمانيا، تتطلع كل من شركتي «بي إيه إس إف» للبتروكيماويات و«سيمنز» العملاقة التي أسهمت في بناء أول سكك حديدية بإيران في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، إلى العودة إليها. وينطبق القول ذاته على شركة الصلب الألمانية العملاقة «تيزنكروب»، التي ارتبطت بعلاقات تجارية بإيران لأكثر من 30 عامًا قبل العقوبات.
كما ترغب شركات نفطية مثل «توتال» و«رويال دوتش شل» و«بريتيش بتروليم» في العودة لإيران، لكنها تعكف على مقارنة الفوائد بالمخاطر المحتملة، حسب ما أوضحه تشيلينغوريان، من «بي إن بي باريبا».

* خدمة «نيويورك تايمز»



مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.